الرئيسية / تقارير / بوصاصو نموذج لروح الأخوّة والتّراحم

بوصاصو نموذج لروح الأخوّة والتّراحم

ممّا يثلج الصدور ويبقي الأمل في النّفوس قدرة الانسان الصومالي على استيعاب الكوارث والصدمات من خلال حملات شعبيّة ذاتيّة الدّفع، قدرته على إحداث استجابة سريعة كردّ فعل لما يحدث له من أزمات كبيرة تخفّف دوما من حدّة ووطأة التّقلّبات البيئية والامنية الكبيرة التي تعصف به في السنوات الأخيرة والتي تهدّد وجوده ولا تزال.

وإذ نطمح إلى الحصول على دولة قادرة على التّعامل مع الكوارث الطبيعية والأزمات الكبرى بانضباط وحرفية عالية من خلال مؤسّسات رسميّة قوية مؤهلة للقيام بمسؤولياتها وواجباتها المنوطة بها والّتي تعمل وفق خطط مدروسة وبرنامج عمل واقعيّ قابل للتّطبيق في اطار الطاقة والامكانيات المتاحة إلّا أن غياب هذا العمل المؤسّساتي والفراغ الموجود لا يمكن أن يكون له بديل آخر سوى مضاعفة الجهود الذاتية والتعبئة الشعبوية في جمع المعونات للمتضرّرين لوقف النزيف وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

تختلف المناطق في قدرتها على تحمّل واستيعاب الكوارث طبعا لتنوّع خبراتها واختلاف تجاربها، لذالك فإن مناطق الجنوب التي يحدث فيها الجفاف بشكل أقلّ يصعب عليها التعامل مع القحط عند حدووثه بينما تكوّنت مرونة عالية نسبيّا لأهالي الشمال والشرق بفعل تعوّدهم عليها مقارنة بالمناطق الأخرى.

والعكس تماما ففي مقديشو ومحيطها تلمس قدرة فائقة على نسيان الألم وعدم الوقوف طويلا على خسارة الارواح والاضرار المادية، فعندما تحدث مجزرة مروّعة وتشاهد استنفار الناس لإسعاف المنكوبين واستنكارهم لما يحدث يخيّل اليك أنّ تغيّرا ما سيحدث على وقع المصيبة لتشكّل منعرجا لمرحلة جديدة يتمّ فيها رسم ملامح مختلفة وانّ الجميع سيهبّ لتغيير الواقع الميؤوس ولكنّ لاشيء من ذالك يحدث على الاطلاق وتسير الحياة من غير ان تشعر ان خطبا كبيرا قد حدث بالفعل; الكلّ يستأنف عمله بحيوية ونشاط ويتمّ رفع الرّكام سريعا وتنطيف الطريق من آثار الدماء في حين اصحاب المحلّات في بناء وترميم المباني المدمّرة وهكذا تمضي الحياة في حين يحدث التوتّر والاضطراب وقد يضطرّ بعدهم للهروب بمجرّد قنبلة ألقيت قرب تجمّعهم السكني.

مجزرة زوبي وتفاعل مدينة بوصاصو

بحكم تواجدي في المدينة أثناء حدوث المجزرة عرفت أنّ المجتمع الصومالي لا يشكّل الّا قبيلة واحدة بعكس ما يحاول المفسدون إيحاءه لنا يألم بعضهم لألم أخيه ويبادله هو الآخر بنفس الشّعور لكنّ هذا الاحساس يتبخّر مع الوقت ولا يدوم طويلا؛ الجميع هنا كان يشعر بالقلق على اقاربه هناك ويجري اتصالاته مع اقاربه للاطمئنان والتأكّد على سلامتهم علما بأنّ الكثير من العائلات هنا في بوصاصو مثل باقي المدن الصومالية فوجعت بمقتل بعضا من أبناءها كانعكاس طبيعي للأعداد المهول من الشهداء الذين سقطو في المجزرة.

اتّضح جليّا أن العلماء رغم الانتقادات الكثيرة الموجّهة اليهم –ولاشك ان الكثير منها صحيحة – لكنّهم لا يزالون محلّ تقدير وثقة وهم الأقرب الى قلوب النّاس والأقدر على إحداث التّأثير في وجدانهم.

لقد قامو بإدارة حملات جمع التبرّعات على أكمل وجه ليس فقط في المجزرة الأخيرة بل في جميع الازمات، فعند حدوث المصائب التي تستلزم اقصى درجات الاستنفار تلجأ اليهم النّاس حتّى الحكومات ليطلبو منهم حثّ الناس على الخير وبذل الصدقات.

الانسان الصومالي مجبول على الكرم والعطاء وصلة الارحام وسكانه لا يتفاوتون كثيرا في هذه الخصائص والسّمات لكنّ العوامل ونمط الاوضاع تسهّل او تعقّد من  الانخراط في الاعمال الخيريّة للبعض دون الآخرين ففي حين تصدّر المشهد مسجد الرّوضة ببوصاصو لم يكن بامكان مسجد ابوهريرة او مسجد اسبهيسغا في مقديشو مثلا القيام بفعل الشيء نفسه لسيطرة الهاجس الأمني الذي لا يشجّع على تنظيم ذالك للدواعي الامنية ولو فعلوها لكانو قد جمعو الكثير من التبرعات من المتصدّقين، وهذا لايعني اّنهم لا يقدمو على فعل شيء لصالح الضحايا وانّما تمّت عملية جمع المعونات ولا تزال عبر طرق متعدّدة غير منسّقة.

بفضل وجود بعض الرموز امثال الشيخ طاهر اوعبدي والشيخ فؤاد افلو والشيخ احمد يوسف داد وغيرهم الذين يجيدون فنّ الإلقاء والتّاثير في النفوس ولما يملكونه من سجلّ ناصع في المجال الخيري من الورع والأمانة لا يجد الناس خيارا آخر غير المشاركة بالقليل الذي يملكونه لنجدة أخوانه الّذين مسّهم الضّرر الشّديد.

الغريب أنّه لم يتحمّس أحد لجمع التبرّعات لصالح عائلات ضحايا “أف أٌورر” الذين سقطو بالعشرات قبل ثلاثة أشهر ولا يزال جرحاهم يصارعون الموت لوحدهم؛ ورغم الفرق الكبير في المقارنة بين الحدثين الّا أنّهم ايضا يستحقون الاعتناء بهم وبأهاليهم وإن بدرجة أقلّ.

تبقى بوصاصو ومدن ولاية بونتلاند عموما السّباقة والرائدة في مجال القدرة على تفعيل وتنظيم الاعمال الخيرية والإشادة بها لا يعني تقليلا من شأن الولايات الأخرى كما ينتاب البعض لكنّها فقط من باب إحقاق الحقّ ويجب علينا ان نشجّعها على ذالك لتستمرّ فيها وتشكّل نموذجا للأقاليم الأخرى.

عن محمود عيسى فارح

محمود عيسى فارح
كاتب صومالي

شاهد أيضاً

الذكرى الثامنة لحادثة شامو المؤلمة

لم يكن يوم الثالث من شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2009 كأي يوم بالنسبة لسكان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.