الرئيسية / مقالات رأي / انتخابات صوماليلاند بين الواقع والمأمول

انتخابات صوماليلاند بين الواقع والمأمول

منذ أن أعلنت جمهورية صوماليلاند استقلالها عن الصومال عام 1991 وإلى الآن مرت بمراحل كثيرة ومحطات مختلفة، في مؤتمر برعو عام 1991 اتفقت النخبة السياسية والعسكرية والعشائرية التي كانت حاضرة في المشهد، اتفقت اعطاء الفرصة لجبهة SNM لمدة سنتين لتحكم البلاد، واختير عبدالرحمن تور رئيسا للبلاد باعتباره زعيم جبهة SNM التي استولت البلاد انذاك، ثم انفض مؤتمر برعو لتنفيذ مخرجاته على أرض الواقع لكن سرعان ما أثبتت تجربة حكم SNM فشلها.

وفي عام 1993 عقد مؤتمر بورما والذي كان فاصلا في تاريخ صوماليلاند الحديث، ومن مخرجاته بنيب دولة صوماليلاند، واتفقت الأطراف المشاركة في المؤتمر أن يتم تقاسم السلطة على أساس قبلي لمدة عشر سنوات على أن تتحول الدولة إلى دولة تعتمد الديمقراطية كاساس لنظام الحكم، واختير محمد حاج ابراهم عقال رئيسًا لمدة خمس سنوات وتم تجديدها مرة واحدة قبل ان وافته المنية عام 2003.

تدين صوماليلاند كثيرًا لهذا الرجل الذي نجح وضع أسس مؤسسات الدولة التي نعيشها الآن، وبوفاته أصبح طاهر ريالي كاهن ثالث رئيس لصوماليلاند، وواصل نفس الطريق الذي سلكه سلفه عقال، وقد نجح إجراء الإنتخابات البلدية ثم الرئاسية والبرلمانية، وبهذا استكمل انتقال نظام الحكم على أساس قبلي إلى نظام حكم دستوري ديمقراطي وأصبح رئيسا للجمورية بعد الانتخابات التي فاز فيها نهاية 2003، إلى أن سلم مقاليد السلطة الرئيس الحالي أحمد محمد محمود سِيلانيو بعدما خسر الانتخابات والذي هو الآخر تنتهي ولايته بعد شهر ونيف من الآن.

اليوم تقف صوماليلاند على عتبة جديدة وعلى أبواب انتخابات رئاسية جديدة تتنافس فيه ثلاثة أحزاب السياسية، وكأي دولة في العالم تطرح هذه الانتخابات تحديات جديدة وأسئلة قديمة متجددة، ماذا بعد الانتخابات؟ هل سيتقبل الجميع نتائج الانتخابات؟ كيف سنختار خياراتنا السياسية؟ على أسس قبلية بحتة؟ أم على أسس سياسية وبرامج معينة؟ من الصعوبة بمكان تقديم أجوبة بسيطة لهذه الأسئلة لأن الواقع الموجود أمامنا يطرح أسئلة أكثر مما يعطي أجوبة، ما عدا هذا ما هو الا عجز سياسي وكسل فكري.

كلما يقترب موسم الانتخابات الرئاسية والتشريعية تطفو سؤال القبيلة على الواجه، وتطرح الاسئلة القديمة الجديدة، هل أخضعت الديمقراطية للقبيلة بحيث أصبحت الديموقراطية مجالا تدير القبائل من خلال خلافاتها السياسية؟ مما يعني “قبلنة الديمقراطية” أم أن الأمر هو عكس ذلك يعني “دمقرطة القبيلة”.

التبني لنظام الديموقراطي الرئاسي كانت خطوة موفقة جنبت صوماليلاند كثير من الأزمات السياسية، ومنه أيضا جنت فوائد كثيرة أهمها الاستقرار اليساسي الذي عاشته البلاد في ظل هذا النظام الذي جعل الرئيس ديكتاتورا دستوريا في يده كل سلطات التنفيذية.

من الواضح ان المشكلة ليست في النظام السياسي بل في ثقافتنا السياسية، وفشل الساسة الترفع لمسألة القبيلة، واستسلامهم للواقع عزز هذا التخلف الذي أصاب ثقافتنا السياسية. تختلف هذه الانتخابات عن سابقاتها لعدة النواحي.

أولاً: اقتحام الأكاديميين والشباب الجامعي عن المعترك السياسي، وتغيرت نظرتهم تجاه السياسة والمجال العام، وتلاحظهم يتقدمون صفوف حملات الانتخابية في جميع انحاء البلاد. كان ذلك في الماضي أمرا شبه مستحيل، وهذه بادرة جيدة تبشر بفجر جديد رغم صعوبة الواقع، آمالنا ليست معلقة بحدوث تغير جذري وسريع، إنما إزاحة بعض الأفكار التي لا تستطيع دفاع عن نفسها من المشهد السياسي الأمر الذي يعد أمرا جوهريا.

ثانياً: المناظرة السياسية التي جرت كانت هي الأولى من نوعها، وقد تابعها الصوماليون جميعا مباشرة، وكانت هذه الخطوة ايجابية للغاية، لأنها أزاحت حاجزا نفسيا بين المرشحين على الاقل ووضعتهم أمام ناخبيهم وجها لوجه في الوقت الذي ترتفع فيه وتيرة حمى الانتخابات.

ثالثًا: التكنولوجيا فرضت نفسها في الانتخابات خاصة مواقع التواصل الاجتماعي، وتستخدم كلا الاحزاب السياسية بكثافة، وتنشر من خلالها برامجها السياسية والدعائية لجذب الناخبين واقناعهم، وقد تابع الناس حول العالم المناظرة السياسة من خلالها، ومن إيجابيات وسائل التواصل الإجتماعي انها ساهمت إرتفاع مستوى الوعي السياسي خاصة الشباب. أضف إلى ذلك التكنولوجيا المستخدمة في نظام الانتخابات نفسه، وهي تكنولوجيا المسماة BIO TECH والتي تؤخذ بصمات اليد والعين معا، مما جعل تكرار عملية التسجيل الناخبين مرتين شبه مستحيلة. وقد حرم الذين قاموا بهذا حق حصول بطاقة التصويت بموجب القانون.

رابعاً: تطور الوعي السياسي الجمعي لدي المجتمع. تري الناس مختلفين حول الاحزاب السياسية والاسباب التي جعلتهم يختارون هذا الحزب أو ذاك، لكن من الصعب ان تراهم من يدعم أو يدعوا إلى العنف بعد الانتخابات. والجميع متفقين حماية الأمن والنظام العام واحترام ما سوف تنتجه صناديق الاقتراع، وهذا أمر لا يجب ان نقلل من شانه في ظل مجتمع قبلي يعاني الفقر والجهل، بل ومن الطبيعي ان نشعر بعضا من الخوف نظرا لبنية القبلية التي يعتمد عليها مجتمعنا.

صحيح؛ ان هذه الانتخابات لن تجلب لنا الإعتراف الدولي كما يحاول البعض ان يروج، لأن الانتخابات قضية داخلية تتعلق بنظام الحكم وكيفية تداول السلطة بطرق سلمية والقانونية أولا وقبل كل شيء.

لانريد ان نصور الأمور بطريقة وردية، نعترف صعوبة الواقع الذي نعيشه وتحديات التي تواجهنا. هناك أمور كثيرة انجزت في صوماليلاند، وهناك أمور كثيرة كان بامكاننا ان ننجز ولم نفعلها فعلا لأسباب كثيرة يعلمها الجميع ولا تحتاج الى الشرح.

آمل ان تكون هذه الانتخابات كسابقاتها وتنتهي بسلام وهدوء تام. وان نخرج موحدين لا منقسمين، آمل ان تعزز هذه الانتخابات ديموقراطيتنا وثقافتنا السياسية، وتداول السلمي للسلطة بطريقة قانونية وحضارية.

عن مختار علي محمد

مختار علي محمد

شاهد أيضاً

الذكرى الثامنة لحادثة شامو المؤلمة

لم يكن يوم الثالث من شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2009 كأي يوم بالنسبة لسكان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.