الرئيسية / تقارير / هل ستغيّر الحكومة الفيدرالية موقفها الحيادي من الأزمة الخليجية: قراءة في التداعيات الجديدة

هل ستغيّر الحكومة الفيدرالية موقفها الحيادي من الأزمة الخليجية: قراءة في التداعيات الجديدة

أصدرت كلّ من ولايتي بونتلاند وهير شبيلي بيانين دعتا فيهما الحكومة الفيدرالية إلى إعادة النظر في قرارها من الموقف المحايد في الأزمة الخليجية، وقد جاء في بيان ولاية بونتلاند أن أزمة الشرق الأوسط لا يبدو أنها ستُحّل قريبا، وأن استمرارها سيكونه له عواقب أمنية وتنموية في جميع أرجاء الصومال، وأن للولاية مصالح استراتيجية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وبالتالي فأن موقفها واضح وهو الاصطفاف مع شركائها. وحذرت الولاية الحكومة الفيدرالية من عواقب عدم التعامل المناسب مع الأزمة، ما قد يتسبب بعواقب سلبية للشعب الصومالي. بينما نص بيان ولاية هيرشبلي بأن الولاية لا يمكن أن تقف على الحياد فيما يتعلق بمخاوف المملكة العربية السعودية، ودعت الحكومة لمراجعة موقفها من الأزمة والوقوف إلى جانب الأصدقاء الحقيقيين: المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، واختتم البيانان بإدانة الولايتين المذكورتين كافة الدول والفاعلين غير الحكوميين الداعمين للارهاب.

        بيان إدارة بونتلاند

من هم رافضو الموقف الحيادي للحكومة الفيدرالية؟

بقدر ما أسعد قرار الحكومة بالتزام موقف حيادي من حصار قطر عموم الشعب الصومالي، بقدر ما أزعج القرار فئات أخرى، أبرزهم رجال الأعمال الصوماليين أن الحكومة أخطأت في اتخاذ موقف حيادي حيال الحصار المفروض على دولة قطر، لأنّ ذلك يعرّض مصالحهم التجارية للخطر، وسيكونون تحت ضغط دول الحصار ولا سيما دولة الإمارات العربية المتحدة. وجدير بالذكر أن سكان الصومال منذ إسقاط نظام سياد بري يعيشون وفق نظام تكافل عشائري، فرجال الأعمال ينفقون على عوائل من عشائرهم، ويصرفون على دراسة أبناء الفقراء من العشائر، ويمولون السياسين ويكفلون أيضاً الزعماء التقليديين للعشائر الصومالية. إذاً، فالموقف الحيادي اصطدم بمصالح هؤلاء الذين لا تهمهم بالدرجة الأولى سوى حرية حركة أموالهم وتجارتهم، وخدمة عشائرهم بالدرجة الثانية.

كما تسبب الموقف الحيادي للحكومة بمصالح الولايات الفيدرالية، إذ سبق أن أعلنت جمهورية صوماليلاند تضامنها مع السعودية والإمارات في وقت مبكر من إعلان فرض الحصار على قطر، وها هي ولايتا بونتلاند وهيرشبيلي تعلنان دعمهما لهاتين الدولتين وتدعوان الحكومة الفيدرالية لإعادة النظر في موقفها الحيادي. ويجدر بنا القول أن هاتين الولايتين إضافة لصوماليلاند يعانون من ضغوطات داخلية، فالرئيس عبد الولي غاس يواجه موجة غير مسبوقة من النقد، ولا شيء يبقيه في منصبه سوى الأعراف المحلية للولاية وهي السماح لكل رئيس بإنهاء ولايته وعدم التورط في سحب الثقة منه والتسبب في مزيد من المشكلات الاقتصادية والأمنية.

أما هيرشبيلي-أحدث الولايات الفيدرالية- فقد أسقط برلمان الولاية الرئيس الذي يحمل البيان اسمه وإمضاءه، وما زال يرفض سحب الثقة منه ويكيل الاتهامات للحكومة الفيدرالية بالتآمر ضده.

أما صوماليلاند فهي مقبلة على انتخابات أُجلّت لسنوات، ويسعى الحزب الحاكم للعودة إلى الرئاسة من جديد، وهذا يتطلب سيولة مادية ضخمة، كما تعاني كذلك من تداعيات موجة الجفاف التي ضربت أراضيها ولم تتلق ما يكفي من الدّعم لتلافيها.

أما الفئة الثالثة الرافضة لموقف الحكومة الحيادي من الأزمة فهم مجموعة من النواب ومجلس الشيوخ، أبرزهم النائب عمر عبد الرشيد والنائب مهد صلاد اللذان نددا بموقف الحكومة، واتهمها بالاصطفاف مع قطر التي لا تربطها مصالح استراتيجية مع الصومال.

بيان إدارة هير شبيلي

هل الإمارات والسعودية أصدقاء موثوقون للصومال؟

يعتقد بعض المراقبين الصوماليين أن المصلحة الصومالية تكمن فعلاً في التضامن مع السعودية والإمارات، بسبب علاقات الصومال التجارية معهما، ولكن الواقع يخبرنا أن السعودية والإمارات يبتزان الصومال، فالسعودية التي حظرت استيراد المواشي من الصومال، طلبت حوالي مليون رأس من المواشي لتغطية حاجة المملكة في موسم الحج، ولكنها اشترطت إرسال 60 طبيبا وفنيا لمراقبة تحقيق المعايير السعودية الخاصة بصحة المواشي، فرفضت الوازرة المعنية بالصومال مطلب السعودية، وذكرت أن تقارير مراقبيها مسيسية وليست مهنية، وكان كاتب التقرير يحابي مصالح دولة جيبوتي فقط، دون الالتفات للحقائق. هذا السلوك السعودي يظهر الاستخفاف بالمصلحة الصومالية، فهم يحظرون متى شاؤوا استيراد المواشي بناء على تقارير يعرفون أنها غير مهنية، وحين تضيق خياراتهم يستوردونها متجاهلين المحاذير الواردة قي التقارير التي اعتمدوها. أما الإمارات، فهي تمارس ضغوطها على الولايات، فبونتلاند على سبيل المثال لديها شرطة السواحل المدربة إماراتياً، وتعمل  دولة الإمارات على توسيع وتطوير ميناء بوصاصو عصب الحياة في الولاية، وبانقطاع هذا الضخ الإماراتي يفقد المجتمع مصدراً من مصادر دخل أفراده ويتأثر أمنياً بذلك.

ومن المعروف أن هاتين الدولتين لا تجيدان كثيراً مهارة قبول قرارات الدّول والإدارات إذا لم تكن تابعة لهواها، فإما أن تكون معها أو أنك ضدها.

 هل قطر ذات أهمية للصومال؟

تعتقد بعض الأطراف الصومالية أن قطر كانت بالفعل سببا في صعود ما كان يسمى باتحاد المحاكم الإسلامية، وأنها آوت كبار قياديها مثل عمر إيمان، ووفرت الحماية والسكن لمنشق عن حركة الشباب هو محمد سعيد أتم، الذي أعلن براءاته من تنظيم حركة الشباب المجاهدين، بينما لم تستطع استضافة حسن ضاهر أويس بسبب تمسكه بأفكار التنظيم ورسالته، وكان انشقاقه عنهم فقط لإنقاذ حياته “بعكس الشباب الذين أقنعهم بأن الاستشهاد هو الحياة” لم يستطع الرجل التضجية بحياته في سبيل تلك الأفكار.

ويرى بعض من يعارضون حصارها، أنها ساهمت بشكل ما في الترويج لاتحاد المحاكم، وأن مكتب الجزيرة تأسس بسبب معلومات نقلها البعض للقناة بأن أحداثاً كبيرة ستقع ولا بد للقناة أن تواكبها، وكانت تقارير مراسليها وصحفييها النارية سبباً في تزييف الوعي العربي تجاه الصومال.

ويتهم كثيرون الحكومة القطرية بتمويل جماعة “دم جديد” وأنها بقيت تضخ الأموال من أجل دعم مواقف الرئيس الصومالي السابق حسن شيخ محمود، وبقيت تؤيده حتى آخر لحظة قبل أن تظهر النتائج فوز الرئيس محمد عبد الله فرماجو بالرئاسة.

وبالرغم من كل تلك التهم الصومالية لقطر، إلا أن أغلب الصوماليين مثقفين وسياسيين، يرفضون أن يتعرض الشعب القطري وحكومته لأي ابتزاز أو محاولة لفرض الوصاية على دولة قطر، ربما لأنهم يعرفون أن دول الخليج في النهاية تربطها أواصر من الصعب قطعها.

 هل ينبغي أن يكون لمواقف الصومال ثمن؟

عندما تتخذ مواقف فإن ذلك يكون غالبا تبعاً لمصالحها، وقد تراكم لدى الدولة الصومالية تجارب عديدة واتخذت مواقف مراعاة لمصالح دول شقيقة وصديقة، دون أن تجني ثمار تلك المواقف، ومن بينها التماهي مع مواقف السعودية ضد إيران، قبل سنوات قليلة. جاء موقف الصومال بناء على وعود سعودية بمبلغ زهيد لا يتعدى 50 مليونا. ولكن السعودية نكصت بوعدها، وقبل انفجار أزمة حصار قطر، كانت السعودية قدمت وعودا بتمويل عدد من المشاريع، وكان الوفد الصومالي لمتابعة تنفيذ المشاريع في زيارة للملكة عندما صدر موقف الحكومة الحيادي، ونتج عن ذلك تراجع السعودية عن وعودها وتكفلها بمشاريع حيوية للتنمية وإعادة البناء، وقدّمت عرضا “رشوة” بقيمة 80 مليون رفضته الحكومة وأصرّت على موقفها السابق.

ما أرادت الحكومة قوله هو: على الدّول التي تقدّم وعودا للصومال الالتزام بها دون ابتزاز ومساومة على قرارنا الوطني، لسنا مع طرف ضد طرف، وليست قراراتنا مقابل وعود تنكث متى أمكن ذلك.

ربما تكون تبعات موقف الحكومة الصومالية تجاه أزمة الخليج ثقيلة خصوصا مع قلة الموارد وكثرة الحاجات إلا أنه سيكون حجر أساس في سبيل إعادة بناء الصومال من جديد، وكل ما نريده لأمتنا وشعبنا هو أن تكون تداعيات الأزمة الخليجية بعيدة عن حدودنا قدر الإمكان، وخصوصاً بعدما بيّنت انتخابات فبراير 2017 أن القوى المدعومة من الخارج ليس لها مكان ولا وزن.

عن فريق تكايا

فريق تكايا

شاهد أيضاً

الانتخابات الرئاسية في صوماليلاند .. قراءة من الداخل

تستعد جمهورية صوماليلاند المعلنة من طرف واحد، بعد فكّ ارتباطها مع الصومال في مايو من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.