الرئيسية / تقارير / تقارير تكايا / حرب الدعاية بين الإمارات وقطر: هل ينقلب الصومال لساحة حرب بالوكالة؟

حرب الدعاية بين الإمارات وقطر: هل ينقلب الصومال لساحة حرب بالوكالة؟

بدأت التحركات الإماراتية في الصومال أثناء فترة الرئيس السابق-حسن شيخ محمود، وكانت كرد فعل على التغلغل التركي في البلاد، الذي بدأ كعادة كل التحركات الأجنبية على شكل مساعدات إنسانية، حتى صارت تدريجيا أهمّ الدول المستثمرة في دولة خرجت لتوّها من صراع قبلي مرير، واستغل الاتراك الفرصة المتاحة أمامهم أيما استغلال، وبنوا علاقة شعبية وطيدة مع الإنسان الصومالي المتعطش لتغيير طريقة حياته. وقبل أن بدأوا حملتهم الاستثمارية، حتى افتتحوا أكبر سفاراتهم في العالم في الصومال، وبعدها خططوا لبناء أكبر قاعدة عسكرية لهم في الخارج، وافتتحت القاعدة نهاية سبتمبر الماضي. لم تأتٍ تلك التحركات وليدة لموقف عاطفي من قبل أردوغان وفريقه، بل بُنيت مساعيهم على دراسات وفق مخطط مسبق، وتصادف ذلك مع  استياء الصومال من الدول العربية وبالأخص الخليجية الذين رغم قربهم جغرافيا للصومال، والعلاقة الاقتصادية الناجحة معهم، آثروا سياسة النأي بالنفس بدلاً من مساعدة النظام والشعب في مسيرة بناء الدولة.

وقد أثار الوجود التركي حفظية دولة الإمارات العربية المتحدة، وأغرتها العلاقة الاقتصادية الوطيدة بينهم وبين الشعب الصومالي في عقود الماضية وحتى الآن، وظنوا أن مفاتيح اللعبة السياسية الصومالية في أيديهم، وافترضت أن الصومال بلد فقير ولا يمتلك قراره السياسي، فإن السياسيين يحتاجون إلى سيولة مالية للتأثير على القرار السياسي، فطالما أن الصورة العامة عن الصومال هكذا فإن الأمور بخير، ولا تحتاج إلى مناكفة سياسية قوية، بل كل ما تحتاجه هو”شراء الذمم” لتسيير سياساته الخارجية، وهذا هو ما حدث فعلاً، الكل يتسابق لدفع لشراء ذمم السياسيين الصوماليين، موالاة ومعارضة، شئنا أم أبينا!

غير أنّ المساعي الإماراتية لهندسة السياسة الصومالية باءت بالفشل بعد خسارة المرشح الذي كانت تعوّل عليه، ثم جاء الموقف المحايد للحكومة الصومالية فجنّ جنون صناع القرار في الإمارات، وبدأوا بتحريك أصحاب المصالح التجارية معها في الدّخل للضغط على الحكومة لتصير رهن إشارة أبوظبي، أو تقويضها.

وفي المقابل؛ فسّر المحسوبون على دولة قطر داخل الحكومة الموقف الحيادي على أنّه إعلان حرب ضد الإمارات، ومن له مصالح فيها، واصطفاف مع قطر، وبدأوا بملاحقة من ينتقدهم بتهمة التّعامل مع الإمارات لتقويض أركان الدّولة، وكأن هذا لا يتناقض مع الموقف الحكومي الذي رآه الصوماليون في عمومهم أنه موقف مشرف وتاريخي، ذلك الموقف الذي أكسب الرئيس ورئيس الوزراء زخما وتأييداً غير مسبوقين.

ويمكن ملاحظة تآكل شعبية الحكومة في العاصمة على الأقل بعد حملة غير ذكية وشرسة ضد الإمارات، وشيطنة المعارضة ورميها بتهمة التخابر مع الإمارات، دون اتخاذ الجهات الرسمية أية إجراءات في حق دولة يتهمها الإعلام المحلي والجهات الأمنية بارتكاب خروقات تمسّ السيادة الوطنية، وتشعل فتيل أزمة سياسية.

كانت أولى الخطوات التي أساءت لصورة الحكومة تسليم عضو الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين عبد الكريم قلبطكح، وتذكر مصادر محلية أن مهندس تسليم الرجل لإثيوبيا كان كبير موظفي فيلا صوماليا، فهد ياسين، رجل قطر ومنفذ أجندتها في الصومال، لأن دولة قطر أرادت تعزيز علاقتها مع إثيوبيا وللحدّ من تداعيات الحصار المفروض عليها خليجيا.

تلتها قضية اقتحام مقر حزب ودجر الذي يترأسه السياسي عبد الرحمن عبد الشكور وما رافقه من تجييش إعلامي ضده، واختلاق أكاذيب تبينت لاحقاً، وقد قاد الحملة مدعي عام الجمهورية، والذي ما زال مصراً على استكمال المحاكمة مع العجز التام عن الإتيان بدليل ضده، رغم أن الإعلام المأجور ذكر ضبط 18 مليون دولار نقداً في المقر، ولم تقدّم تلك الملايين للمحكمة ضمن ما يفترض أنها أحراز وأدلة. ثم تداول الجيش الافتراضي وثيقة تحمل شعار حزب ودجر ومذيلة بتوقيع عبد الرحمن عبد الشكور وهي إحاطة شهرية عن وضع البلد مقدمة للإماراتيين، وتبين زيفها لاحقاً.

وتكرر نفس السيناريو غير المحكم بعد اقتحام منزل عضو مجلس الشيوخ عبدي قيبديد، وقد تصدّر اللعبة هذه المرة السيد صادق جون، أحد القراصنة البحريين الذي أصبح بقدرة قادر مسؤولا في جهاز نيسا، ومن الواضح أن اتصاله السريع بالسيناتور وإعلامه قبل أي تحقيق، ومن دون طرح أي سؤال عليه، أن القوات التي اقتحمت منزله هي القوات التابعة للإمارات!! علماً أن مصادر موثوقة من قسم التحقيقات الجنائية التابعة للجيش أكدّت لفريق تكايا أن مدير فرع نيسا في مديرية هودن ذكر في التحقيقات أن صادق جون أمره بالتوجه لترأس القوة التي أُرسلت لاقتحام منزل مشبوه فيه مركبة مفخخة جهزتها المعارضة لتفجيرها في ضواحي مقديشو!

يتخوف بعض المراقبين من استخدام الصومال ساحة للحرب بالوكالة بين أطراف الأزمة الخليجية، والشعب الصومالي أداة فيها، ويمكن توصيف ما يجري حالياً بحالة الإعداد النفسي للحرب، فالإعلام الإماراتي يتصرف كالوصي على الصومال وحاميه من التطرف، بتلفيق أخبار كاذبة ضد قطر، مثال على ذلك ما أوردته بوابة العين الإخبارية عن جماعات إرهابية موّلتها قطر، والواقع أن هذه الجماعات لم توجد يوماً في الصومال.

أما الإعلامي القطري فقد لفت أنظار الصوماليين بنشره تصريحات لم يقلها المسؤولون، مثل أن المدعي العام طالب برفع الحصانة عن نائبين في البرلمان بسبب تلقيهما أموالاً من الأمارات، أو بأن الصومال يحاصر خلايا أبو ظبي، وكررت صحف قطرية وموقع الجزيرة نت عبارة لافتة هي: ” وكانت الحكومة الصومالية عانت انتقادات مصدرها سياسيون محسوبون على دولة الإمارات بعد اتخاذها موقفا محايدا من الأزمة الخليجية،”

وكأنه ينبغي ألا يكون للحكومة منتقدون ومعارضون!

ولا يبدو أن عملاء قطر داخل الحكومة بالقدر الكافي من الذكاء، فهم يتصرفون ويعولون على بساطة الجماهير الصومالية، ويستخدم الإعلام المحلي بكثافة لخلق بعبع خارق القوى اسمه دولة الإمارات، وأن الحكومة ضحية مؤامرت تلك الدولة الشريرة التي لا يمكن أن يقف الصومال في وجهها. وتُلصق كل التهم بدولة الإمارات، وكأن الحكومة ليس لديها الحق والقدرة على الاحتجاج على الممارسات الإماراتية المزعومة، ما يجعل المواطن في حيرة من أمره، فهو يرى الرئيس يزور الإمارات أكثر من مرة، ويرى رئيس الوزراء يشكر الإمارات على دورها في تأهيل الجيش الصومالي، ثم يرى مسؤولين كبار يتهمونها مثل صادق جون، والإعلام يبني روايات على نظرية المؤامرة الإماراتية ضد الصومال لئلا ينهض من جديد.

ويميل شعبنا إلى “الركوب الموجة” أو النمط الأشهر في دنيا الدعاية وهي “القفز على العربة”، وهي الجنوح الى الأغلبية الساحقة بدون تقديم أسئلة نقدية عن ما يعتبرونه الناس بأنها حقيقة مسلمة، وهذا ما يسمي ب “عقلية القطيع”، والدعاية بمفهومها البسيط هي: الآلية التي يستخدم لضبط المجتمع، وتلجأ الدول الشمولية دائما الى هذا النوع من الدعاية وطمس الحقائق وتقديم الشعب حقيقة ناقصة أو في أغلب الأحوال شيطنة (تصفية) الآخر الذي ينافسها، وبعد تكرار تلك الدعاية الكاذبة يصدقها المجتمع، ويصل الحاكم لغايته.

إنّ ما يستاء منه الشعب الصومالي هو أمران:

أولا: إذا كانت دولة الإمارات حقاً تقوم بهذا الدّور التدميري، وتحارب الحكومة، فلماذا لا تتخذ أي خطوة لمواجهة هذا الخطر، مثل إغلاق المراكز العسكرية التي تديرها والاكتفاء بالقاعدة التركية؟ ولماذا تكتفي بملاحقة السياسيين المعارضين بتهمة التعامل مع الإمارات، دون المساس بشخصيات ذات ارتباطات مشبوهة مع الإمارات والبلاك وترر التي تعاقد معها بعضهم وتنسب الآن للإمارات، مثل السيد عبد القادر عوسبلي صهر وزير الأمن؟

ثانياً: إذا كان التعامل مع دول أجنبية ضد مصالح الجمهورية، فماذا يفعل رجل قطر في فيلا صوماليا؟ المقر الأكثر أهمية في الدولة، ورمز سيادتها؟

إن أمام المسؤولين الصوماليين اليوم خياران:

إما أن تقدّم أدلة على جرائم دولة الإمارات المزعومة في الصومال، وضد سيادة الدولة الصومالية، وإما أن يحافظوا على الحياد المعلن، وتتوقف الشبكة الخفية التي تنقل لقطر وصحافتها معلومات مزيفة وتصريحات لم تُقل عن محاولة خرق الموقف الوحيد الأكثر قبولا بين أوساط الشعب الصومالي.

كما أن من حق المواطن الصومالي احترام عقله وعدم اللجوء للخطاب الإعلامي المبتور الذي لا يقدم الصورة الكاملة للمشهد السياسي القائم، ويفترض أن تكون لدى الصحافة المحلية القليل من المسؤولية تجاه الشعب في هذه المرحلة الحساسة، والحرص على ألا يتأثر بعضنا بالدعاية الاعلامية المفبركة التي تشحن الوعي الجمعي ضد دولة ما أو شخصيات اعتبارية بعينها على أساس أنهم يتقاضون مبالغ مالية لدولة الإمارات العربية وكأن من يقول ذلك وصل إلى سدة الحكم بتبرعات شعبية، ولم يكن يوما ما يهرول إلى تمويل أجنبي ودعم خارجي لكي يحصل على كرسي في البرلمان، أو ليصل للرئاسة!

لنتحترم أنفسنا قليلا ولنترك التجييش الشعبي الذي يُشحن لأجل قضايا إقليمية لا تخصنا لا من قريب ولا من بعيد، لنجعل همنا الأكبر: كيف نحافظ على الاستقرار الوطن، وكيف نبني مؤسسات حكومية صلبة تستطيع مقاومة إغراءات الدول الطامعة في التأثير على قرارنا السياسي.

عن فريق تكايا

فريق تكايا

شاهد أيضاً

واقع التعليم العالي في صوماليلاند ودليل الطلاب لأفضل التخصصات والكليات

أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي في صوماليلاند عن نتائج امتحانات الثانوية العامة للسنة الدراسية السابقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.