الرئيسية / مقالات رأي / دفاعاً عن الحب في العصر الرقمي والنهم الاستهلاكي

دفاعاً عن الحب في العصر الرقمي والنهم الاستهلاكي

في زمن أصحبت كل المفاهيم سائلة، فإن مفهوم الحب  هو أكثرها سيولة، ووصل إلى درجة أن يسمي البعض علاقات جنسية عابرة ولحظية، ممارسة للحب، كما يقول زيغمونت باومان في كتابه ” الحب السائل وهشاشة الروابط الإنسانية” وربما لا يعرف أحد الأطراف، اسم الأخر بشكل جيد،بل إن البعض لمجرد ان يتعرف شخصاً بنية عقد علاقة، يغير اسم هذا الشخص من فلان إلى حبيب قلبه ونظر عينيه، وهذا بدوره جعل العلاقات هشة وقصيرة.

وهذ الأمر لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج الأسلوب الذي تناولت فيه الأغاني والمسلسلات التلفزيونية الحب، والتي تركز فقط على وصف الجسد طوله وعرضه، وهذا خلق إنساناً يشتهي الجسد ويلهث  وراءه، وهو ما أفرغ الحب من مضمونه التراحمي والثقافي والوجودي، وبالتالي لم يبقَ إلا علاقات الأجساد، والأجساد في النهاية يصيبها الملل والمرض حتى، وربما تزهد عن الجسد الآخر الذي أرهقه التعب.

إن هذا الأمر خلق حالة يتطلع فيه الإنسان الى علاقات هشة وقصيرة الأمد، بل يتطلع الى علاقة قادمة والتي تجعل ما في يده قابلأ للتخلي عنه، ويقول في قرارة نفسه: “لا ترتبط بها او به بشدة، فقد لا يكون شريكك هو الآخر راغباً في علاقة طويلة تحرمه بدروه من فرصة قادمة أفضل من هذه العلاقة.” مما جعل مقولات مثل لن يفرقنا إلا الموت مقولات عفا عليها الزمن.

ولهذا نرى مجلات ومواقع الكترونية كثيرة تخصص صفحات طويلة في الحديث عن التدريب الجيد في الحب وخروج آمن عنه، وربما حديث عن ترتيب علاقات ودية لشريك مناسب لك، وهذه دعاية رخصية تهدف إلى  تحقيق مفهوم الأمان والذي يعني أنه يمكنك أن تتمتع بحب دون معاناة. وهذا يجنب الإنسان تجربة الاختبار المباشر للحب، وكل خبرة عميقة أو أصيلة يمكن أن يختبرها الشخص في تجربته الخاصة.كما قال الفيلسوف الفرنسي آلان باديو في كتابه “في مدح الحب “

فالحب هو تجربة فريدة تحدث للإنسان، بل هو مشروع وجودي يغيره إلى الأبد، من الوحدة والعزلة الى خبرة اثنين، يتشاركان معاً الموقف من وجهتي نظر، دون أن يحدث لهما انصهار أبداً وفي أي وقت، فالانصهار ليس سوى وهم، والرغبة في السيطرة أنانية يجب أن ينزعه الحب عن الإنسان.بل يعتبر الفيلسوف اريك فروم أن الرغبة في السيطرة أو الخضوع في الحب ليسا إلا أعراضاً مرضية، وأن ذاك الشخص الذي يرغب في السيطرة على الآخر ربما يكون سادياً في حين يكون الذي يخضع مازوخياً.

الدافع الأساسي في الحب هو محاولة الإنسان للهرب من القهر والعزلة والانفصال، وتثير تجربة الانفصال القلق عند الإنسان، ما يجعله يتوق اإلى ذلك الجزء المنفصل عنه، والانفصال يعني الكفّ واليأس أو العجز عن الاستحواذ على الأشياء والناس. وهذا يثير القلق والعار الشديدين للإنسان، وفكرة العار تجسدت في قصة آدم وحواء، كما يقول اريك فروم، ليس هذا فحسب بل يدرك الإنسان محدودية حياته وقصرها؛ ولهذا يتخذ الارتباط بذلك الجزء المفقود منه جسراً إلى الخلود ومقاومة الموت. والموت ليس موضوعاً منفصلاً عن الوعي بالعالم وعن مشاعر الوجدان.

البعض يرى أن الحب مسألة بسيطة ويمكن الوقوع فيه بسهولة، ولكن المشكلة بالنسبة لهم هي كيف يجدون ذلك الإنسان الذي يستحق حبهم، واهتمامهم وعطاءهم، وهذا الاعتقاد يؤدي إلى نسيان الذات وإدانة الآخر، بل يهدد الحب ويفقد شرطاً أساسياً من شروطه وهو التواضع.  يقول إريك فروم في كتابه “فن الحب” بأن الحب الناضج يجب أن يتصف بالتواضع الحقيقي والشجاعة والإيمان والانضباط، ولكي تكون هذه التجربة الإنسانية مثمرة ومستمرة. إن المهمة الصعبة هي أن تكون قادراً على الحب، وفي حال لم تستطع فعل ذلك فإنك تفتقد لشرط أساسي من إنسانيتك.

ومحاولة جذب نتباه الأخرين وجعل أنفسنا محطّ أنظار الآخرين توضح لنا مدى رغبتنا في أن نكون محبوبين، وأن نرى أن الاهتمام المتزايد بعمليات التجميل لدى الفتيات، وبناء العضلات وإبرازها لدى الشباب ما هو إلا إخضاع للجسد وجعله موضوعاً لرغبات الآخر وموضعاً لسلطتهم. وكما أشرنا فإن هؤلاء نسوا أن الأهم هو أن تحب وأن تتعلم فن الحب وليس أن تكون محبوباً.

وهذا ما يجلعنا نهتم بالحب وأن ندافع عنه اليوم، بل صار الاهتمام الذي يحظى به نقيض الحب أكبر، والكمّ الهائل من التحريض والكراهية ضد الآخر، وضد كل ما يختلف عنا جنسياً وعرقياً ونسباً يجبرنا على الاهتمام بالحب في هذا الوقت بالذات، بدل هذه الكراهية التي حوّلت حياة ملايين من البشر إلى جحيم لا يطاق. واهتمامنا بالحب نابع من أملنا في تقليل حدّة الخلافات بين الإثنين وصولاً إلى البشرية بشكل عام.

وإذا كان من الممكن أن نتعلم الكراهية فإنه من الممكن بل من السهل تعلّم الحب، كما قال مانديلا.

عن سهل علي

سهل علي
مدون من جيبوتي

شاهد أيضاً

الذكرى الثامنة لحادثة شامو المؤلمة

لم يكن يوم الثالث من شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2009 كأي يوم بالنسبة لسكان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.