الرئيسية / تقارير / الانتخابات الرئاسية في صوماليلاند .. قراءة من الداخل

الانتخابات الرئاسية في صوماليلاند .. قراءة من الداخل



تستعد جمهورية صوماليلاند المعلنة من طرف واحد، بعد فكّ ارتباطها مع الصومال في مايو من عام 1991، لإجراء انتخابات رئاسية، للمرة الثالثة، لاختيار رئيس جديد لصوماليلاند خلفاً للرئيس الحالي أحمد سيلانيو  في الثالث عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري. بعد تعذّر إجراء الإنتخابات الرئاسية في موعدها المحدد في شهر مايو ايار 2015، وإرجائها مرتين، من قبل اللجنة الوطنية للانتخابات، تحت ذرائع مختلفة.

وكما جرت العادة فإن التنافس على كرسي الرئاسة يجري بين مرشحي الأحزاب السياسية الثلاثة،أبرزهم موسى بيحي عبدى، رئيس ومرشح الحزب الحاكم، كلميه،  وعقيد سابق في الجيش الصومالي وأحد القادة البارزين للحركة الوطنية الصومالية. بعد إعلان  الرئيس سيلانيو عدم الترشح لفترة رئاسية ثانية. أما ثاني أبر المرشحين فهو عبدالرحمن عبدالله عرو، رئيس ومرشح حزب وطني،أكبر أحزاب المعارضة. دبلوماسي سابق، ورئيس مجلس النواب السابق. بينما يعتبر فيصل على ورابي رئيس ومرشح حزب اوعد أقدم الأحزاب السياسية،أقل المرشحين حظاً للفوز في الإنتخابات.وقد سبق له الترشح في الإنتخابات 2005 و2010 على التوالي.

نشأة الأحزاب السياسية

يمثل وجود الأحزاب السياسية في صوماليلاند ظاهرة مميزة، قياساً على غيرها من بلدان الطوق. بدات تجربة تكوين الأحزاب السياسية في صوماليلاند في مطلع الألفية، تحقيقاً للميثاق الوطني، الذي حدد خارطة طريق سياسية، لنقل العملية السياسية من النظام العشائري التقليدي، الذي اختير وفقه أول رئيسين للجمهورية، عبدالرحمن على تور، ومحمد ابراهيم عقال.

ويُعتبر عقال المؤسس الفعلي للدولة والتجربة الحزبية، من خلال وضع الإطار القانوني الناظم لعملها اولاً، والقيام بتأسيس حزب “اودب” كأول حزب سياسي في صوماليلاند. نقل به العملية السياسية من الوضع التقليدي المستند على العشائر، إلى نظام ديمقراطي حديث، يسمح لتيارات السياسية بتنظيم نفسها على شكل أحزاب ينطوي تحت دائرتها مختلف القوى المجتمعية، مما عتبر نقلة نوعية في مفهوم ممارسة السياسة وتنظيم العملية السياسية في الدولة.

من الجدير بالذكر أن عدد الاحزاب المصرح لها بالعمل في الساحة السياسية وفق الدستورهي ثلاث أحزاب فقط، كل عشر سنوات، هي المدة التى حددها الدستور لفتح باب إنشاء وتسجيل الأحزاب أمام القوى السياسية، وتُختصرالقائمة النهائية للأحزاب بعد كل انتخابات بلدية، في ثلاث احزاب فقط.

في عام 2011، جرى فتح باب إنشاء الأحزاب السياسية في صوماليلاند، كـ تيارات سياسية، على ان تتحول التيارات السياسية الحاصلة على أكثر عدد من الأصوات في الانتخابات البلدية، كأحزاب سياسية وطنية، طيلة العشرة سنوات المقبلة. هده الوصفة المحلية كانت من بنات أفكار الرئيس الراحل عقال، في محاولة منه لحماية العملية الحزبية والسياسية من التأثير الكبير للقبائل. وتشجيع الاصطفاف السياسي وفق قالب حزبي ايديولوجي، بعيداً عن التخندقات والتحالفات العشائرية والمناطقية، التى مثلت الأساس الصلب للانتماء السياسي للفرد الصومالي بشكل عام، والصوماليلاندي بشكل خاص. حيث تعتبر التحالفات السياسية بين العشائر هي ما يحدد هوية الحزب الفائر في الإنتخابات المقبلة.

ماهي برامج الأحزاب في الانتخابات؟

بشكل عام، لا وجود لفروقات كبيرة تذكر في للبرامج السياسية للأحزاب، يستطيع القارئ أو الناخب، التفريق بينها، واختيار المرشحين على أساسها. جميع برامج الأحزاب تتشابه بشكل كبير، إلى حد التطابق في بعض الأحيان، في إثارة القضايا والمشاكل المجتمعية والسياسية والاقتصادية التي يعاني منها الشعب.

كل حزب اجتهد في كتابة برنامج انتخابي جميل، يقدم حلول مقترحة للمشكلات الاقتصادية والسياسية والأمنية المتراكمة طوال العقدين الماضيين. السمة المشتركة في برامج الأحزاب هي تقديم حلول وسياسيات فيها الكثير من الغموض والعموميات، التى لا تناقش صلب هذه المشاكل والأزمات. لأن الجيمع يهرب من مناقشة المشكلات بشكل علمي، لتقديم حلول علمية وعملية، انطلاقاً من القدرات الاقتصادية والسياسية المتوفرة حالياً.

التشابة الشديد لحد التطابق يدفع القارئ لبرامج الأحزاب السياسية، للاعتقاد بأن لجنة مشكلة من طرف واحد قامت بإعداد تلك البرامج، ومن ثم وزعتها على الأحزاب، مع تغيير الغلاف الخارجي لبرنامج كل حزب. ويعتبر غياب أساس فلسفي وتوجه ايديولوجي وفكري للأحزاب، يحدد الخطوط العريضة للأفكار والسياسات المفترض انتهاجها للتعامل مع مختلف الأزمات الفكرية والسياسية والاجتماعية سبباً في تشابه تلك البرامج.

أهم القضايا المطروحة للنقاش

يعتبر الجانب الاقتصادي أهم قضية مطروحة للنقاش السياسي، نتيجة للأزمة الإقتصادية الحادة التى يعاني منها الشعب، فالسواد الأعظم منه يعيش تحت خط الفقر. وعمقت موجة الجفاف والتضخم الجامح من يوميات الأزمة المعيشية التى يعيشونها. مع ذلك لا وجود في برامج الأحزاب سياسيات اقتصادية جادة للتعامل مع هذه الأزمة، وتسيير الاقتصاد بشكل علمي، من خلال إعادة إنشاء ودعم مؤسسات الدولة الاقتصادية المتحكمة في الاقتصاد الوطني. كتفعيل سلطة البنك المركزي في مراقبة المؤسسات المالية، والتحكم في السياسيات المالية، من خلال استعادة سلطة خلق النقود من شركات الاتصالات العاملة مثل البنوك التجارية، في ظل غياب قوانين تحكم نشاطاتها المالية. الأمر الذي يمثل وفق نظر الكثير من الاقتصاديين أولى الخطوات الأساسية للسيطرة على الاقتصاد، وتخفيف حدة التضخم.

ويحتل موضوع الانفتاح الاقتصادي، ودعم وتشجيع المناخ الاقتصادي والتشريعي الجاذب للاستثمارات الأجنبية إلى السوق المحلية، موقعاً متقدماً في الحملة الانتخابية للمرشحين، خاصة ملف استثمارات دولة الإمارات العربية المتحدة، في ميناء بربرة، من خلال منح عقد تشغيل وتوسيع الميناء لشركة دبي القابضة. حيث تتبادل فيه الأحزاب الاتهامات بالفساد والتفريط في المقدرات الاقتصادية للبلاد. حيث يؤيد حزبا كلميه واوعيد الاتفاقية مع الإمارات، بينما يدعو حزب وطني لإعادة التفاوض في الاتفاقية والامتيازات الممنوح للإمارات، دون تقديم رؤية واضحة في الموضوع، وسبيل تحقيق ذلك.

وتمثل مشكلة البطالة في المجتمع أحدى أهم القضايا المطروحة للنقاش. حيث تتسابق الأحزاب في تقديم حلول مقترحة، للتخفيف من حدة هذه القنبلة الموقوته في المجتمع. وللأسف لا وجود لسياسات علمية في برامج الأحزاب للحدّ من هذه الظاهرة الكارثية والتي تقف خلف معظم المشكلات الأمنية التى تعاني منها معظم المدن في صوماليلاند، نيتجة لتحول شريحة كبيرة من الشباب لعصابات منظمة تمارس أعمال السطو والنهب وقطع الطرق، مما يهدد  السلم والاستقرار النسبي الموجود.

وعلى الرغم من جدية المشكلة واستحكامها، فمن المستغرب طرح بعض المرشحين حلولا ساذجة لها، كالعمل على زيادة عدد الموظفين في الدوائر الحكومية المهترئة أصلا، والتي تعاني من فائض في الموظفين، خلقت ظاهرة البطالة المقنعة والموظف الوهمي “العاجلي” ، والذي يستنزف ميزانية الدولة المحدودة. فضلا عن تقديم الخدمة الوطنية الإجبارية كأحد الحلول السحرية لأزمة البطالة. مما يبين جهل المرشحين بالسياسيات الاقتصادية لمشكلة البطالة.

وكالعادة،في كل انتخابات رئاسية، تمثل السياسية الخارجية، والعلاقات مع دول الجوار الإقليمي، فضلا عن أم القضايا وهي قضية نيل الاعتراف الدولى، أهم المواضيع التى يجتهد فيها المرشحين في تقديم رؤيتهم لتسويق القضية السياسية لصوماليلاند لدى المجتمع الدولي. وسط هذه القضية يثار موضوع العلاقات مع الحكومة الفيدرالية والسبيل الأمثل لإدارة المحادثات المتوقفة بين الجانبين، للوصول إلى حلول وتسويات سياسية تضمن الاتفاق على فك الارتباط بشكل ودَي، وإرجاع عقارب الساعة إلى ما قبل تأسيس دولة الوحدة.

وتتفق الرؤي السياسية للأحزاب تجاه المحادثات مع الحكومة الفيدرالية، في ضرورة اتخاد خيار المفاوضات كمسلك استراتيجي، ووحيد لحل النزاع بين الجانبين، مع التفاوت في لون الخطاب السياسي المعبر عن هذا الاتجاه.

وتحل قضايا التعليم، وإشراك شريحتي الشباب والمرأة في العملية السياسية، والتعديلات الدستورية او بالأحرى اعادة فتح الدستور والتفاوض عليه، والإصلاحات الهيكلية في مؤسس الجيش والمؤسسات الأمنية مثل الشرطة، وتعديل نظام الدوائر الإنتخابية للبرلمان المعمول به حالياً في ذيل المواضيع المطروحة للنقاش في الحملة الإنتخابية.

سلاح الإعلام وحرب الشائعات والتشهير

على عكس الحملات الانتخابية السابقة، استخدمت وسائل الإعلام التقليدية، ووسائل التواصل الإجتماعي المختلفة بشكل مكثف، في عرض برامج الإحزاب السياسية، والترويج للمرشحين ورؤاهم السياسية. كل حزب لديه جيش من المتطوعين في الحملة الإنتخابية، مهمتهم الرئيسية الترويج للمرشحين ومهاجمة المرشحين الأخرين والقدح في أهليتهم السياسية في وسائل التواصل الاجتماعي، التي توفر للحملات الإنتخابية المزيد من الزخم والقوة، وتساعد في نشر البروبغاندا السياسية، ونقل الأخبار والرسائل للجمهور.الأمر الذي ادى الى نشوء حروب كر وفر إعلامية بين المناصرين في منصات التواصل الاجتماعي.

بروز التأثير الكبير لمنصات التواصل في الحملات الانتخابية، دفع المرشحين والقائمين على الدعاية الانتخابية للمرشحين، للتسابق في الاستفادة منها، وأُنشأت مواقع الكترونية متطورة للأحزاب والمرشحين، لعرض البرنامج السياسي لكل مرشح، وبروفايله الشخصي. ومحاولة جمع التبرعات من المناصرين.

وفي السياق ذاته، سجل بعض المرشحين، فيديوهات قصيرة أعدت بشكل احترافي، لعرض تاريخه السياسي للناخبين. تتضمن شهادات بعض رموز المجتمع من المشاهير عن مسيرته السياسية والجوانب الإيجابية لشخصيته.

وفي سابقة من نوعها، وفي تقليد آخر للنموذج الأمريكي، قامت أحدى منظمات المجتمع المدني بقيادة مجموعة من الشباب تسمى إنسبايرجروب وبالتعاون مع بعض القنوات المحلية في تنظيم مناظرة تلفزيونية للمرشحين، ناقشت فيها محاور السياسة الخارجية، والداخلية، والاقتصاد، في برامج المرشحين. استمرت لأربع ساعات متواصلة، وبثت على الهواء مباشرة، من قبل القنوات الناقلة لها، ومن خلال صفحة المنظمين في فيسبوك. ونالت هذه المناظرة الكثيرمن الإشادة والثناء من قبل الصوماليلاندين، واعتبرتها المراقبون تطوراَ مهماَ للتجربة الحزبية الفتية في صوماليلاند.

وفي السياق الإعلامي ذاته، مثلث البروبغاندا السياسية أكثر التكتيكات التى استخدمت في الحملة الإنتخابية، في مسعى كل حزب لتشوية صورة الطرف الآخر أمام الناخبين. اشرس تلك الحملات شنت على مرشح حزب وطني، أكبر أحزاب المعارضة، إذ اتهمه الحزب الحاكم كلميه بارتباطة بعلاقات مشبوهة مع الحكومة الصومالية، وتلقي دعم مالي ومعنوي من قبل إدارة فرماجو. حيث نشرت فيديوهات تدعي اجتماع عبدالرحمن عرو مرشح الحزب مع الرئيس الصومالي فرماجو في نيروبي، قبيل إختيار الإخير رئيساً للصومال.

ومؤخراً، جرى تسريب شيك بقيمة ثلاثة ملايين دولار، قيل أنه قدم من قبل فرماجو لصالح حزب وطني، باسم رئيس العلاقات الخارجية للحزب محمد عثمان فدل. فضلا عن نشر بعض المراسلات باسم وزارة الخارجية الصومالية للمبعوث الأممي في الصومال، للبحث عن تأييد أممي لحزب وطني.

وشهدت الحملات الانتخابية للأحزاب مستوى غير مسبوق من التشهير المتبادل بين المرشحين ومناصريهم. واتهم مرشح كُلمية بالنرجسية، والفساد، وتبني خطاب قبلي مناطقي. في الوقت نفسه الذي اتهم  مرشح حزب وطني بضعف الشخصية، والعمالة لصالح الحكومة الفيدرالية.

وبالرغم من تبين زيف الادعاءات التى تربط حزب وطني بالمشروع الفيدرالي، إلا أنها ساهمت في زرع الشك والريبة في نفوس شرائح كبيرة من العامة، خاصة القواعد الانتخابية غير المؤيدة للحزب والمستنفرة عشائرياً. مما ساهم في تدني الخطاب السياسي لبعض قادة المعارضة في مواجهة حملات البروبغاندا، واللعب على ورقة الحروب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي، في وجه مرشح الحزب الحاكم كلميه، واتهامه بإرتكاب جرائم لكونه أحد قادة الحركة الوطنية، ووزيراً للداخلية، إبان تلك الفترة، والتي يعتبر ذكرها في سياق المناكفات السياسية مثيرةً للحساسيات الجهوية والمناطقية.

المال السياسي

لعب المال السياسي في هذه الانتخابات دورا كبيرا في دعم الأحزاب المختلفة، بالرغم من صعوبة تحديد حجم تلك الأموال ومصادرها بشكل دقيق. نشرت بعض وسائل الإعلام تقارير حول دعم بعض الشركات الكبرى ورجال أعمال معروفين لبعض الأحزاب، بالملايين من الدولارات. تستخدم في دعم أنشطة وفعاليات الحزب، وشراء ذمم السياسيين وشيوخ العشائر لصالح تأييد المرشحين. فضلا عن اتهامات أحزاب المعارضة لمرشح الحزب الحاكم في بالتصرف بمال الدولة، ومؤسساتها الإعلامية، لصالح حملته الانتخابية.

ومع نهاية الفترة المخصصة للحملات الانتخابية، ودخول فترة الصمت الانتخابي، الجيمع يترقب من سيختاره الصوماليلانديون ليكون رئيسهم الخامس في الثالث عشر من كانون الثاني. وأياً يكن الفائز فمن المؤكد أن الكثير من الملفات والأزمات في انتظاره

عن ليبان محمد عيسى

ليبان محمد عيسى
ليبان محمد عيسى، مغرد خارج السرب، محب للحرية حتى الثمالة.

شاهد أيضاً

حفل تسلّم التبرعات الماليّة من أهالي بونتلاند لصالح ضحايا تفجير زوبي

عقدت بلديّة مقديشو البارحة مأدبة عشاء على شرف الوفد البونتلاندي القادم إلى مقديشو بهدف تأبين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.