الرئيسية / مقالات رأي / الأستاذ زكريا في ذمة الله..ذكرياتي معه

الأستاذ زكريا في ذمة الله..ذكرياتي معه

أعزي نفسي أولا بوفاة مربي الأجيال الأستاذ زكريا محمود عيسى جعل الله الجنة مثواه، تعود معرفتي به بداية التسعينيات تتلمذت على يديه ولن أبالغ إن قلت: هو من حبّب بنا لغة الضاد،وجعلها مشوقة،جميلة، متذوقة،ميسرة لنا نحن -معشر المثقفين- في مناطق بونتلاند الصومالية بعد أن عانت الثقافة العربية من التهميش أيام نظام سياد بري.

أعجبت بالأستاذ زكريا في أول وهلة التقيتُ معه داخل فصل دراسي، كان يلقي على مسامعنا أشعار المتنبي، وأبيات أحمد شوقي، مستدلا بهما في درسه البلاغي،كانت تلك الأبيات تنسال من لسانه بلا تكلف، بأداء مبهر يتمايل بجسده النحيف متأثرا بإيقاع الشعر وموسيقاها الجاذبة، كان يعيش مع عذوبة اللفظ ومعاني الشعر العميقة، في نظرة مخالفة لما هو سائد، مثلت لنا ثورة ضدّ نظام التلقين، والمعلم التقليدي،زكريا -بالنسبة لنا-الأستاذ المثالي الذي يتقن عمله، أنيق وهندام، جميل الخط،منظم، يدير الفصل بحزم،يشرح القواعد اللغوية وتنصت له رغما عن أنفك،وهبه الله موهبة الإقناع والبلاغة وبراعة الاستدلال.

حب لغة الضاد كانت تجري في دمائه، ورسالة التعليم هدفه السامي في الحياة، في إجازة الصيف كان يُدرّسني في بيته بمدينة قرضو،حفّظني ديوان الإمام الشافعي عن ظهر قلب وبقية كتب الأدب العربي كالمعلقات والشوقيات وكتب مصطفى لطفي المنفلوطي وغيرها،كان سخيا بالعلم سخيا بالمال،أذكر ونحن طلاب الثانوية عندما نتأخر عن الغذاء كنا نتغذى بمطعم على حسابه الشخصي. له الفضل على كل من يكتب باللغة العربية من أبناء جيلي،لم تنقطع صلتنا به بعد الدراسة الجامعية، كان دائم الاتصال مع طلابه في الداخل والخارج مستفسرا عنهم، ونسج خيوط علاقات الصداقة مع معظمهم،كان يردد بأنه أستاذ أيام المدرسة صديق عزيز لنا في الظرف الحالي،كريم طيب السجايا،طيب المعشر، وقديماً قال الإمام الشافعي: من تعلم اللغة وعلومها رقّ طبعه،إنها مقولة تنطبق على أستاذي الراحل زكريا محمود عيسى.

لم يدرس الأستاذ زكريا وفق النظام التعليمي المتسلسل..لكنه اجتهد وتعلم بصورة شخصية فيها قدر كبير من العصامية؛ مستعينا بكوادر البعثة الأزهرية بمدينة قرضو، وحفظ الدواوين الشعرية والنثرية لأمهات الكتب والمراجع العربية،وهبه الله ذاكرة فولاذية لا تنسى مع تقدم العمر، وتذوق شعري فريد من نوعه.

مما أذكره أنه كان مبادراً شجاعاً متمتعاً بروح الإقدام، قبل سنوات استضافني في مدينة قرضو أنا وصديقي العزيز لبيان أحمد شري -مدّ الله عمره- بغرض تدشين جامعةٍ في مدينة قرضو مسقط رأسه التي أحبّها من أعماق قلبه، وتعرفتُ في تلك المبادرة شخصيات طيبة أمثال: البروف أحمد محمد بري الأستاذ في جامعة شرق أفريقيا حينها، نجحت مساعي الأستاذ زكريا وأصبحت جامعة شرق الصومال (التي تحولت فيما بعد إلى فرع لجامعة شرق أفريقيا-فرع قرضو) منارةً وصرحاً تربوياً ساهمت في تحقيق أماني أهالي قرضو في توفير تعليم جامعي يلبي طموحات الخريجين ويوفر لهم بعض التخصصات.

مكث في مدينته ما يقارب سنة؛ عائداً لتوّه من إثيوبيا؛ تاجرا للمواشي فيها، وأثناء إقامته في إثيوبيا أتقن اللغة الحبشية بطلاقة، فهو بطبعه-رحمه الله- كان ميّالا نحو دراسة الألسن، أديب لغوي، سريع البديهة،فائق الذكاء، لم ينجح-كما أخبرني- في التجاره قائلا لي: من تجارة البشر إلى تجارة البقر، وكلامه كله كان شجعا حين يريد أن يتحدث باللغة العربية، ويقصد بها من تعليم البشر إلى محاولات فاشلة في تجارة المواشي.

وانتقل بعدها إلى العاصمة الصومالية مقديشو، واشتغل في مكتب رئيس الوزراء عبد الولي محمد علي غاس(رئيس بونتلاند حاليا) مستشارا له في الشؤون العربية والإسلامية،في تلك الفترة بدأ المرحوم بتطوير فكرة لتدشين مكتبٍ للعلاقات العربية والإسلامية ومقره العاصمة الصومالية مقديشو، وهي فكرة طموحة ساعده فيها الأخ عمر الفاروق.

لقي الأستاذ زكريا حتفه في مدينة أصبحت مقبرة للصوماليين الشرفاء، وعلى يد وحوش بشرية لا ترحم احدا، ففقدتُ ضحية تلك التفجيرات أصدقاء من زبدة المجتمع أمثال:عبد الرحمن الشيخ بشير الصديق الذي ترك بصماته واضحة على نفسي، فعلّمني كيف أصبح مثقفا يواظب القراءة؟ وعبد الشكور مري آدم الذي تعلمتُ منه الإصرار، وترك لنا مرجعا تاريخيا باللغة الصومالية الأول من نوعه عن الجماعات والحركات الإسلامية الصومالية،وأخيرا ترجل فارس اللغة العربية عن صهوة جواده بعد عمرٍ قضاها في خدمة اللغة العربية، وتركنا وحدنا نعاني من ألم فراقه، ونذرف الدموع حارةً لعزيز علينا غرس فينا حب اللغة العربية وثقافتها، وعلّمنا كيف نتباهى ونزهو بثقافتنا العربية في زمن سادت ثقافة الخواجة، وأصبحت معيارا للمدنية،فرحمة الله عليك أستاذي العزيز بقدر ما خدمة اللغة العربية وجعل الجنة مثواك! إلى متى تستمر المذابح والمجازر في مقديشو؟ حقا ينطبق عليها مقولة الصحفي العربي الذي وصفها بأنها “عاصمة يأتيك الموت منها من كل جهة”.

رحم الله الشهيد زكريا محمود عيسى قُتل ظلما على يد مجموعة مارقة استحلت دماء المسلمين،وكم من عزيز علي راح ضحية الهجمات البربرية!

ملاحظة: هذا المقال منقول من صفحة معالي الوزير عبد الفتاح نور أشكر، وطلب منه فريق تكايا إضافة بعض المعلومات المهمة وقبِلها مشكوراً.

عن فريق تكايا

فريق تكايا

شاهد أيضاً

الذكرى الثامنة لحادثة شامو المؤلمة

لم يكن يوم الثالث من شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2009 كأي يوم بالنسبة لسكان …

تعليق واحد

  1. غير معروف

    مقال رائع وفيه بعض اراجيف واشاعات كاذبة والذنب يرجع صاحب المقال سعادة الوزير اشكر (لم يدرس الأستاذ زكريا وفق النظام التعليمي المتسلس)

    من اين لك ياهذا ؟؟؟كذبت وافتريت! وبهت وسجلت ما سمعت من افواه الاعداء

    والعبارة الثانية :

    (من تجارة البشر إلى تجارة البقر)

    والصواب
    من تربية الاولاد الى تجارة الابقار

    وهو كتيب متواضع غبر منشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.