الرئيسية / مقالات رأي / آراء سياسية / مسيرة السّلام: هل تفتح زيارة الرئيس الداخلية باباً جديداً من أجل المصالحة الشاملة؟

مسيرة السّلام: هل تفتح زيارة الرئيس الداخلية باباً جديداً من أجل المصالحة الشاملة؟

تأجّلت زيارة الرئيس إلى بونتلاند كبرى ولايات الجمهوريّة مرّات عديدة، وتردّد حينها إشاعات من قبل البعض بأنّ الرّئيس لايروق له الاتّجاه السّياسيّ للولاية والتي تتبنّى الدّفاع عن الفيدراليّة وتعتبرها خطّا أحمر منذ عهد الرّاحل عبداللّه يوسف وحتّى يومنا هذا.

وعلى الرّغم من الأخذ بالفيدراليّة نظاماً رسميّا للدّولة؛ إلّا أنّ الرّؤساء الثّلاثة الّذين خلفوا المرحوم يوسف بما فيهم الرّئيس الحالي أقلّ ما يمكن ان يُقال عنهم هو أنّهم لم يكونوا متحمّسين للفيدراليّة لأسباب مختلفة، وهذا ما وضع الولاية في موقف الخصم غير المباشر الدائم للحكومات المتعاقبة. وقد حاول الكثيرون شيطنة الولاية وعزلها بحجّة أنّها تتطاول على الحكومات الشّرعيّة دون محاولة بذل أدنى جهد لفهم دوافعها ودراسته لفهم المشكلة وحلحلتها في إطار مسايرة الواقع الجديد بعد سنوات من النّزاع والاقتتال الدّاخليّ، اختفت فيه الثّقة بين أبناء الوطن ونزغ الشّيطان بينهم.

اليوم؛ وبعد أن أصبحت الفيدراليّة أمراً واقعاً، تشكّلت قناعة جديدة بأنّ الأمر يجب التّعايش معه بما لا يضرّ بالمصلحة الوطنيّة ولا ينتقص من سيادة الدّولة لعبور المرحلة على الأقلّ، وحتّى يتمّ بناء جسور الثّقة بين المجتمع الصوماليّ، ويُمكّن المواطنون من قول كلمة الفصل بشأن النّهج الأنسب للحكم من خلال استفتاء شعبيّ عملا بمبدأ: “الأغلبية تحكم والأقلّيّة تنقاد”.

اليوم، وبعد أن كان الكثيرون يتحسّسون من طرح الأسلوب الإتّحادي طريقة للحكم، باتت هناك خمس ولايات معظمها في طور الحضانة إلّا أنّها قابلة للنّموّ والاعتماد على نفسها في زمن محدود جدّا، وذلك إذا ما عقدت قياداتها العزم والإصرار على النّجاح ولعلّ المحاولة الجارية على قدم وساق في غلمدغ لتوحيد إدارة دعالى حاف مع حركة اهل السّنّة والجماعة مؤشّر قويّ على دخول الصومال إلى مرحلة جديدة يسود فيها منطق الحوار والإقناع بدلا من منطق التّهميش والإقصاء.

بدأت الحكومة مؤخّرا – وتحديدا بعد مجزرة زوبي- في إحتواء ازمة الخلاف بينها ولايات الجمهورية، فبعد سلسلة من مشاريع سحب ثقةٍ عصفت ببعض الإدارات الإقليميّة، والّذين اتّهموا الحكومة بالوقوف وراءها، تشكّلت ملامح جديدة من التّعاون والانسجام في المجالات السّياسيّة والأمنيّة، ولعلّ الحكومة شعرت بخطورة الاستقطاب الإقليمي وإنعكاسه على السّاحة المحلّيّة خصوصا الأزمة الخليجيّة ممّا يهدّد مشروع إنعاش الدّولة ومحاولة انتشالها من الحضيض.

لقد فُوجئ الجميع بالاستقبال الشّعبيّ والحفاوة الكبيرة التي حظي بها الرئيس والوفد المرافق له، إذ لم يكن أشدّ المتفائلين من أنصاره يتوقّع خروج هذا الكمّ الهائل من الجماهير بشكل عفوي من غير أن تتلقّى توجيهاً أو تنظيماً من أحد، من هنا تبيّن أنّ مشكلتنا ليست في مجتمعنا بقدر ما هي في غياب قيادة مُلهمة من طينة الرّئيس فرماجو تستطيع التّأثير بالنّاس من خلال تحريك الغيرة والمشاعر الوطنيّة الدّفينة للتّأسيس لمرحلة الإلتئام والوحدة.

أن يتمكّن الرّئيس من التّنقّل عبر مسافة ألف كيلو متر بين شعبه من مدينة إلى مدينة، ومن منطقة إلى أخرى، آمناً مطمئنّاً لا يخاف على نفسه من مكروه، رغم التحدّيات الامنية الكبيرة بل وأن تستقبله الجموع بالورود والزهور وسط فرحة هيستيريّة لم نعهدها من قبل، لهو أمرٌ يبعث الأمل في النّفوس بإمكانيّة لمّ شمل الجمهوريّة تحت العلم الأزرق من جديد.

معظم المشكّكين – بما فيهم أنا- في قدرات الرّئيس على كسب القلوب والّذين كانو يرون أنّ مخزونه الشّعبيّ تكوّن إمّا بضربة حظّ أو نتيجة لحبكة إعلاميّة مصطنعة ومدبّرة بإحكام، تبيّن لهم أنهم جانبوا الصّواب في تلك النقطة، والحال كذلك مع أولئك الّذين راهنوا على نفاذ رصيده الشّعبيّ بعد موجات متلاحقة من الأحداث المتغيّرة سواء من جانب الكتلات المعارضة أو حركة الشّباب إضافة إلى تحوّل الصومال في عهده إلى حلبة مصارعة لقوى متعدّدة متزاحمة.

يبقى الرصيد الشّعبيّ غير المسبوق للرئيس على نفس المستوى على غير العادة وكأنّه لم ينقضِ عام كامل على توليه السلطة، ثقة الشّعب فيه لم تهتزّ بعد، وكأنّ البراكين المتفجّرة من حوله لم تكن إلّا لتلهب حماسه وتوقد في داخله الإصرار والعزيمة وسط ذهول خصومه السّياسيّين الذين لا يكادون يٌصدّقون الطّوابير الطويلة الّتي تنتظر رؤيته تحت شمس حارقة، يحلم أحدهم برؤيته ناهيك عن التقاط صور معه، ولم يتمكّن العديدون من حبس دموع الفرحة.

ماذا إستخلصنا من الزّيارة؟

شخصياً اُطلق تسمية مسيرة السّلام  على الرزيارة الرئاسية، لكن عددا من الأكاديميّين والمسئولين من بينهم المحامي المعروف سالم سعيد والوزير عبدالفتاح اشكر وآخرون أطلقوا عليها  وصف “البيعة الشّعبيّة الكبرى” واعتبروها تفويضا شعبيّا نظرا إلى الالتفاف الجماهيري ومستوى الاحتفاء أثناء الزّيارة الّتي تدخل أسبوعها الثّاني وقت كتابة هذه السّطور، ولعل التحامه مع المواطنين من غير حراسة أجنبيّة مؤشّر على إمكانية الاستغناء عن قوّات الاميصوم في غضون وقت قصير جدّا.

لاشكّ أنّ مثل هذه التّظاهرة تعطي جرعة من الشّحنات المعنويّة للرّئيس فرماجو في وقت هو بأمسّ الحاجة إليها، وقد أكّد لي أحد المطّلعين بالزيارة أنّ السّيد الرئيس قال في أكثر من مناسبة أثناء الزيارة بأنّه بعدما عاين الوضع في محافظات الولايات بنفسه أنّه بات الآن يؤمن بإمكانية عقد انتخابات عامّة في الصومال في موعدها المحدّد وفي نفس الوقت فإنّ الزّيارة مثّلت ضربة سياسيّة موجعة لمنتقديه، وستحدّ من جرأتهم واندفاعهم في الشهور المقبلة على الأقلّ، كما أنّها كانت بمثابة فرصة للتّقارب والتّعاون مع أهالي تلك المناطق من خلال المساهمة في إقامة مشاريع خدميّة.

والجدير بالتّنويه في هذا الصّدد؛ هو فتح قنوات للحوار والمصالحة بين الرّئيس ورئيس الوزراء السّابق عمر عبدالرّشيد قائد المعارضة السّياسيّة، والمحسوب على الإمارات وذلك برعاية الملك برهان على أمل استكمالها لاحقا على مراحل، تلك الخطوة تمثّل نقلة نوعية في طريقة التّفكير تعتمد على الحوار عبر وساطة محليّة وليست اجنبية، كما أنّ الخطوة تعطي دلالة واضحة على الاستياء الشّعبيّ من العبث الإماراتيّ في الشّان الصوماليّ وأنّ المجتمع لم يعد قادرا على تحمّل حروب بالوكالة هو في غنى عنه.

عن محمود عيسى فارح

محمود عيسى فارح
كاتب صومالي

شاهد أيضاً

القدس…التي لم نحافظ عليها كالرجال!

عن أرض العروبة والإسلام أحدثكم … ورثنا عن أجدادنا أراض واسعة الأفق غناءة ذات مواقع …