الرئيسية / مقالات رأي / آراء سياسية / استبعاد الوزيرة أنيسة حاج مؤمن من التشكيلة الوزارية لبونتلاند: حين يصبح الجنس لا الكفاءة معياراً

استبعاد الوزيرة أنيسة حاج مؤمن من التشكيلة الوزارية لبونتلاند: حين يصبح الجنس لا الكفاءة معياراً

عندما تطمح الأمم إلى التقدم والازدهار، فمن الطبيعي أن يُعيّن الشخص المناسب في المنصب أو الوظيفة استنادا لكفاءته العلمية وقدرته على أداء  العمل المنوط به على أحسن وجه، هذه معادلة بسيطة لا تحتاج إلى فلسفة  ويمكن للجميع فهمها، وفي حال قُلبت المعايير تتغيّر النتيجة إلى النقيض من غير شكّ وهذا ما حصل في حقّ وزيرة المرأة وشؤون الأسرة في ولاية بونتلاند السيدة أنيسة حاجي مؤمن التي استغنى  الرئيس عن خدماتها، ليس لأنها لم تؤدِّ عملها كما يجب، لكنّ لأنّها قامت بخطوات أوسع وأسرع من زملائها نحو الاصلاح وبرهنت بأنّ الكفاءة ليست مرتبطة بالجنس بل بالشّخص، جريرتها كانت لأنها لم تتقيّد بأصول السياسات  القبلية البغيضة التي جرّت الصومال قرونا إلى الوراء.

لقد كان من المسيئ والمحبط للشّعب والوطن عودة أرباب الفشل  إلى مناصبهم معززين مكرمين، وطرد القلة القليلة الّتي لاقت استحسان الكثيرين وشهد لهم الجميع بحسن السّيرة والعمل، بعد إسقاط صوري لمجلس الوزراء. ويعزو الكثير من المراقبين سبب الاستغناء عن خدمات الوزيرة الشّابّة جاء لعدم رضا عشيرتها عن استمرارها في منصبها، وهو ما عبّروا عنه منذ اليوم الأوّل من تعيينها، لذلك تهدف خطوة الرئيس في استبعادها من التّشكيلة الوزاريّة إلى التنفيس عن غضب العشيرة،  وإسداء المنصب النّسوي إلى عشيرة أخرى على أمل أن تستحملها العشيرة بدورها فيما تبقّى من شهور لللحكومة الحاليّة، فالعشائر ما تزال ترى تعيين امرأة منهم لمنصب إهانة لهم.

وقد وضعت الوزيرة النّقاط على الكثير من الحروف أثناء خطابها في حفل تسليم الوزارة

“لعلكم تسألون أنفسكم: لماذا لم يظهر اسم أنيسة فى قائمة وزراء الجدد ؟ والإجابة هي: أن هناك سبباً واحداً فقط لا غير؛ كان يُفترض بي أن أخدم مصالح عشيرتي على مصالح العشائر الأخرى، ولكني فضّلت أن اخدم الشعب البونتلاندي بأكمله بالتساوي، كان من المفروض أن أرضي شيخ عشيرتي، ونائب عشيرتي في البرلمان، لكنّي حاولت خدمة وأرضاء عموم شعبي من غير تمييز، لأنّ ذلك هو ما أقسمت على كتاب الله من أجله، كيف سيسير حالنا وكيف يمكننا أن نصل إلى بونتلاند التي نتطلع اليها، بونتلاند متطورة ومزدهرة إذا قام كل وزير منّا بالعمل على إرضاء قبيلته وخدمة عشيرته دون غيرهم”

شاهد الفيديو

أظهر استبعاد الوزيرة أن أصعب شيء على النفس البشرية هي الانفكاك عن العادات والتقاليد الموروثة أباً عن جد حتي وان كانت تخالف العقل السليم، وأثبتت التجارب أنها  غير مجدية. وفي المجتمعات البعيدة عن هدي الاسلام وتعاليم الفطرة تسود فيها المقولة الجاهلية “إنّا وجدنا آباءنا” مكان “إنّا اكتشفناها بأنفسنا” في المجتمعات الحضارية فتفضيل الرجل على المرأة في أماكن العمل معيار يظهر أن الوظائف بالجنس لا بالكفاءة، وصارت عند البعض من المسلّمات  التي لا يمكن المساس بها، أو الاقتراب منها، أو حتى التعليق عليها.

حان الوقت لنبذ تلك الأفهام السّقيمة، إذ لا بد من وقفة حقيقية مع الذّات لغربلة التقاليد والعادات التي تتنافى مع شريعتنا وتتعارض مع العقول السليمة، وأيّ ممارسات تسيئ إلى جزء من مجتمعنا أو تحمل في طياتها ظلماً يجب أن نرفضها ونطالب بتصحيحها ونسعى لمحاربتها بكل الوسائل المتاحة.

إن تعليم المرأة وحده لا يكفي لتعزيز مكانتها وتمكينها ما لم تُصاحب بخطوات جادّة تهدف إلى رفع الوعي وتأهيل العقول وتصحيح التفكير الاجتماعي السّلبيّ المتوارث، لأن معظم من بيدهم الأعمال التجارية في البلد اليوم ينتمون إلى الطبقة التقليدية التي لم تنل قسطا من التّعليم، ومن الطّبيعي أن يتحسّسوا من توظيف البنات خوفاً من كسر التقاليد والعادات كونهم أسرى للنّظرية الدّونية في حقّ النّساء، رغم أنّ المرأة الصوماليّة عرف عنها قوة الشخصية القوية، وروح المسؤولية، لكنّ الأساطير الظّالمة في حقّها لازالت تسكن مخيّلة الكثيرين في مجتمعنا. إننا نحتاج لثورة مجتمعية ضدّ التّفكير السّلبيّ تجاه حقّ المرأة في العمل وذلك للحصول على مجتمع حضاري واعٍ لا يحول دون الاستفادة من الكفاءات بغضّ النّظر عن الجنس والانتماء القبلي والمذهبيّ.

إنّ تعطيل نصف المجتمع وإبعاده عن المشاركة في الحياة الاجتماعية والسّياسيّة لأمر مستهجن وغير مقبول ومن غير المنطقيّ أن نطالب بإقعاد المرأة في البيت، أو النّظر إليها بازدراء واحتقار رغم الاعتراف بالمردود الإيجابيّ لدورها الذي لا يقلّ شأنا عن دور الذّكور، واذا استمررنا في تهميشها أيّا كان مستواها وسدّ الأبواب أمام إثبات كفاءتها وأصررنا على تعامل موحّد ضدهن، حينها سيكون سيّان بين التي كدحت سنوات في التحصيل العلمي وبين التي لم تذهب أبدا في حياتها الي دور التعيلم، وحينها نكون نحن كمن قام بتقييد نفسه بنفسه وارتضى بالوقوف في مؤخّرة الركب ولا ينوي اللّحاق بغيره من الأمم.

عن تكايا بونتلاند

تكايا بونتلاند

شاهد أيضاً

صالح والرقصة الأخيرة على رؤوس الثعابين

سيرة حياته حافله على الكثير من الأدوار والمواقف المتناقضة جسدت طراز زعامته وسلوك حياته السياسية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.