الرئيسية / تقارير / تقارير تكايا / اختبار رئاسة فرماجو ما بين المثاليّة والواقعية

اختبار رئاسة فرماجو ما بين المثاليّة والواقعية

أصبحت قضية تسليم ضابط الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين المعارضة لإثيوبيا، والشرطي الفار من الخدمة عبد الكريم قلب طغح كما صرح به رئيس الإقليم الصومالي في إثيوبيا عبدي محمد عمر وبعض الاعيان الشغل الشّاغل للأوساط الإعلامية والشعبيّة هذه الأيام، وحديث الشارع بلا منازع. وفي حين أجمع الكلّ بأنّ التّسليم امتهان لكرامة الإنسان الصومالي المعروف بين الشّعوب بكبريائه؛ إلّا أنّ القضيّة تعدّت لفتة إنسانية عفوية وغضبة وطنية، إلى ورقة ضغط سياسيّة تهدف لزعزعة الدّولة برمّتها.

لقد كانت الولايات وما تزال تتسابق في إظهار حسن نواياها وتعاونها مع الجارة الإثيوبية، حتّى يضمنوا دعمها، أو على الأقل يحيدوها ويصرفوها عن التدخّل في شؤونها بالمقابل، وكان تسليم أي صومالي يبدو عاديّا في صوماليلاند وبونتلاند وحتّى غلمدغ التي بالمناسبة قبضت على الضابط المذكور قبل أن تستلمه/ تختطفه الحكومة الفيدرالية.

أحدثت هذه الخطوة صدمة كبيرة في الأوساط الشّعبية، خاصّة وأنّ الرئيس فرماجو أضفى على نفسه أو أضفيت عليه صورة الزّعيم الصوماليّ التقليدي الذي لا يعرف المساومات والتنازلات للأجانب خاصة إثيوبيا الخصم التّاريخي مهما كانت الظروف والأسباب، ولعل ذلك ما أكسبه الكثير من البريق والشّعبية أثناء نزاله الانتخابيّ، ومن الواضح أنّ الرئيس هذه المرّة ضحّى بصورته المثاليّة تلك من أجل أمر قد إرتآه ضروريّا، وربّما أملته عليه ظروف المرحلة ممّا يوحي بأنّ الخيارات أمامه لم تكن سهلة على الإطلاق، وإلّا لما ضحّى قبل أسابيع بدولة بحجم السعودية والامارات حين التزم بالحياد مع انّ الضّغوطات كانت أثقل من الجبال.

ما فات مؤيدي الرئيس “المتفرمجين” هو أن النّظرة إلى الأمور تختلف كلّيا بعد اعتلاء السلطة، إذ تكون زاوية النظر لخريطة المصالح والتّوازنات أقوى، وهنا تصبح الموضوعية والتّجرّد عن العواطف عنوان المرحلة؛ فإذا كان دونالد ترمب قد غيّر بعضا من آرائه الراديكالية، وأصبحت خطاباته وسياساته الآن بعد جلوسه على كرسيّ الرّئاسة أقل شعبوية وتطرفاً بفعل الضغوطات المحيطة وهو رئيس لأكبر وأقوى دولة في العالم، فإن أيّ رئيس لدولة بمستوى الصومال أكثر عرضة وقابليّة للتّأثر.

كلّنا يدرك بأنّ إنشاء دولة قويّة مؤسّساتية قادرة على بسط سيطرتها ونفوذها لا يتأتّى إلّا عبر اتخاذ قرارات جريئة وغير شعبيّة في بعض الأحيان، إذ لا تحدث ولادة من غير ألم إطلاقا، وبما أنّنا نطمح إلى إنشاء دولة ديموقراطية تحترم فيها الحريات، وتصان فيها الحقوق، يجب على الدّولة إتاحة وتوفير المعلومات للمواطن في كلّ ما يهمّه من قضايا كي يكون قادراً على إبداء رأيه في كل ما يمسّه، شأنه في ذلك شأن أي مواطن في الدّول الديمقراطية، لكن ليس من الضّروري أن يعرف الجميع أسرار الدّولة ومنعطفات الأمور الحسّاسة بتفاصيلها وحذافيرها وهذا إجراء تتّخذه كلّ دول العالم علما بأنّ الكثير من الأصوات تتعالى مطالبة بسرد حقيقة الأمر كاملة. الكثير من هذه الأصوات تعذر الرئيس فرماجو وتلمّح إلى أنّه قد لا يكون على علم بالموضوع، بينما يسيئون الظّنون ببعض القيادات على وجه التّحديد لحاجة في نفس يعقوب حيث يتمنّون إدانتهم والتنكيل بهم لأسباب منها:

أولاً: لاعتقادهم بأنّ إسقاط الرّئيس صعب المنال كالعادة، لأنّه يتطلّب أغلبية ثلثي من المجلس التّشريعي، كما أنّ المساس به يعني إسقاط الدولة برمتها وهو ما لا يقبله منهم أحد، لذلك يرون بأنّ بمقدورهم النّيل من الحكومة عن طريق عزل رئيس الوزراء خيري ورئيس الجهاز الامني سنبلوشي مثلا، لبعثرة ما جنوه من ثمار سياسية وأمنية في الفترة الوجيزة الّتي مسكوا فيها بزمام الأمور.

ثانيا: تهدف الحملة الشّرسة إلى إلحاق ضربتين مزدوجتين: إدانة رئيس الوزراء خيري وأمثاله وإسقاطهم من الحلبة السياسية نهائيّا كي لا يكونوا منافسين لهم في المستقبل، خاصة وأنّهم إستقبط شعبيّة كبيرة بإنجازاتهم الملموسة، والأمر الأهمّ عندهم هو الحلول مكانهم بعد عزلهم، ولذلك لا نستغرب عندما نرى أنّ معظم الحناجر المندّدة بالحادث تصدر من مقديشو ومحيطها معقل عشيرة معالي رئيس الوزراء حسن علي خيري.

ثالثاً: كانت المعارضة تتوقّع وتراهن على خطوة متهوّرة من الرئيس فرماجو تحت تأثير الخطاب الشّعبوي المعتاد له مثل أن يجدّد المطالبة بإقليم أوغادين، لتضطرّ إثيوبيا إلى التّعامل مع الولايات بصورة مستقلّة كما كان يحدث في السّابق ممّا كان سيؤدّي إلى إضعاف الدّولة.

رابعاً: تسليط الضوء على المسألة يهدف بشكل أساسي إلى تجريد الحكومة من ورقة الشّعبيّة التي نجحت في الاعتماد عليها في وجه الضغوطات.

وفي ظلّ الصمت المطبق من الحكومة إزاء الموضوع نفترض السيناريوهات الآتية:

  1. أن تلزم بالصمت وتراهن على عامل الوقت، كونها ترى أنّ المصارحة لا تعني سوى تحصيل حاصل.
  2. أن تبحث عن تبريرات أو مسوّغات للأمر، وإن اضطرّوا إلى إضفاء بعض اللمسات.
  3. أن تتكشّف حقيقة مخفيّة غير متوقّعة، وتطال رؤوس بعض المسؤولين إن ثبت تورّطهم في التّصرّف بالأمر بشكل انفرادي، أو قاموا بالخداع والمراوغة.
  4. أن يكون هناك فعلا اتفاقيات ثنائيّة غير معلنة تقضي بتسليم مثل هؤلاء الأشخاص.

على كلّ؛ فإنّ الايام القادمة ستكون كفيلة بكشف حقيقة الأمر وسنرى ما ستؤول إليه الأمور، كما أنّ مسألة التسليم ستكون فرصة لمراجعة الذات الوطنية وما إن كنّا سنسير على خطى حلم توحيد الصومال الكبير الذي ترمز إليه النجمة الخماسية في العلم (جيبوتي، أوغادين، ان اف دي، صوماليلاند، والصومال الإيطالي) أو إن كنّا سنعتمد الواقعية في التعامل مع المعطيات الرّاهنة ونعمل على إنقاذ ما تبقّى قبل أن نتعرض إلى مزيد من التشرذم والانقسامات.

وأيّا كان الأمر، فإنّ المسؤوليّة تقع على رأس هرم الدّولة متمثّلا بـ “فرماجو”، وستكون قدرته على إدارة الأزمات على المحكّ، وسنرى كيف سيتمكّن من تجاوز الطوفان الحاليّ، ولا شكّ أنّ قدرته على التّماسك وتقبّل الغضب والانتقادات الشّعبيّة، وعدم الهوس بالبحث عن المثاليّة سيكون سلاحه الأكثر فاعلية كما أنّ عزل أي مسؤول في هذه المرحلة كردّ فعل للتّنفيس عن الغضب الشّعبيّ سيخلّف أثراً مدمرّاً ومحبطاً داخل أجهزة الدّولة، لذلك يجب عليه التريّث قبل أن يتّخذ قرارات بهذا الشأن حتّى تهدأ العاصفة.

عن فريق تكايا

فريق تكايا

شاهد أيضاً

معاداة الولايات: استراتيجية الحكومة الفيدرالية لكسب الشعبية من جديد، فهل تنجح؟

لم تبدأ العلاقة الفاترة بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات تزامناً مع #الأزمة-الخليجية الراهنة، ولكنها كانت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.