الرئيسية / مقالات رأي / آراء سياسية / العلاقة بين الإرهاب والسياسة والموت: كيف أصبح الخوف من الموت وسيلة لغايات سياسية؟

العلاقة بين الإرهاب والسياسة والموت: كيف أصبح الخوف من الموت وسيلة لغايات سياسية؟

كلما ارتكب الإرهاب أفعالاً شنيعة في حق الأنّسأنّية؛ نعود لتذكّر علاقة الموت بالسياسة، وهذا عندما يكون الإرهاب فعلاً سياسياً ويسعى من خلال القتل أي الموت، لتحقيق مطالب سياسية، وعلى هذا الأساس ينسج الإرهاب علاقة غريبة بين الموت والسياسة.

قبل أنّ ندخل في علاقة الإرهاب بالموت السياسي، ينبغي علينا أنّ نتساءل: ما هو الإرهاب؟ لأنّ مفهوم الإرهاب يحمل الكثير من الأحكام القيمية السيئة والشائعة على نطاق واسع، لذلك فإنّ ما يميز الإرهاب عن غيره من أشكال القتل هو أنّ الإرهاب يتضمن أفعالا ترتكب بطريقة دراماتيكية لجذب الانتباه العام، وخلق مناخٍ من الرعب يتجاوز الضحايا الذين تعرضوا له. والحقيقة أنّ هوية الضحايا تكون ثانوية أو غير مهمة للإرهابيين لأنّ عنفهم موجّه إلى الناس الذين يشاهدون ذاك العنف.

ويختلف الإرهاب عن القتل الجماعي أو الإبادة الجماعية من حيث أنّ الأخير يرمي إلى قتل جماعة بالكامل بينما يرمي الإرهاب إلى قتل عدد محدود من الناس للتأثير على جمهور أوسع.

وانطلاقا من هذا التعريف، نفهم أنّ الإرهاب يستخدم الرعب لجذب الانتباه العام، وبالتالي فأنّ الموت هو أكثر الأشياء رعباً في العالم، ولهذا تحاول المنظمات الإرهابية، وأيضا بعض الدّول استغلال هذا الرعب، لفرض سيطرتها على الجميع.

من يموت؟ ولماذا يموت؟

يحاول الإرهاب الذي يستخدم الموت وسيلة سياسية أنّ يحددوا من يموت ولماذا يموت؟ وطالما أنّ مسألة الموت معقدة من الناحية الفلسفية باعتباره الشيء الغريب  الذ يظل مجهولاً من الناحية الميتافيزيقية، ولهذا يظل الموت أكثر الأفكار رعباً على المستوى العام.

وعلى مر التاريخ، حاول الإنسان  استغلال الموت والمشاعر المرافقة له من الرهبة والخوف منه، لأغراض سياسية واستطاع نسبيا أنّ يوظفها بشكل ناجح، ولذلك صار الموت والخوف منه مسألة تخدم المصالح السياسية.

أنّ الخوف من الموت نزعة طبيعية لدى الإنسان، واستغلال هذا الخوف هو أداة سياسية بامتياز، وقد استوظفت القوى الإرهابية الموت بشكل كبير إذ أنّها تعرف نفسها بصفتها الجهة الوحيدة التي لا تهاب الموت، وهذا بالطبع ادّعاء مخيف وخارج عن النزعة الإنسانية المعروفة في التاريخ الطبيعي للإنسان، ولاسيما وأنّ الآخرين يخافون من الموت، ولهذا يظل الإرهابيون يستغلون هذا النزعة وهي بالفعل ما نسميه “تسيس الموت” أي العلاقة السياسية بين الموت والإرهاب والتي من خلالها استطاعت القوى الإرهابية أنّ تفرض سيطرتها على البشرية.

هدف الإرهاب اولاً وقبل كل شيء هو التخويف وبالتالي يستخدمون الخوف لتمرير سياساتهم ولكي يتمكنوا الهيمنة والتسلط، فأنّهم بالفعل سيزرعون الخوف في نفوسنا، وذلك عن طريق القتل والتفجير وقطع الرؤوس، ومن ثم فأنّهم يستخدمون سياسة التكرار المستمر لكي يقتلوا إحساسنا الإنساني، ونتعود الشر بشكل غير طبيعي، وهذا بالفعل هو هدف الإرهاب، قتل أكثر عدد ممكن ليعتاد الآخرون على الشر، ويصبح الموت والشر أخيراً جزءً من الرويتن اليومي، ومع مرور الوقت نفقد إنسانيتنا.

والسياسة تجعل الشر مسألة هامة، وتحاول بشكل أو بآخر استغلاله أيضاً، والا ما تفسير هذا الحجم من الدّمار والأفعال الشنيعة التي ترتكبها الجماعات الإرهابية أمام العالم وأمام أعين ورقابة القوى الاستخباراتية؟ أليس هذا “تسيساً للموت واستثماراً للإرهاب؟ ألا يمنح عجز القادة المحليين الإرهاب وقتاً إضافيا لقتل أكثر عدد ممكن، وغير ذلك، ألا يوجد من بين القادة السياسيين متورطون فعليون في تسيس الموت واستثمار الإرهاب؟

القادة السياسيون عموماً يوازنون مصالحهم الخاصة مع الواقع، ولهذا ليس غريبا أنّ يستثمروا الموت والإرهاب ما دامت المحاسبة آليات ضمان الشفافية غير فعّالة، وبالتالي؛ المؤسسات الامنية الهشة لا يمكن لها أنّ تتصدى للإرهاب، ولاسيما في الدول الفاشلة والتي يتواجد فيها قادة فاسدون وهذا يطيل معركتنا مع الإرهاب.

إنّ الفساد السياسي والإداري سيفشلان جهودنا ضد الإرهاب وجماعاته، لأن مواجهة الإرهاب لا يمكن أنّ تأتي من نفس الاشخاص الذين صنعوا الإرهاب نظريا، واعتقد أنّ هذا الرهان سيكون رهاناً خاسراً, وبالفعل نحن نلاحظ يومياً فشل هذا الرهان، والغريب أنّ الفرق بين هؤلاء الإرهابيين وبعض القادة السياسيين والنخب الثقافية التي نعتقد أنّها تواجه هذا الإرهاب هو فرق في الدرجة وليس في النوع، وهذه في الحقيقة كارثة أخرى، وتحدٍ كبير أمام نضالنا ضد الإرهاب.

إنّ نضالنا ضد الإرهاب لابد أنّ يكون نضالا يختلف كليا من ناحية الخطاب ومن ناحية الثقافة عن ذلك الخطاب الذي صنع الإرهاب نظرياً، وكذلك تلك الثقافة التي تستثمر النزعة التدميرية عند شبابنا المتدينين. وايضا لن ننتصر على الإرهاب إلا أنّ نستوظف نزعة البقاء وحب الحياة الموجودة في الطبيعة البشرية مقابل رغبة الموت وهذا يتطلب أنّ نواجه الخوف وألا نفقد الأمل بسبب هذه التصرفات اللا إنسانية التي تحاول باستمرار أنّ تقتل فينا الأمل والإرادة في تغيير هذا الواقع البئيس، وبالتالي؛ فأنّ رغبة الحياة تتطلب أنّ نعيد صياغة علاقة السياسة بالموت ونجعل السياسة تخدم مصالح الحياة.

عن عمر علي باشا

عمر علي باشا
عمر علي باشا، طالب ماجستير في الاقتصاد يهتم بالفكر والفلسفة

شاهد أيضاً

صالح والرقصة الأخيرة على رؤوس الثعابين

سيرة حياته حافله على الكثير من الأدوار والمواقف المتناقضة جسدت طراز زعامته وسلوك حياته السياسية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.