الرئيسية / مقالات رأي / آراء فكرية / المجتمع الصومالي الشبكي: هل يمكنه صنع التغيير؟

المجتمع الصومالي الشبكي: هل يمكنه صنع التغيير؟

لم تغير تكنولوجيا المعلومات تصورنا عن العالم فحسب، بل غيّرت أيضاً تصورنا عن ذواتنا وهوياتنا الاجتماعية، وفي العقود الأخيرة؛ اهتم علماء العلوم الاجتماعية ظاهرة تكنولوجيا المعلومات وتأثيرها على المجتمع والسياسة والاقتصاد، ويرى بعض العلماء أن الثورة المعلوماتية ولدت مجتمعا جديدا، أطلق عليه مفهوم “المجتمع الشبكي” بوصفه مجتمعا خلقته الثورة المعلوماتية، ويرى بعض الآخرين أن تقانة المعلومات والاتصال الجديد اكتفت بتعزيز الأنساق والعلاقات الاجتماعية التقليدية.

إن العلاقة بين التقليد وبين الحداثة الشبكية التي خلقت مجتمعا شبكياً؛ علاقة جدلية وهي علاقة تتسم بالانفصال والمقارعة من حين لأخر. ويتجسد هذا الصراع دائما على المجتمعات التقليدية التي ركبت موجة الحداثة الشبكية، ويعود هذا الجدل إلى وجود انفصام بين المؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تخلقها الحداثة الشبكية وبين المؤسسات الاجتماعية التقليدية.

يقصد بالمجتمع الشبكي بتلك المجتمعات التي تظهر فيها خصيصتان أساسيتان: الخصيصة الأولى التي تتمثل في هذه المجتمعات توجد فيها تقانة معقدة من الاتصال وإدارة/توزيع المعلومات على نحو شبكي، والخاصية الثانية: هي إعادة انتاج الشبكة ومأسستها في كل مكان من المجتمعات الشبكية، باعتبارها الشكل الأساسي للتنظيمات والعلاقات الانسانية. هكذا يقدم صاحب كتاب المجتمع الشبكي Darin Barney تعريف مفهوم المجتمع الشبكي، وعلى هذا الأساس فان المجتمع الشبكي هو مجتمع حديث، ولذلك هناك سؤال يطرح نفسه وهو: ما هي علاقة المجتمع التقليدي بالمجتمع الشبكي الحديث؟ وهذا هو سؤالنا المحوري في هذا المقال.

هناك نقاش حول طبيعة تأثير التقنيات على الأفراد والمجتمعات، ففي مقدمة هذا النقاش تقف الأداتية باعتبارها مدرسة ترى أن التقنيات أدوات محايدة ووسائل لا جوهر لها، تتمخض عنها نتائج تتوقف تماما على الاستخدام الذي يخصصه بنو البشر. ومعظمنا سمع المقولة الكلاسيكية التي تصف التقنيات الحديثة بانها سكين ذو حدين، يمكن أن تستخدم في الشر وفي الخير على حد سواء، فهذه المقولة يبدو انها تابعة لهذه المدرسة، ومعظم رواد هذا المدرسة من الشركات التجارية ورجال الاعمال. وفي المقابل هناك المدرسة الجوهرانية التي ترى أن التقانة ليست محايدة، بل تجسد نمطا معينا للوجود في هذه العالم وتصورا مخصوصا للعلاقات البشرية، وتفرضها علينا، ومن رواد هذه المدرسة فلاسفة ومفكرين امثال هيدغر وألبرت بورغمان ولوتشيانو فلوريدي.

ويرى أستاذ الفلسفة الاخلاقية لوتشيانوا فلوريدي أن عصر الاتصالات الطبيعية انتهت ونحن الان متصلون ببعضنا البعض بشبكات معقدة وأصبحنا مندمجين في غلاف معلوماتي، ويرى فلوريدي أن الشخصيات التي نتخذها في وسائل التواصل الاجتماعي تصب في عالمنا الحقيقي إلى حد أننا نبدأ أن نعيش في حياة دائمة الاتصال او حياة الانترنت Onlife.

ولا يخفى على أحدا تأثير التقنيات الشبكية وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي على مجتمعنا الصومالي، حيث ظهرت مفردات وخطابات جديدة، مما يعني وجود مجتمعا شبكيا يعيش في حياة دائمة الاتصال، وبالإضافة الى ذلك تغير تصور الافراد عن ذواتهم مما يعرف “الانشغال بالعناية الذات” ومنها تغير المستمر للصورة الشخصية Profile Picture ووضع صور تم اختيارها بعناية شديدة. وفي هذه الصدد نشر الطالبان اسماعيل يوسف Ismail Yusuf Dhaha وعبد الكريم برخدلى Abdi Karim Barkhadle Igale بحثا بعنوان Facebook Usage among Somali youth: A Test Of uses and Gratification Approach، اعتبروا ان استخدام الشباب الصومالي للفيس بوك يرجع للبحث عن الرفاهية والتعبير عن الذات، حيث قاموا باستقصاء على الانترنت وشارك في الدارسة ثلاثمائة وإحدى عشر مشاركا.

هذه الدارسة تهتم بالأسباب التي تدفع الشباب استخدام الفيسبوك باعتباره أكثر الوسائل المستخدمة في الصومال، لكنها لا تهتم بالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تخلقها وسائل التواصل الاجتماعي، بل تشير الى ظهور جيل مرتبط بهذا المجتمع الشبكي يملك لغة خاصة وعبارات مخصصة.

كما رأينا في السابق ترى المدرسة الجوهرانية أن التقنيات ليست محايدة، بل تأخذ دورا في تشكيل واقع البشري وتفرض نوعا جديدا من العلاقات. ويذهب البروفسور والفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان أن الاختراعات التقنية المهمة هي التي تؤثر تأثيرا أساسيا على المجتمعات، ويؤكد أن وسائل الإعلام التي يستخدمها المجتمع أو يضطر لاستخدامها ستحدد طبيعة المجتمع، وكيف يعالج مشاكله.

اعتقد أن حتمية ماكلوهان وتعميمات المدرسة الجوهرانية تحتاج إلى شيء من التحليل، لأن المنهجية الخطية للتاريخ لم تعد كافية لتفسير التحولات الاجتماعية والسياسية للمجتمعات، وكذلك التعميمات والحتمية لم تنجح في تفسير الظواهر الاجتماعية بشكل منطقي. كما هو معروف فان المجتمعات التقليدية ومنها مجتمعنا الصومالي يُوجِد شبكات اجتماعية واقعية تفرض نفسها، وأقوى شبكة هي شبكة العشيرة، وبالتالي فإن المجتمع التقليدي لا يسلم لنفسه كليا لهذا المجتمع الشبكي الحديث، بل يسعى الى ابتلاعها وإعادة إنتاجها، فمثلا يصبح للعشائر منصات شبكية ومن خلال يعرضون توجهاتهم، وكذلك فرضت النقاشات التقليدية نفسها في الشبكات الاتصالية. وما دامت الشبكات التقليدية تفرض نفسها على الشبكات التقنية الحديثة، يمكن أن نقول أنه لم يحدث تحول يؤثر على طبيعة المجتمع. وعلاوة على ذلك؛ تكون علاقة المجتمع الشبكي الحديث مع المجتمع التقليدي محبوسة فقط في التقنيات الشبكية او الانترنت، حيث يتحول المجتمع الشبكي إلى مجتمع يكرر إنتاج الخطابات التقليدية بشكل روتيني لا أكثر، وذلك لغياب وسيط حقيقي، واعتقد أن غياب المجتمع المدني يجعل المجتمع الشبكي محبوسا في عالم الانترنت. هذا الوسيط هو الذي يحول المجتمع الشبكي إلى أرض الواقع ويفرض شروطها على المؤسسات التقليدية، وهكذا تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى منصات تقود ثورات الربيع العربي، وذلك بوجود وسيط قوي وهي مؤسسات المجتمع المدني. ولا نقصد أن التقنيات الحديثة لا تؤثر على الأفراد، بل العكس هناك تقلبات سلوكية أحدثتها التقنيات الحديثة، وأثرت في العلاقات الفردية، لكن ما نحاول ان نقوله هو أن التغيرات الفردية ليست كافية، لحدوث تحول اجتماعي كبير. وبوجود مؤسسات حديثة يمكن كسر الحلقة بين المجتمع الشبكي وبين المجتمع التقليدي، ولأننا نعتقد أن المرحلة التقليدية لا تنتهي إلا بفعل سلطوي قوي، أي حدوث تحولات على مستوى السلطات الفعلية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ففعل التحديث كان فعلا سياسيا ومشروعاً سلطوياً تقف وراءها مؤسسات الدولة. اما منصات التواصل الاجتماعي فأنها ستقدم نتائج مثمرة بوجود مجتمع مدني حديث منظم، يقدر على تحويل النشاطات الشبكية الى سياسات فعلية يمكن تطبيقها على ارض واقع. وغير ذلك أعتقد انها ستكون مجرد مجهودات فردية لا يمكن لها أن تصنع تحولات على مستوى المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

عن عمر علي باشا

عمر علي باشا
عمر علي باشا، طالب ماجستير في الاقتصاد يهتم بالفكر والفلسفة

شاهد أيضاً

صالح والرقصة الأخيرة على رؤوس الثعابين

سيرة حياته حافله على الكثير من الأدوار والمواقف المتناقضة جسدت طراز زعامته وسلوك حياته السياسية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.