الرئيسية / مقالات رأي / آراء فكرية / أزمة المثقف الصومالي المجروح: بين عبء أساطير الماضي وأوجاع الحاضر

أزمة المثقف الصومالي المجروح: بين عبء أساطير الماضي وأوجاع الحاضر

تركت حقبة الحرب الأهلية هشاشة في نفس المواطن الصومالي، فهو سليل المحاربين من رعاة الإبل، لا يقبل بالضيم ولا بنظرة دونية، هو ابن أؤلئك الذين لم يكن في حسبانهم يوماً أن الله خلق من هم أفضل منهم، فالأجنبي الأوربي مجرد :غال، والعربي: مخنث، والإفريقي: ذليل، وبسبب ذلك العبء الثقافي، لم يستطع الصومالي الدفاع عن نفسه وهو يرى الإعلام العربي يظهر الضعف الذي اعتراه، والمصائب التي حلّت عليه، ويحذر الشعوب العربية من رفع رأسها لئلا تواجه مصيراً كمصير الصوماليين.

ذلك التقريع المستمر، والتجريح المهين من العرب بالذات، جعل المثقف الصومالي الشاب شديد الحساسية تجاه صورة بلاده، وتاريخه، وقد لعبت وسائل السوشيال ميديا دورا هاماً في هوس شريحة منهم بتقديم صورة يخدرون بها نفوسهم التواقة لشيء من الفخر الفطري لديهم، فتراهم يلتقطون صوراً لمباني حديثة ليقولوا بنبرة مثيرة للشفقة: هنا ليست بروكسل، إنها مقديشو، هنا ليست باريس بل وديان نوغال الخ الخ.

هؤلاء المثقفون العاطفيون جعلوا جلّ جهودهم تدور حول تلميع الصورة الظاهرية، وتزييف الوعي بعرض قشور لا تسمن ولا تغني من جوع، وقلّما تراهم يقارنون بين الشباب الصومالي قبل 20 عاما والشباب الصومالي حاليا، أو ما هي الأفكار التي أنتجناها بعد سقوط النظام، وكيف صمدنا طيلة ربع قرن؟ بل همهم هو: كنا عظماء يوماً، كان لدينا نظام عسكري جميل استبدادي رائع ووطني حتى النخاع، وذلك ما خسرناه بسبب الأوغاد الذين أسقطوا نظامنا الرائع الذي كان يسجن من يتفوه بكلمة!!

مشكلة هؤلاء المثقفين تكمن في أنّهم ينظرون للتاريخ الصومالي بمنظار تقديسي، ونقده دليل على التأزم الفكري، ودراسته بنظرة نقدية إهانة للتراث والثقافة الأصيلة. لأن أرواحهم المثخنة بجراح الاحتقار العربي لهم، جعلهم يشعرون بشيء غير قليل من الدّونية، وسلاحهم الوحيد هو الحرص على تقديم صورة مختلقة عن الصومال، ترضي روحهم المجروحة، ويعتقدون أن صوتهم بهذا الشكل وصل لمن كرسوا أنفسهم لتشويه الصومال.

يخشى هذا المثقف المجروح من الاعتراف بالزلات والكبوات والكوارث، أعرف بعضهم ينكرون المجاعات، ويخبرون الناس أن المتضررين بالمجاعات ما هم إلا سكان الحدود مع كينيا وإثيوبيا، وإنه لشيء محزن ألا يعترف بعض شبابنا المثقف بهذه الكارثة، وبهؤلاء المتضررين، فالإنكار أو التنكر للمشكلة معناه بقاؤها قيد التكرار لتحصد الأرواح كل موسم جفاف!

من أوجب واجبات المثقف أن يكون أميناً مع أمته، يخبرها بمواطن الألم، ويأخذ بيدها لتجاوز كل ما من شأنه إعاقتها، فالعادات والتقاليد ليست ثوابت، بل كثير منها يعيق تقدّم الأمة وكثير منها يساهم في خلق المشكلات، فلماذا يحيطها المثقف بهالة قداسة، ويحمل سيفه ليعلنها بأعلى صوته: علينا تقدير عاداتنا وثقافتنا وخصوصيتنا!

لعلّ المثقف الصومالي المجروح والراغب في إبقاء شعوره الموروث بالاعتزاز يرى أن تمايزنا كأمة لا يكون إلا بالتشبث بكل ما هو قديم، ولا يقبل أن يقول أحد المثقفين المتصالحين مع الواقع المثقل بالحزن، أن سرّ اعتزاز الصومالي المبالغ فيه قد يكون بسبب عزلته اللغوية والثقافية والفكرية والسياسية، فهم أمة لا تتواصل مع جوارها بلغة مشتركة، ولا يوجد بينها وبين دول الطوق الإفريقية سلام بل تراها دولا محتلة، وأغلبهم لم يطلعوا على ثقافات أخرى لأنهم حتى وقت قريب لم يكن لديهم لغة مقروءة ومكتوبة في الوقت عينه.

ويتشبث المثقف المجروح بأي شخصية عامة-وحبذا لو كانت من العشيرة- سواء كانت تلك الشخصية سياسية أو فنية أو دينية أو حتى مجرد موريان وزعيم مليشيا، وبكل رومانسية يخرج ليقول: إن انتقدنا قامات الأمة، فنحن نهدم ثوابت الأمة، ولن يبقى لنا ملهمون!

يخشى المثقف المجروح من الإمساك بأمته، ورفعها من المستنقع، وبدلاً من ذلك، يزين لها القاع ويحكي لها قصص وردية وحالمة عن الجمال المخفي في الخرابة التي يخيل لهم أنها بائسة، يقف أمامهم ليخبرهم بعظمة الكهف، وأن يكونوا إيجابيين، فالكهف إن شئت اكتشاف جماله لن تعجز.

لا يقدر المثقف المجروح أن يظهر جرحه، بل يغطيه، معرضاً نفسه لمصير بائيس، ويتظاهر بالصمود وبالاعتزاز وبالتفوق، بينما داخله مهشم. إنه كائن خُلق ليبع أملاً مزيفا للآخرين، لا ليقودهم نحو طاقة يتسلل منها النور، فتشرق دواخلهم وتنتعش نفوسهم.

ما أريده قوله؛ أن هذه الفئة من المثقفين فهموا رسالة المشاعر الوطنية النبيلة وتكريسها بصورة خاطئة، فتحسين صورة الوطن لا تكون بتقديم القشور، بل بتقديم قلب المجتمع، شخصياً أؤمن أن حاضر الصومال أفضل من ماضيه الاستبدادي، وأن الحرب الأهلية كانت مرحلة طبيعية بالنسبة لما كان عليه الحال قبل سقوط النظام. وأن ما فعله الصوماليون منذ إسقاط نظام سياد بري يستحق أن يدرّس في الجامعات كنموذج لما تكون عليه المراحل الانتقالية في مجتمعات ما بعد النزاعات، ولا تستحق مرحلة سياد بري ذلك التأليه الممجوج.

عن سميه شيخ محمود

سميه شيخ محمود

شاهد أيضاً

الذكرى الثامنة لحادثة شامو المؤلمة

لم يكن يوم الثالث من شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2009 كأي يوم بالنسبة لسكان …

تعليق واحد

  1. أن المنطقة العربية هي المنطقة الوحيدة في العالم التي كونت صورة نمطية عنصرية عن الصوماليين فلا توجد هذه الاهانات في اي مكان آخر في العالم. وهذا دليل على أن الثقافة العربية مريضة فهذه الثقافة أنتجت على مدار قرون كثيرة نظما استبدادية وشعوبا ترضى بالاستبداد. إن المجتمعات الاستبدادية تنتج نظما سياسية استبدادية والمجتمعات الديمقراطية تنتج نظما ديمقراطية وقد كان نظام سياد بري استثناء في الثقافة الصومالية التي أنتجت نظما ديمقراطية مثلها مثل اسبانيا التي كان شهدت استثناء يتمثل بنظام فرانكو الاستبدادي. ليس على المثقف الصومالي محاولة إبراز جمال بلده أو تكريس جهده ووقته بالكتابة الدفاعية في المواقع الإلكترونية عما تتعرض له بلده وشعبه من إهانات عنصرية عربية بل عليه إبراز هذه العنصرية العربية للشعب الصومالي في الداخل الصومالي فهذا الشعب الطيب يعتقد في العرب خيرا ولا يعرف عنصريتهم كما أن عليه جمع كل ما يصدر من وسائل الإعلام العربية الرسمية منها وغير الرسمية بما في ذلك الاعمال السينمائية والتلفزيونية، كما على المغتربين الصوماليين في الدول العربية توثيق وجمع كل الاهانات التي يتعرضون لها في المنطقة العربية، ثم تقديم كل ذلك للبرلمان الصومالي ليقرر ما إذا كان بقاء الصومال في جامعة الدول العربية منأسبا. ان الصومال يتمتع بموقع استراتيجي مهم وهو يعتبر صمام أمان للامن القومي العربي ومن حق هذا البلد أن يرد على كل الاهانات التي يتعرض لها بطريقة لا يتوقعها العرب. على المثقف الصومالي أن يأخذ ما ذكرته في آنفا على محمل الجد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.