الرئيسية / تقارير / الصومال: عشرة أعوام من التغييرات الكبرى، مسؤولو الدّولة الكبار بدرجة وسطاء ووكلاء لدول أجنبية

الصومال: عشرة أعوام من التغييرات الكبرى، مسؤولو الدّولة الكبار بدرجة وسطاء ووكلاء لدول أجنبية

 

 (2006) العام الذي تغيّر فيه مسار البلد

 إن المتابع للحالة الصومالية، يدرك جيداً أن طبيعة الصراع فيه قد تغيّر في عام 2006م، بعد الصعود المفاجئ لما كان يسمى باتحاد المحاكم الإسلامية، إذ ظهر في الساحة لاعب جمع بين العامل العشائري التقليدي، وبين الأطماع السياسية المعتادة، لكنه يستخدم أدوات أبرزها الوطنية والإسلام، ولديه عنصر دافع هو الإعلام، وخاصة الإعلام العربي ممثلاً في قناة الجزيرة التي عملت تغطيات واسعة للصعود السريع والسقوط الأسرع لما عُرف باتحاد المحاكم الإسلامية.

وقد نتج عن نقطة التّحول الكبيرة تلك حالة من التنافس بين الحركات الإسلامية المتباينة في مراكزها وحجم نفوذها، فحركة الإصلاح (الإخوان المسلمون)، التي شهدت انفتاحاً في فترة غياب الدّولة، أصبحت العضوية فيها حلماً لكل راغب في وظيفة ومنصب في الهيئات والمنظمات التي ترعاها الحركة، وصار عند منتسبيها كبيراً، يمكن وصف الوضع بحالة الإسلام بعد فتح مكة، عدد كبير منهم لم يتحرروا من انتمائهم لعشائرهم القوية والمسلحة، ولم يحظوا بالتربية الحركية اللازمة ولا الانضباط، فشهدت في تلك الفترة انشقاقاً أثّر فيها، يمكن وصف ذلك الانشقاق بأنه كان ظاهرياً ثورة ضد قيادات الحركة الذين لم يتمكنوا من السير مع التيار وفهم الواقع، وباطنياً كان عشائرياً وسياسياً، فالمنشقون في أغلبهم كانوا عشائرياً، إما من المنافسين التقليدين لعشيرة المراقب العام على المشيخة الدينية في الصومال، أو من العشائر التي تقود حراك اتحاد المحاكم. ودافع المنشقين كان واضحاً: النصر مبين ومؤكد لاتحاد المحاكم الإسلامية، ويستحسن الانضمام لهم لضمان شيء من الغنائم (مناصب، مال، جاه)!

أما جماعة الاعتصام (الاتحاد الإسلامي سابقاً)، فقد كانوا على مستويين، في مقديشو كانوا يتقدمون صفوف اتحاد المحاكم، وفي بونتلاند يعارضون هذا الحراك بحكم الخبرة والتجربة التي اكتسبوها في التسعينات، لكن اعتراضهم فُسّر على أنه حماية لولاية بونتلاند من تداعيات ثورة اتحاد المحاكم، وانتصار للرئيس الانتقالي المنتمي للولاية.

وظهرت مجموعة آل الشيخ بقوة بعد تزّعم شريف شيخ أحمد لثورة 2006م، ولكن حلم اتحاد المحاكم الإسلامية لم يستغرق سوى شهور، شأنه شأن كل المحاولات المحلية التي يختبئ خلف شعاراتهم كل من يسعون لتحقيق مآرب خاصة بهم. وأصبح الصومال ساحة حرب بالوكالة، فمن كانوا يزعمون أنهم يحاربون إثيوبيا “المحتلة”، كانوا مجرد بيادق بيد أسياس افورقي.

الظريف أن المنشقين عن حركة الإصلاح وصاروا يعرفون بـ(دم جديد)، وأتباع جماعة الاعتصام المؤيدين لاتحاد المحاكم، وجماعات آل الشيخ، أصبحوا في الحكم، لكن ليس بصفتهم الحركية، بل بعباءة القبيلة من جديد، ومن بقي من أنصار استئصال وجود القبيلة كفاعل سياسي، لم يدخلوا (في السلم كافة) مع رفاقهم! أصبحوا العدّو الجديد لرفاق السلاح، تحت اسم حركة الشباب المجاهدين.

وبما أن الحركات الإسلامية صارت البديل عن الفصائل العشائرية، كان من الطبيعي أن يظهر للصوفية جناح مسلح يقاوم حركة الشباب التي نبشت القبور وفرضت النقاب، وأجبرت المزارعين على دفع بدل الحماية. عُرف هذا الجناح باسم “أهل السنة والجماعة”. ولأول مرة، طيلة سني الحرب الأهلية، يستخدم أحد الأطراف سلاح ردع مرعب، وهو التفجيرات الانتحارية والسيارات المفخخة، ودخلت التكنولوجيا في الصراع، بتصوير جرائم حركة الشباب والتركيز على انتصاراتها، أو هزائمها، وتغيّرت سمة الحرب في الصومال إعلامياً، من حرب عشائرية إلى حرب فكرية، ولكن في واقع الأمر، كان الحرب في الصومال وما يزال ذا طابع سياسي حول ماهية الدولة الصومالية، والعشائر والحركات الإسلامية واجهات لها، روافع لقضية الدولة الصومالية التي يريدها كل تيار، تلك الدولة التي يمكنه بواسطتها استخلاص أكبر قدر من الخيرات والقدرات، والانفراد بها.

الصومال ساحة مفتوح للحروب بالوكالة

وكما غيّرت سنة 2006م، شكل الصراع، وأسماء اللاعبين، غيّرت طرق الوصول للحكم، فبعدما كانت دول الجوار، وعلى رأسها إثيوبيا وكينيا هي من تحدد هوية الرئيس، صارت الدّول الخليجية وعلى رأسها قطر بديلاً، وصار كلّ من لديه مطمحٌ سياسي، يتوجه لوكلاء قطر المزعومين؛ ومن الأمور اللافتة في هذا المسار أن كلّ  من دعمتهم قطر لم يتجاوز انبهار الناس به فترة أشهر قليلة، وغالباً ما يفشل من يدفع بهم وكلاء دولة قطر للحكم، لسبب رئيسي واحد: أنّهم يسعون لفرض وجهة نظر شخصية أو مناطقية بقوة المنصب والشرعية المستمدة من كونهم في سدة الحكم، ويصطدمون دوماً بواقع وجود لاعبين آخرين في الساحة، ليدركوا متأخرين جداً أن الشرعية لا تكتسب فقط بدخول فيلا صوماليا.

وكما في 2007-2009م، أصبح الصومال من جديد ساحة لحرب بالوكالة بين القوى المتنافسة في الشرق الأوسط، فدولة الإمارات التي يبذل حكّامها كل ما بوسعهم لاجتثاث حركة الإخوان، وربيع الشعوب العربية، رأت في الوجود التركي بالصومال تحدياً، وراحت تقلدّها في كل خطواتها، وحاولت التأثير في الانتخابات، ثم جاءت الأزمة الخليجية، واتخدت الحكومة موقفا حيادياً، وهو ما لم يعجب السعودية والإمارات، وشهدت البلاد صراعاً بين الولايات التي ترى أن الحياد صوري، وأن الموقف الحقيقي هو الاصطفاف مع قطر، وطالبت بإعادة النظر في القرار، فيما رأت الحكومة أن القرارات المتعلّقة بالشأن الخارجي هو قرار سيادي يخصّ الحكومة الفيدرالية. وساء الوضع حتى وصل إلى ما يشبه ولادة تحالف ضمّ حكام الولايات كافة، ضد الحكومة الفيدرالية التي وقعت ضحية الخلل الأمني والتفجيرات غير المسبوقة وسط انشغالها بالصراع إثبات الوجود أمام حكّام الولايات.

لماذا يخسر كلّ من تدعمهم الإمارات في الانتخابات؟

من اللافت في الانتخابات سواء على مستوى الجمهورية أو الولايات، يخسر عادة من تدعمهم دولة الإمارات، فقد كانت الأنباء تفيد بأن شيخ شريف حظي بدعمٍ إماراتي  في 2012م، لأنه منافس لمرشح تيار إخواني، وبما أنها أعلنت عداءها للإخوان واصطفافها مع الثورات المضادة، وفي 2014م، دعمت إعادة انتخاب عبد الرحمن فرولي رئيساً لبونتلاند، ولكنه خسر لصالح  عبد الولي غاس، وفي 2017م، دعمت عمر عبد الرشيد، فخسر أيضاً، ويبدو أنها ستدعم مرشح حزب كلميه بصوماليلاند، في الأيام القليلة القادمة، ولن يفوتوا دعم مرشحٍ ما في انتخابات بونتلاند 2019!

ما لم تفهمه دولة الإمارات هو: أن سمعتها تضررت، وأن سفيرها الحالي يبدو شعبياً شخصاً مرفوضا، ولأن الصوماليين وصلوا لمرحلة من اليأس التام من تلقي دعم صادق من الإخوة العرب، والإمارات تحاول-حسب رأيهم- إقصاء تركيا دون ملء مكانها. وبالتالي؛ لو شعروا أن الإمارات تدعم مرشحاً بعينه، يسقط في الانتخابات، أي أن المال ليس هو العامل الحاسم الوحيد، بل إرسال رسالة طمأنة للشعب الصومالي بكافة شرائحه.

لماذا يفشل كلّ من تدعمهم قطر بعد وصولهم للحكم؟ 

مسألة قطر في الصومال مختلفة، فالشعب يشعر أن دولة قطر لا تعاديهم، ولكنها تؤثر بالمال في القرار السياسي، وأن لديها من يُقال أنهم وكلاء أو وسطاء، وهؤلاء يبدو أن لديهم مشكلة حقيقية مع الشعب الصومالي، ما يؤدي بعد فترة قصيرة إلى اصطدامهم بالفاعلين الآخرين، مثلاً:

في 2009م، حاول شيخ شريف عرقلة مشروع مسودة الدستور، فأصدر قرارا بعزل رئيس الوزراء آنذاك عمر عبد الرشيد، ثم تراجع عندما اكتشف أن دعم ممثل الأمين العام للأمم المتحدة الذي طرد بسبب وقوفه مع قرار الرئيس الانتقالي، ثم تخلص من رئيس وزرائه الثاني من أجل التمديد لنفسه عاماً، ثم دعمته الإمارات أخيراً في انتخابات 2012م، فخسر السباق لصالح منافسه حسن شيخ المدعوم قطرياً!

لم تستمر الحماسة الشعبية التي استقبل بها حسن شيخ إلا شهوراً، إذ قرر المراهنة على إجهاض الفيدرالية، والعودة للمركزية، وبعد جهود حثيثية وفاشلة، دخل في حالة صراع مع الجميع، ليخوض انتخابات 2016 المؤجلة إلى 2017، ويخرج منها خاسراً.

في 2017، أصيب الناس بحالة من الهستيريا، فرحين بخسارة حسن شيخ، وفوز فرماجو الذي لمس وتراً في قلوب الأغلبية “الطيبة”، فهو يذكرهم بعمه اللواء محمد سياد بري، وسيعيد المركزية التي امتاز بها عهد الراحل العزيز، وسوف .. وسوف .. الخ، ولكنه ما لبث أن انزلق هو الآخر، بعد تنافس الأجهزة الأمنية مع حكومات الولاية، فخطفت قوات الاستخبارت مقاتلأ في جبهة تحرير أوغادينيا، من بين أيدي أمن إدارة غلمدغ، وسلمته بنفسها لإثيوبيا، ثم حاولوا كما حاول حسن شيخ محمود القضاء على الفيدرالية المتعثرة أصلاً، وتنصيب حكّاما تابعين لفيلا صوماليا، فباءت محاولاتهم بالفشل ليعودوا مرغمين للاجتماعات الدورية المعتادة مع حكّام الولايات.

   نظرة قطر للصومال

 يقول المراقبون أن قطر رائدة دبلوماسية الوساطة، وقد نجحت فعلاً بالتوسط بين الحكومة السودانية ومتمردي دارفور، وبين الفصائل الفلسطينية، وبين الفرقاء اللبنانيين، ويبدو أن دولة قطر، عندما نظرت للصومال، أرادت أن تقوم بدور الوساطة بين الأطراف المتنازعة، فلم تر سوى طرفين: الحكومة وحركة الشباب، ولهذا قرّبت منها شخصيات مثل  فارح شيخ عبد القادر، وفهد ياسين.

الجدير بالذكر، أن الأوساط الإعلامية المحلية كانت تتحدث قبيل تعيين الوكيل الجديد “فهد ياسين” عن مفاوضات بين الحكومة وبين حركة الشباب بوساطة قطرية، وفسّر تعيينه على أنها إشارة من قطر على فتح قناة حوار مع المعارضة الإسلامية بحكم العلاقات والقواسم المشتركة التي تجمعه بهم، وممّا يقوّي هذا التخمين أنّ التعيين جاء بُعيد رجوع الرئيس من زيارة قطر.

هذه النظرة القطرية للصومال، تظهر أنها وقعت ضحية وكلائها فعلياً، فهم لا يتحدثون الصومالية، ولا يعرفون حقاً ماذا جرى في الصومال إلا من خلال بعض المحللين ممن لم يتحرروا من تحيزاتهم، أي أن ما لديها من المعلومات استقتها من مصادر غير صادقة. ولو أرادت دولة قطر استخدام دبلوماسية الوساطة فلا بدّ من تحديد الأطراف أولاً، والتعامل مع حركة الشباب بشكل يختلف مع تعاطيها مع جبهة فتح الشام-النصرة سابقا- وغيرها من الحركات، وتتعلم من فشل الوساطة والتفاوض مع حركة الشباب للإفراج عن الرهينتين الفرنسيين، ما أدّى لمقتلهم لاحقاً.

ما هي مشكلة “وكلاء قطر” المزعومون؟

يعتقد كثيرون من الصوماليين،أن لقطر رجلان في مقديشو، هما فارح  شيخ عبد القادر الذي ارتبط اسمه بحركة دم جديد وحسن شيخ محمود، وقد عُرف الرجل بزياراته الدائمة لمقر بعثة دولة قطر، لنقل ما يدور في أروقة فيلا صوماليا، وأوهم قطر بأن حسن شيخ محمود عائد لا محالة، وهو المرشح الأقوى. لم يكن فارح حصيفاً بما يكفي لتغطية زياراته، والتصرف كعميل لقطر أكثر من كونه مسؤولاً في الحكومة، وفي منصب حساس، فضّل تقديم نفسه كساعي بريد، يأخذ بقشيشاً في نهاية كل توصيلة.

أما الوكيل الآخر،فهو فهد ياسين، مدير مكتب الرئاسة الصومالية، بما أنّ له علاقات مع قيادات حركة الشباب المجاهدين، بحكم ارتباطه بحركة الاعتصام-الاتحاد الإسلامي سابقا. فالرجل كما يقول بعض رفاقه حارب في صفوف الاتحاد الإسلامي في التسعينات ضد العقيد عبد الله يوسف، لفرض الشريعة والحلول محل الحكومة التي سقطت، ولا شك أن الهزيمة التي تجرعتها الحركة؛ تركت لديه عقدة لا تنفك، كعادته مع كل من يصطدم به، فهو ورفاقه يعرفون في مناطق بونتلاند باسم ساخر هو:عيال سليد، وسليد هو أحد الجبال في محافظة سناغ.

وعلى عكس فارح، لم يكن لفهد ياسين نصيب في التعليم، فقد سقط النظام وانهارت الدولة قبل دخوله الجامعة، وكان الجهاد في صفوف السلفية ببونتلاند موطن أخواله، هو السبيل الوحيد، وبعد بدء مرحلة المراجعات بين حركة الاتحاد، انطلق الفتى فهد إلى اليمن، ليواصل تعليمه في جامعة الإيمان بصنعاء التي أسّسها الشيخ والداعية عبد المجيد الزندانيّ لكنّه لم يقدر على مجاراة واستيعاب النّهج الدّراسيّ ربّما لضعف تحصيله الدّراسيّ آنذاك ممّا اضطرّه الى العودة من حيث أتى، غير أنّ هذا الفشل الدّراسيّ لم ينل من طموح الشّاب ولم يثبّط عزائمه فتفرّغ الى تقوية قدراته ومهاراته اللغوية (العربيّة طبعا) حتّى أصبح مراسلا ومديرا لمكتب قناة الجزيرة في الصومال.

وبما أنّه كان يتعاطف كثيرا مع المتمرّدين الإسلاميين في الفترة المعروفة بـ فترة ظهور المحاكم الإسلامية فقد كان شغفه الكبير بهذه الحركات بحكم خلفياته القتالية التي تؤمن بضرورة استخدام القوة المسلحة لتغيير الحكم وهذا ما جعله يسعى باستمرار إلى شيطنة الرّئيس الراحل عبد الله يوسف ويحاول تصويره كـ خائن عميل لإثيوبيا والغرب وكانت القناة تنقل وجهة نظر المتمرّدين في تفسير الأحداث معظم الأحيان.

في عام 2012، ظهر فهد ياسين فجأة على مسرح الأحداث بل وأصبح من كبار اللاعبين المؤثرين فيها حيث نجح في تغليب كفّة الرّئيس حسن شيخ محمود رغم أنّهما افترقا بعد فترة وجيزة، بعد عجزه في فرض الإملاءات عليه، لكنه من يومها احتفظ لنفسه مكانة في التّشكيلة الأساسية رغم خلوده لطور من السكون في الكثير من الأوقات، ما إن يجد الظروف الملائمة حتّى يبدأ في الظهور مجدّداً، والمؤكّد أن نقاط قوّته تنحصر في قدرته على تسويق رؤيته للجانب القطريّ واحتكاره لمنصب السمسار الرئيسي لهذه الدولة الخليجية الطموحة.

تحوّل الرّجل من صحفيّ الى وسيط ماهر لدول أجنبية واكتسب مهارات كبيرة في شراء الذّمم وجمع الأصوات، وقد وظّف خبراته تلك وما تكوّن لديه من أموال وعلاقات في تغليب كفة الرئيس الحاليّ محمد عبد الله فرماجو

ومع أشغاله السياسيّة إلّا أنّه لم يتوقّف عن نشر مقالات تحليلية في مركز الجزيرة للدراسات مع أنّ الكثير منها كانت مجرد تصوّرات شخصيّة  وتحمل حقده السابق جراء الهزيمة النكراء في التسعينات، والضربات القاصمة في 2007م، وخدمة لأهداف وأغراض خاصّة به،

ففي تقرير مثير للجدل بتاريخ 20 نوفمبر 2014م في المركز المذكور تحت عنوان بونت لاند: الوحدة مقابل امتيازات أو التهديد بالانفصال يشبّه الولاية بـ كردستان العراق ومع أنّ المقارنة طالما لكنّه لم يذكر وجه شبه واحد تربط بينهما لعدم وجودها أصلا، وبحث الولاية عن وضع مميّز لها يتناسب مع إمكاناتها وخصائصها لا يمكن أن يكون مأخذا عليها كما انّ رغبتها في إرساء الفدرالية منهجا للحكم دستوري قبل كلّ شيء.

الواضح أن تشبيه الولاية بكردستان العراق كان يحاول فيها إعطاء ايحاء آخر للقرّاء والجمهور العرب ليأخذوا عنها صورة نمطيّة كتلك الّتي يمتلكونها عن الولاية الانفصالية كون الصورة العامّة للإقليم الانفصالي الواقع شمال العراق على أنّها حليفة أعداء العرب والأمّة دوما فهو حليف الكيان الصهيونيّ كما يتردّد في الاعلام العربيّ بشكل متواتر، وبغضّ النظر عن صحة التخمين إلّا أن مجرّد الربط بينهما غير منصف على الإطلاق.

وفي دراسة أخرى نشرها في نفس المركز بتاريخ 18 أغسطس 2015م بعنوان الدور الإيراني في الصومال: البحث عن موطئ قدم وهنا يخضع سرد الأحداث لتخيلاته وهواه فمثلا يحكي عن رواية تاريخية تذهب بأن مقديشو ومدن صوماليّة ساحلية أخرى وقعت في يد الأمير علي حسن الشيرازي في القرن السابع عشر الهجري ليؤسّس بعدها الدولة الشيرازية الفارسية لكنه يقف عند عوامل عدم انتشار المذهب الشيعي في الصومال وهنا يقوم بإرجاعها إلى:

  • وجود مكثّف لأسر عربية في الصومال
  • تلاحم الصوماليين مع سكان الجزيرة العربية (الخليج)

وبذلك أرجع الفضل كلّ الفضل إلى بضع أسر هاجرت الى الصومال وأقامت فيه، والمضحك أنّه يرى أنّ هذه الأسر العربيةّ ساهمت حتّى بشكل غير مباشر ويا سبحان الله! لأن الحكام الشيرازيون انشغلوا باحتكاك هؤلاء الأسر المنحدرة من العراق واليمن عن الاحتكاك بباقي المجتمع, ولنا أن نتساءل أين دور البقيّة من المثقفين وأصحاب العلم, لماذا تجاهل السكان الصوماليين الذين سطروا أروع الملاحم في الكفاح ضد الغزاة والمستعمرين طيلة قرون وقرون هل من الأمانة والعدل والمروءة أن تضخم وتهوّل دور بضع أسر تحصيها اليد الواحدة على حساب الآلاف الآخرين ممّن روت دماءهم الزكيّة هذه الأراضي المباركة طبعا أراد من وراء ذألك الإطراء المتصنّع عزف لحن الأوتار على مسامع رؤساءه العرب إرضاء لهم ليس إلّا!

وفي التقرير نفسه يبحث عن أعذار وهمية ربما لاستدراج مموّلين عرب لمشروع وقف الامتداد الشّيعي، هذه المرّة من خلال زعم أنّ الحركة الصوفيّة وطرقها القادرية والأحمدية ترتبط وتتعاون مع مؤسّسة الامام الخميني الخيرية ويقول في ذلك ” متطرفي الصوفية يجدون قواسم مشتركة مع إيران، مثل محاربة الفكر الوهابي السلفي المهيمن على الساحة الدينية الاجتماعية!” ولتنويه الأشقاء الخليجيّين على خطورة الوضع وربّما لحثّهم على دفع مال لمعالجة الأمر يقول “وليس بغريب في المنظور القريب أن يصبح هذا الجناح العسكري المنحصر حاليًا في منطقة الوسط متمددًا، ويتحول إلى لاعب رئيسي في المشهد الوطني، وربما يستيقظ البعض عندئذ، وحينها، تجد الدولة الصومالية ومن معها من الدول العربية أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه”

باختصار؛ كان فهد ياسين يحاول فقط أن يختلق سردية تناسب القارئ العربي، وتفيد صانع القرار الخليجي، ولا ينقل الصورة الحقيقية فيضلل الدولة القطرية، ويحقق مكاسب خاصة به.

تركيا: الأسلوب الأنجع والأنجح

كما وضحنا في الأعلى، أسلوب كلّ دولة مرتبط بنظرتها وفهمها للوضع الصومالي، فدولة الأمارات، ترى في الصومال عشائر متنافسة، فتلعب ببطاقة دعم العشائر لتنشغل بمنافسة بعضها البعض، وهدفها الأكبر هو منع تركيا من التواجد في الصومال، ومحاصرة الحكومة التي تمنح المشاريع للجمهورية التركية كجزء من حملتها ضد الثورات العربية، بينما ترى قطر في الصومال دولة فيها طرفا نزاع، هما الحكومة وحركة الشباب، وتريد تحقيق مكاسب دبلوماسية في سجل نجاح الوساطات القطرية في دول عدة، وعقد نوعٍ من التوافق بين الطرفين، أما تركيا، فهي دولة كبيرة، ووريثة امبراطورية عالمية، ومن الطبيعي أن تكون نظرتها أوسع، فهي ترى الصومال بلداً ذا إمكانيات جغرافية يمكن أن يحقق لها أهدافاً استراتيجية اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، ولهذا بدأت أولاً بالتعرّف على الواقع بدون وكلاء ولا وسطاء، وانطلقت بتمهيدات عملية لمشاريعها المستقبلية، ببناء مدارس ومعاهد لتدريب الأيدي العاملة المحتملة، وبناء الطرق وتأهيل الميناء والمطار، وتدعم الحكومة الفيدرالية 4.5 مليون دولار امريكي شهرياً، مقابل المشاريع الممنوحة لتركيا، وفي ظل الوجود العربي الخجول دبلوماسياً، افتتحت تركيا أكبر سفارة لها في الصومال، ولتحقيق أهدافها الاستراتيجية أقامت أكبر معسكر تدريبي لها في الخارج لتأهيل القوات الصومالية.

وتركيا مثل قطر في التواجد حصرياً بالعاصمة، وهذا يمكن فهمه جغرافياً، فهدف تركيا الاستراتيجي هو منافسة الصين في إفريقيا، والميناء الأكثر فائدة لها هو ميناء مقديشو، ثم ميناء كسمايو، بينما يعدّ ميناء بربره وميناء بوصاصو أقرب لدول الخليج وإيران، وقد يكون لهما أهمية عسكرية لتركيا في ظل تصاعد أزمة الخليج، وعلى إيقاع طبول الحرب في الشرق الأوسط.

تركيا رغم كل هذا الحضور في العاصمة، لا تتدخل في تحديد المسارات السياسية للبلد، على عكس الإمارات وقطر، المتهمتان بتأييد مرشحين في كل استحقاق رئاسي في البلد، وهذا بالضبط ما جعل تركيا هي الحليف الأقرب للشعب الصومالي في عمومه، فهي بداية تعمل على تقديم التدريب والتعليم (الحاجات الأهم في هذه المرحلة من إعادة بناء الدولة)، وتشارك في جلب الاهتمام الدّولي للصومال، وأخيراً، تعمل على المساعدة في الإعمار وتأهيل البنى التحتية اللازمة.

خاتمة

من الواضح أن التغييرات التي طرأت في 2006م، وأنتجت بدعة وكيل علني لدولة ما، ليس خطيئة تلك الدول، ولا حتى خطأ الوكلاء، بل هي سبة وعار يحمله الرؤوساء الذين يضعون أشخاصاً يعملون لصالح دول أخرى، ثم يبح صوتهم وهم يزعمون أنهم مناضلون من أجل السيادة.

إنه عار على رجل مثل الرئيس فرماجو، ورئيس الوزراء خيري أن يقال أن فهد يسيرهما، ولا يمكنهما إيقافه عند حدّه، فالشعب الصومالي الذي ناصرهما، ونواب البرلمان الذين دعموهما، لاحظوا الشقاق الحاصل بين كبار المسؤولين وابتعاد حكام الولايات عن الرئيس والحكومة، والانكشاف الأمني المعيب بعد نجاح فهد في ضرب الأسافين بين الجميع، ثم وقف يشاهد ما يجري مستمتعاً. يكفي أن يلاحظ الناس الفرق في كافة المستويات قبل تعيينه في منصب حساس يتيح له التحدث مع الجميع باسم الرئيس وبعد تعيينه، وكفى بذلك سقوطاً للرئيس الذي استبشر به البسطاء، في الثامن من فبراير 2017م.

وأياً يكن الأمر، فما زال لدى الحكومة فرصة للاستفادة من التغييرات، وتوجيهها لصالح الاستقرار، وتوسيع قاعدتها، ورفض اصطناع بطانة فاسدة تصوّر للمسؤولين بأن كلّ من يعترض على قرار ما هو حتماً عدوّ للوطن وللرئيس والحكومة، لا بدّ من سعة في الصدر وبعدٍ في النظر من أجل الجميع.

عن محمود صلاد عثمان

محمود صلاد عثمان

شاهد أيضاً

الانتخابات الرئاسية في صوماليلاند .. قراءة من الداخل

تستعد جمهورية صوماليلاند المعلنة من طرف واحد، بعد فكّ ارتباطها مع الصومال في مايو من …

تعليق واحد

  1. غير معروف

    مقال طويل وممتع ويعطي فكرة عما يدور في اروقة السياسة الصومالية ، كما انه يشخص مشكلة كبيرة عانى ويعاني منه الصومال (الوكيل الحصري لدولة فلان ) !!؟ متى أصبحت قضية ومستقبل الصومال بضاعة يوكل لتوزيعها وتسويقها وكلاء هنا وهنا ، أظن ان القناع سقط عن الكثيرين وان لم يذكر المقال سوى اسمين أو ثلاثة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.