الرئيسية / تقارير / معاداة الولايات: استراتيجية الحكومة الفيدرالية لكسب الشعبية من جديد، فهل تنجح؟

معاداة الولايات: استراتيجية الحكومة الفيدرالية لكسب الشعبية من جديد، فهل تنجح؟

لم تبدأ العلاقة الفاترة بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات تزامناً مع #الأزمة-الخليجية الراهنة، ولكنها كانت حاضرة منذ تمرير النظام الفدرالي في مؤتمر إمبغاتي-2004، وتشهد الذاكرة التاريخية أن التوتر السياسي تصاعد بينهما وصل أحياناً إلى حد التهديد بفكّ الارتباط، إلا أن الأزمة الخليجية الجديدة أضافت بعداً آخر للمشكلة القديمة، وهو الجدل الدستوري بين الفريقين، حيث يتحاجج كلاهما بمواد دستورية تعطي لحكومات الولايات الحق في معرفة القرار السياسي قبل اتخاذه [كما تنص المادة 53]، بينما ترى الحكومة الصومالية أن المسألة الدستورية محسومة لصالحها، وبأن لها الحق المطلق لاحتكار القرار السياسي الفدرالي فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، مستدلة [مادة 54] إذن أين يكمن الخلل وسوء التفاهم بينهم؟

لنعد قليلا قبل ان نتطرق  للإجابة  عن هذا التساؤل، إلى تساؤل آخر يرشدنا إلى الإجابة مقنعة، وهو: كيف وصلنا إلى هذا الخلاف الخطير بين الحكومة الفيدرالية والإدارات الإقليمية؟

في الثامن من فبراير الماضي؛ اعتبرت الأغلبية الساحقة من المجتمع الصومالي بأن الصومال وجد أخيراً الرجل الكفء الذي يملك حلاً سحرياً، وصُور السيد فرماجو من خلال خطاباته الطوباوية قبل دخوله معترك السياسة إلى منقذ للوطن، وفي الواقع ساهمت مواقفه السياسية السابقة وخطابه الشعبوي في ترسيخ أسطورة سياسية لن يتكرر مثلها في المسرح السياسي الصومالي، ما رفع سقف توقعات الشعب من حكومته، وظهر شعار  “iigeeya Farmaajo” الذي يترجم عن مدى تأييد الشعب للنظام الجديد.

بعد ثمانية أشهر فقط من انتخاب الرئيس الحالي، تراجع التأييد الشعبي لحكومة الجديدة، وبدأت أحداث سياسية متلاحقة تصنع وجهاً آخر غير الذي ذكرناه في الأعلى، قضية تسليم قلب طكح مثلاً، قسمت الشارع الصومالي ما بين مؤيد ومعارض لقرار الحكومة، وفجأة وبدون سابق إنذار ولجت الحكومة في صراع مع الولايات بعد أن اتخذت قرار الحياد في الأزمة الخليجية، وهنا لسنا بصدد الحديث عن صوابية القرار المتخذ من عدمه، ولكننا نتحدث عن طريقة إدارة الحكومة الصومالية لأزمة داخلية بعد قرار بعض ولايات الفدرالية مخالفة قرار الحكومة، الذي خَلق أجواء فوضوية في داخل الولايات الفدرالية، وجاء تغيير عوسبيلي حاكم هيرشبيلي بعد أن اصطدم الرجل بالعديد من الملفات الساخنة كان آخرها موقفه من الأزمة الخليجية، وذكر في آخر أيامه بأن الحكومة تورطت بقرار سحب الثقة عنه عبر استغلال برلمان الولاية، وأخيراً؛ يقول شيخ شريف في تصريحه بعد تمرير البرلمان الولاية مذكرة لسحب الثقة بأن ثمة من لا يريد نظام الفدرالي للبلد ويريد أن يضعضع الإدارات الفيدرالية، لصالح إعادة النظام المركزي البائد، كل هذه المواقف المتجددة تبرهن أن فيلا صوماليا تلعب بالنار في هذا التوقيت الحرج الذي يمر به البلد، ويتصرف صنّاع القرار السياسي كدولة قوية تدير البلد بأكمله، ويتناسون بأننا دولة هشة لا تقدر على زج نفسها في صراعات صفرية تنتهي بلا غالب ولا مغلوب في آخر المطاف.

ولكي تنجح استراتيجية محاربة الفساد وإصلاح دوائر الحكومة التي طفقت حكومة خيري بالترويج لها منذ تشكيلها؛ فإنها تحتاج إلى أن تنزل من برجها العاجي، وأن تواجه الواقع كما هو وليس أن تتصور نفسها كحكومة قادرة على فرض وصايتها على الآخرين، بل يجب أن يفهم القادة أننا نعيش في كنف دولة فاشلة لا تمتلك حق استخدام العنف المشروع على الأراضي التي تحكمها بل نرى حكومة لا تتجاوز مدينة واحدة فقط، فإن من مصلحة الحكومة الصومالية أن تقوي علاقتها مع حكومات الولايات وفق ما ينص عليه دستورنا المؤقت وما تمليه الظروف الاستثنائية التي يعيشها البلد.

وفي ظل سكوت الحكومة الصومالية والنأي بنفسها عن التحدث بصورة رسمية عن الأزمات المتلاحقة والمستعصية بينها وبين الولايات الفيدرالية أعلن حاكم ولاية جوبا لاند أحمد محمد إسلان “مدوبي” دعوة لمؤتمر تشاوري حول سبل الخروج من الأزمة الراهنة، وتقمص أحمد “مدوبي” دور الحكومة التي كان من المفروض أن تجمع الإدارات الفيدرالية على مائدة واحدة لكي يتوصلوا معاً لنتائج تخدم مصلحة مواطن الصومالي التائه بصراعات سياسية لا تنتهي أبداً. ولكن الحكومة على ما يبدو أوعزت لبعض النواب بسحب الثقة من أحمد “مدوبي” نفسه!

وأخيراً؛  إذا رجعنا إلى تساؤلنا السابق، نجد أن الخلل الأساسي في الأزمة الراهنة يكمن في الأخطاء الاستراتيجية المذكورة أعلاه،  إضافة إلى سوء قراءة الواقع السياسي للوطن من قبل فيلا صوماليا التي وجدت في توجيه الرأي العام نحو معاداة الولايات والنظام الفيدرالي، كخطوة لاستعادة ما خسرته بتسليم عبد الكريم شيخ موسى “قلب طكح”، واستخدام الشعبوية المؤمنة بضرورة إيجاد نظام شديد المركزية على غرار نظام سياد بري، تلك المركزية المستبدة التي يراها البسطاء والسذج نموذجاً أسمى لما يُصطلح عليه الدولة الصومالية القوية.

السؤال الأهم هو: هل يمكن أن ينجح قادة الولايات السياسيون ورموزهم في إيقاف محاولة الحكومة الفيدرالية استعادة شعبيتها من خلال معادة الفيدرالية وفرض الهيمنة عليها وتغطية فشلها الأمني والسياسي مقابل ذر الرّمال في عيون المواطنين والبسطاء؟

عن فريق تكايا

فريق تكايا

شاهد أيضاً

الانتخابات الرئاسية في صوماليلاند .. قراءة من الداخل

تستعد جمهورية صوماليلاند المعلنة من طرف واحد، بعد فكّ ارتباطها مع الصومال في مايو من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.