الرئيسية / تقارير / بريري: ماذا حدث في الخامس والعشرين من أغسطس؟ ومن هم الضحايا؟

بريري: ماذا حدث في الخامس والعشرين من أغسطس؟ ومن هم الضحايا؟

في صبيحة الخامس والعشرين من أغسطس الجاري، تناقلت وسائل الإعلام خبر مقتل عشرة أشخاص بينهم ثلاثة أطفال إثر مداهمة قوات صومالية مدعومة بقوات أمريكية برّيّة مزرعة بمنطقة بريري التابعة لمحافظة شبيلي السفلى التي تقع تحت إدارة ولاية جنوب غرب الصومال.

يقول شهود عيان “عشية الرابع والعشرين من أغسطس هاجمت مجموعة من مقاتلي حركة الشباب ثكنة عسكرية للقوات الصومال وتبادل الطرفان إطلاق النار، وحين علمت القوات الأميركية الّتي تتّخذ قاعدة بلدوغلي مقرّا لها بالحادث أطلقت رصاصات ضوئية هربت تلك المجموعة على إثرها لتحتمي بأحد المزارع المجاورة كما استنتجت القوات الصومالية المدعومة بقوات أمريكية، وفي صبيحة اليوم التالي، حوصرت المزرعة المشتبه فيها، وطُلب من المتواجدين فيها الاستسلام، فأطلقوا النيران، وقتلوا في الاشتباكات”

صدرت بعدها بدقائق بيانات وتصريحات متناقضة من المسؤولين الصوماليين، أعقبتها ثورة وغضب عارمان، مصحوبان بهياج ذي طابع قبليّ كان له  صدى من نوع خاص على وسائل الإعلام خاصة ووسائل التواصل الاجتماعي؛ ما الذي حصل في بريري بالضبط يا ترى لتسبب  كلّ هذه الضّجة؟

في الآونة الأخيرة كثّفت القوات الصومالية العمليّات العسكرية ضد مناطق الشّباب بالتعاون مع وحدات أمريكية خاصّة، مدعومة بغطاء جوّي نتيجة لتغيّر السياسة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب والذي أعطى قيادة الأفريكوم في مارس هذه السنة صلاحيات واسعة تسمح لها بالتّدخل العسكري السّريع في الصومال متى ارتأت ذلك، واعتاد الجميع على سماع خبر سقوط المدنيّين بواسطة الطّائرات الأمريكية بدون طيّار في الصومال خاصة في مناطق هيمنة الشّباب في محافظات شبيلي السفلى وجوبا الوسطى والسفلى وغدو، من غير أن تحدث ضجيجاً من هذا النوع، باستثناء تنديد بعض الغيورين الذين لا يملكون منابر إعلامية مسموعة في حين تلتزم الحكومات الصّمت حيال ذلك خوفاً على مستقبل الشراكة مع الحلفاء الدّوليين وبالأخصّ الأمريكان، ومّما أثار الدّهشة في هذه الأحداث هو أن يتمّ إنزال فرقة أمريكية بالتعاون مع قوة صومالية خاصّة، مع وضع القوة الاستخباراتية الرهيبة للعم سام موضع التقدير، ثم تخطئ الهدف وبدا ذلك غريبا بعض الشّيء للوهلة الأولى، وربّما هذا ما دفع المسؤولين إلى إطلاق تصريحات مرتبكة ومتناقضة.

ويبدو أنّ الادارة الصومالية الجديدة حريصة على هذه الشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولا ترغب في تفويت فرصة من هذا النّوع، خاصّة وأنها تحاول جاهدة إلقاء كامل ثقلها على الملفّ الأمني المستعصي الذي كان أكثر أجندتها الانتخابية جذابية للمواطنين.

الوضع في محافظة شبلي السفلى

تقع قرية بريري في محافظة شبيلي السفلي المحاذية لمحافظة بنادر وتقع على بعد 40 كم جنوب غرب مقديشو، وكغيرها من مناطق المحافطة ترزح تحت وطأة الحروب والبؤس والحرمان نتيجة عوامل كثيرة متراكمة

بعد انهيار المؤسّسات الحكومية إثر الاطاحة بالرئيس محمد سياد بري، طغى منطق القوّة والتّوسّع على المسرح السياسي واصبح هذه المحافظة عرضة لتجاذبات القوى المتناحرة، وقد بلغت اوجها في فترة أمير الحرب يوسف انطعدي الذي قسى بمليشياته المكوّنة من عشيرته (هبرغدر) على السّكان المحليين وحدثت أثناء فترة حكمه الكثير من التّجاوزات بحق القبائل القاطنة هناك، وأبرزها البيمال والجرير والبنادرية للإقليم ممّا زرع الكثير من الحقد والغضب بين السكان والمستوطنين الجدد.

لم تنته العداوة والبغضاء بمجرد انتهاء بطش اللّواء يوسف انطعدي بحلول فترة التّدخّل الاثيوبي بل ترك وراءه تبعات ثقيلة لأنّ بعض أهاليه قد استقرّوا في المنطقة بالفعل، وقد حاول المحليون طردهم من المحافظة البتّة عندما ظنوا أن الفرصة مواتية، ممّا أدّى إلى اقتتال عشائري دائم خاصّة بين هبرغدر والبيمال تورّطت أجهزة الدولة العسكرية مرارا في دعم هذا الطرف او ذاك على أسس قبليّة.

تعدّ هذه المحافظة من أكثر المحافظات الصوماليّة ثراء في الموارد الزراعية والثروة الحيوانية والسمكية حيث يمدّ كافة مناطق الجمهورية بالمنتجات الزراعية، لكنّ الإنتاج تراجع بشكل مخيف منذ سنوات لنزوح القوى العاملة إلى المدن المجاورة خاصّة مقديشو لأسباب معظمها أمنية.

من هم الضحايا؟

بززت الكثير من المعلومات المتناقضة حول الضّحايا هل كانوا فعلا من عناصر حركة الشّباب؟ أم كانوا مجرد ضحايا مدنيّيين، وفلاحين؟

تناقلت يعض المصادر الإعلاميّة سقوط حسين موريان أحد أكبر من اشتهرو بجمع الإتاوات من أهالي الإقليم إبّان فترة حكم انطعدي وهو يحتفظ بمزارع قرب القرية تعود ملكيتها للحكومة ضمن منشآت وكالة المراعي الصوماليّة، لكنّ مصادر تكايا تؤكّد بأن المذكور نجا من الحادث، لكنّ  بعضاً من مساعديه سقطوا، كما أنّنا لم نجد أيّ صلة تربطه بحركة الشّباب، باستثناء تسديده المستحقّات لهم كغيره ممّن يخضعون لهيمنة الحركة، كما أن علي وال وهو أحد الوجوه المعروفة في المنطقة كان من ضمن ضحايا الحادثة وتشير المصادر المحليّة بأنّه لم يكن من المنتمين لحركة الشّباب.

المعلومات المتوفّرة حتّى الآن تشير إلى أنّ بعض الضّحايا كانوا مسلّحين لكنّ هذا لا يعني بالضّرورة بأنّهم كانوا من أفراد حركة الشّباب الإرهابيّة؛ لأنّ الجوّ العامّ في المنطقة مشحون بالتوتّرات والنزاعات المسلّحة التي تستلزم الاحتفاظ بالسلاح والبقاء على أهبة الاستعداد دوماً.

من دون أدنى شكّ؛ سيكون للحادث تداعياته المستقبلية وستحاول القلّة الانتهازية الفاسدة من الطبقة السّياسية تهويل الحادث وتفسيره على أنّه مجزرة ارتكبت عمداً ضدّ عشيرة الضّحايا، كما أنّ تعزيز الجنرال شيغو قائد العمليات في المحافظة بعربيتين قتاليتين تحسّباً لهجوم مضادّ يوضّح خطورة الموقف، ويجب على الحكومة الإسراع في نزع فتيل الأزمة  بينما لا زالت في مراحلها الأولية قبل ان ينجح خصوم الدولة في تسويقه وخداع المواطنين البسطاء بنظريات عشائرية مقيتة تستهدف ضرب النسيج الاجتماعي.

الدروس المستخلصة

  • برزت قوة الآلة الإعلامية الرهيبة ذات الأجندات العشائريّة الموجهة لتأليب المجتمع ضدّ الدّولة من خلال التّربّص بهفوات الدّولة في حين لا تحرّك ساكناً أمام الكوارث والانتهاكات التي يتعرّض لها إخوانهم الآخرين وكأنّها لا تعنيهم، بعض هؤلاء يتقلّدون مناصب رفيعة في الدّولة ولنا أن نأخذ النائب مهد صلاد مثالاً على ذلك، ولاننسى كيف سخّر كلّ ما أوتي من قوّة من أجل إطلاق سراح قاتل الوزير عباس سراج واستخدم أسلوب الإثارة والتحشيد العشائري، بل وكاد أن يحوّل الجلّاد إلى ضحيّة، ولهذا ينبغي على الحكومة أن لا تألوَ جهداً في تفكيك هذه الخلايا للحيلولة دون حشد المواطنين المساكين في صراع عبثي لا يخدم إلّا أجندات أصحابها الانتهازيين. وللتذكير فقط؛ حدث الصخب نفسه في سبتمبر العام الماضي حين ادّعت ولاية غلمدغ سقوط 22 من المدنيّين في قصف الطائرات امريكية من دون طيّار واتهمت ولاية بونت لاند المجاورة لها بتزويد الأمريكان بمعلومات مضلّلة! وكشفت التحقيقات كون القتلى  غير مدنيين، بل قيل لاحقاً أنهم قوات الولاية أو قوات الحكومة. ولنا أن نتساءل: لماذا كلّ العداوة المفترضة وكلّ تلك لمؤامرات الكونية ضدّ مكوّن واحد ضمن المكوّنات الصوماليّة العديدة؟ من الأفضل أن لا يحاول بعض الأفراد إقحام أهلهم في حروب خاسرة مع الدّولة وأصدقائها الدّوليين، كما أنّ المنافسة على السلطة حقّ للجميع ولكن بإرادة الشعب وعبر صناديق الاقتراع.
  • كشفت الحادثة ضعف التّنسيق الحكوميّ وعدم سلالة تداول المعلومات لدى معظم المسؤولين، كما تجلّت الارتجالية والتخبط عقب الحادث من خلال تصريحاتهم والغريب أنه حتّى وزير الخارجيّة يوسف غراد أدلى بدلوه بتصريحات متناقضة وكأنّ ما حدث شأن خارجيّ! والأسوأ من هذا كلّه أن تصدر الحكومة من خلال نائب رئيس الوزراء مذكّرة يأمر فيها كافّة الوزراء بأخذ الاذن من رئاسة الوزراء قبل إجراء أيّ حوار سياسي مع وسائل الاعلام.
  • ظهرت الحاجة الملحّة لإجراء مصالحة وطنيّة فعليّة، ليس عن طريق مؤتمرات إستعراضية لا تشارك فيه الأطراف المؤثّرة على الأرض، وبخصوص محافظة شبيلي، لا يمكن للدّولة أن تقضي على هيمنة حركة الشّباب فيها إن لم تستطع إنهاء تناحر عشيرتي هبرغدر والبيمال.
  • سيكون الخصام على ملكية الأراضي التحدّي الأكبر للحكومات القادمة وسيكون حلّها مستعصياً استناداً على المعطيات الراهنة. وبالرغم من أن الصومال يّعد من أقل دول العالم كثافة بالسكان مقارنة بالمساحة، وبحسب المعدّل العالمي، يشغل 50.79 شخصاُ كل كيلو متر مربع، بينما في الصومال لا يتجاوز عدد الاشخاص في الكيلو متر المربع 17 شخصاً، لذلك لا يمكن لنا أن نشكو من ضيق المساحة لكنّنا سنعاني في تقنينها وتنظيمها بشكل يمكّن كافة الصوماليّين من القدرة على استغلال أراضيهم. وإذا كان منطق الحدود العشائرية سائداً بفعل ظروف الحرب، فيجب طيّ هذه الصفحة سريعاً إذا ما أردنا تحقيق الرخاء وإرساء الأمن والسلم الاجتماعي,

وريثما يصدر تقرير لجنة تقصّي الحقائق الحكوميّة، يبدو لنا بأنّ الغارة أخطأت هدفها وبإمكان الحكومة أن تستفيد من الدّوي الإعلامي للحادث لتبدي انزعاجها استنكارها وتحثّ الامريكان على التّريّث والتّأكّد قبل شنّ الغارات الخاطفة لتفادي سقوط مدنيين مستقبلاً، وأن تدعو المليشيات العشائرية المسلحة التنسيق مع الحكومة لحلّ مشكلاتها مع العشائر الأخرى.

عن فريق تكايا

فريق تكايا

شاهد أيضاً

الانتخابات الرئاسية في صوماليلاند .. قراءة من الداخل

تستعد جمهورية صوماليلاند المعلنة من طرف واحد، بعد فكّ ارتباطها مع الصومال في مايو من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.