الرئيسية / مقالات رأي / آراء سياسية / الموقف الحيادي للحكومة: المصلحة القومية باقية، والحلفاء والأعداء يتغيرون

الموقف الحيادي للحكومة: المصلحة القومية باقية، والحلفاء والأعداء يتغيرون

ما زال الساسة الصوماليون يناقشون مسألة حياد الموقف الحكومي إزاء الأزمة الخليجية وحصار قطر، وكان آخر المعلقين، الأستاذ والوزير السابق، والمرشح الرئاسي السابق، الأخ عبد الرحمن عبد الشكور، الذي رغم احترامي له، ولحقّه الكامل في التعبير عن رأيه، إلا أني اختلف معه في تحليله، ونقده المبطّن للحكومة، وأرى أنّ الحكومة، إن استحقت المدح والإشادة في موقف اتخذته، فهو هذا الموقف، وينبغي دعمها.  وألخص اعتراضي على رأيه فيما يأتي:

أولا: الحكومة الصومالية -حسب علمي- لم تقف مع أي طرف، بل اختارت الحياد، لأنّ الخلاف بين إخوة أشقاء، ولا يخصّ أي قضيّة من القضايا العربية التي يمكن فهمها، وهذا ما يجب أن لا يقفز عنه الأستاذ عبد الرحمن.

ثانياً: أنّ المثالين اللذين أتى بهما لدعم وجهة نظره، يمكن دحضهما من الزوايا الآتية:

  1. قال: إنّ سياد برى لم يقطع العلاقة مع مصر حينما تصالحت الأخيرة مع إسرائيل دون علم العرب، وقاطعته العرب بسبب ذلك؛ لأنّ مصر كانت تدعم الصومال في حربها ضد إيثوبيا، في هذه النُّقطة ينبغي الإشارة إلى ما يلي: أولا مصر خانت العرب والمسلمين عمومًا، حين تنازلت عن قضية محورية ولم تُناقشها مع أهلها، وهذا يستحق المقاطعة بالفعل، لكن الصومال لم يفعل كغيره من إخوته العرب، وأستاذ عبد الرحمن لا يلوم سياد برى على شقّه الصف العربي وقرار عقاب مصر على خطئها، ولكن بدلًا من ذلك يشيد بقراره، وهذه الإشادة تتناقض مع ما يسعى إليه هو، أي وقوف الصومال مع دول الحصار.
  2. ذكر أنّ دول الحصار وبالأخص مصر والسّعودية والإمارات كانت دولاً حليفة للصومال، ووقفت معه عبر مسيرته السياسية وكانت تدعمه في المواقف الدولية، إذا كان الأمر هكذا؛ فكيف يفسّر قرار سياد برى-الذي يشيد به- والذي خالف به مواقف السعودية والإمارات وباقي العرب ووقف مع مصر، لماذا فضّل الاصطفاف مع مصر مع أن الآخرين  كانوا  جميعًا كانوا معه كما يقول؟
  3. يبدو أن الأستاذ رغم أنّه سياسي، لكن قراءاته السياسيّة غير مقنعة، لأن مصر حين كانت واقفة معنا، لم يكن ذلك حبّا للصومال بل كانت ترى الصومال بوابة الأمامية لها خاصة في صراعها مع إيثوبيا في قضية نهر النيل.
  4. من جهة أخرى، وقوف مصر ودول الخليج مع الصومال جاءت نتيجة لرغبة الأقطاب الكبرى، لأن هذه الدول ما هي إلا دول وظيفيّة تلعب دورًا محدداً مناطاً بها من قبل الإمريكان تحديداً بهدف إقناع الصومال لضم قطب الرأسمالي بقيادة أمريكا، وكانت تنفّذ اتفاق نادي سفاري المعروف، ولذلك انسحبت هذه الدول في وسط الحرب وأوقفت مساعداتها بناء على توجيهات الكفيل الأمريكي.
  5. وأخيراً، سياد برى.. هل نعتبره قائداً ينبغي الاقتداء به في كل تصرفاته وقراراته، أم رئيسا سبّبت أخطاؤه القاتلة انهيار الدولة الصومالية، وبناء عليه ينبغي أن نصحح أخطاءه بدلاً من الإشادة بها.

ثالثاً: السياسي المحترم -بعلم أو بدون علم- يروّج لدعاية دول الحصار التي أثبتت الأيام عدم صحتها، من قبيل أنّ قطر تدعم الإرهابيين، وتفتح لهم مكاتب، مستدلا بذلك مكتب: حزب الله، وطالبان، وحماس، وهي دعاية سوداء كشفت عورتها المخابرات الإمريكية؛ إذ بيّنت أن هذه المكاتب فُتحت بناء على طلبها وبتنسيق منها. ما يقال بعد ذلك حول هذه المكاتب لا معنى له.

وعلى صعيد آخر، وفيما يشبه النكتة ذكر سياسينا المحترم أنه والشيخ شريف التقيا مع أمير حمد وطلبا منه الدعم، لكن الأخير أبلغهم أن هذا الملف أغلق، وفسّر ذلك أنه حوّل هذا الدعم إلى حركة الشباب وحزب الإسلام. الغريب في الأمر -رغم أنّه لم يكشف تاريخ هذا اللقاء إن حصل أساساً،

ولا ندري كيف يستقيم  واقع أن قطر هي التي دعمت مجيئ الرئيس السابق حسن شيخ محمود، ولم يكن من حزب الإسلام ولا عضوا في حركة الشباب المجاهدين، كيف يقنعنا السياسي العريق، بأن أمير قطر آنذاك لم يدعمهم لأنهم ليسوا في موقف المعارضة رغم أنّ التاريخ القريب يثبت عكس ذلك؟

رابعًا: تحدث الأخ عن الجانب الاقتصادي، ثمّ حصره كله في تصدير المواشي والحوالات التي مقرها دولة الإمارات، والأيدي العاملة في السعودية، ويمكن تفهم ذلك، لكن هذا التبرير يُخفي الأفعال الشنيعة التي ترتكبها الإمارات منتهزة غياب سلطة الدولة وشراهة التجار الذين يصدّرون لها إناث المواشي، والفحم، والصيد البري، لم يذكر هذا الجانب السيّئ، كما أنّ  الجانب المشار إليه يدخل في التجارة الحرّة وتبادل المنافع وكلٌّ يحتاج للآخر، الصوماليون عندهم المال، والمواد الخام ويمكنهم افتتاح المكاتب في أماكن أخرى، وقبول استيراد المواشي ليس دعما لاقتصاد الصومال، ولا حبا له، بل حاجة تلك الدّول إليها، وكذلك الأيدي العاملة، لو كانوا هؤلاء فعلًا دولا، وليسوا مجرد إقطاعيات ماكان ينبغي أن يخلطوا بين هذه المصالح المتبادلة واتخاذ موقف حيادي لا يناصر أحداً.

ثم نأتي للشيء الأهم الذي لم يلتفت إليه الأخ السياسي الكبير، هو ما تفعله الإمارات من شراء لذمم بعض السياسيين النفعيين من أجل تأليب الشّعب ضدّ الحكومة الفيدرالية وشراء ولاء النواب وحكّام الولايات، والأكثر من ذلك شراؤها الموانئ الصومالية بثمن بخس، وبطرق غير شرعية، بهدف إضعافها أولًا، وجعلها منفداً للسيطرة على حكّام المنطقة ثانيّاً….

كلّ هذا وغيره لم يظهر للأخ السياسي، بينما رأى أن المصيبة الكبرى هي وقوف الصومال محايدا..وهذا الأخ هو المترشح السابق لرئاسة الصومال وليس بعيداً أن يترشح ثانية أو يتقلّد منصبا مهما، وقراءاته للأحداث كما صرّح، وكما ترون !!!!.

وأخيراً، أقول أن الصومال في الوقت الحالي يخوض حرباً على جهات متعددة، أوّلاها حركة الشباب كأيدي تنفّد ثم تتبنّى أحيانا، وتجار  اكتسبوا ثروتهم من الفوضى ويزعجهم أي نظام يأتي، وسياسيون لا يرون إلا مصلحتهم ولهم علاقات عمالة مع دول وظيفيّة ترى وقوف أية حكومة صومالية قوية تهديداً لمصلحتها وتضعف من أهميتها الاستراتيجية، ورجال قبائل يرون أن أية حكومة جيدة تهديد مباشر لهم، لذلك يسعون لتكون ضعيفة تخدم مصلحتهم في الوقت المناسب، كلّ هولاء وغيرهم توحّدهم مصلحة واحدة وهي إضعاف أو إسقاط أي حكومة في الصومال، وفي رأيي بينهم تنسيق وتواصل تكتيكي حسب الحاجة؛ لذا ينبغي أن نرى الصورة كاملة ولا نشغل أنفسنا بمن يصطاد في الماء العكر في وقت بدل الضائع.

 

عن د.محمد علي عمر شيذو

د.محمد علي عمر شيذو
كاتب وباحث، وأستاذ مساعد في جامعة فطاني، جنوب تايلاند، دكتواره في اللغويات التطبيقية.

شاهد أيضاً

صالح والرقصة الأخيرة على رؤوس الثعابين

سيرة حياته حافله على الكثير من الأدوار والمواقف المتناقضة جسدت طراز زعامته وسلوك حياته السياسية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.