الرئيسية / مقالات رأي / آراء فكرية / لماذا نقرأ الروايات؟!

لماذا نقرأ الروايات؟!

في ظل تقدم العلوم وهيمنة التكنولوجيا، غدا عقل الإنسان المعاصر رياضياً، يهتم بتفاصيل الأشياء أكثر مما يهتم بالكليات، ولهذا أصبحت التخصصانية هي معيار الكفاءة العلمية للإنسان، وكلما كان الشخص اكثر تخصصية كلما كانت مكانته العلمية  أعلى.
لنأخذ مثالا: “كلما تخصص طبيب في أحد أعضاء الإنسان بصورة دقيقة؛ كلما ارتفعت حصته في مجال الطبي” وبالرغم إدراكه لتفاصيل هذا العضو؛ فإن معرفته الكلية بالإنسان تقلّ تدريجياً بسبب تفرغه لهذا العضو أو هكذا يبدو في بعض الأحيان، وهنا تكمن مشكلة التخصصات الدقيقة في هذا العصر، إذ تظل الجوانب المهمة في الإنسان طي الكتمان، وهو ما سماه مارتن هيدجر “نسيان الكائن” أي أن الإنسان الذي ارتقى سابقاً مع ديكارت إلى مرتبة “سيد الطبيعة ومالكها” أصبح مجرد شيء بسيط في نظر القوى (قوى التقنية، السياسية، التاريخ) التى تتجاوزه، وترتفع فوقه، وتمتلكه. ولم يكن لكيانه المحسوس في نظر هذه القوى أي ثمن ولا أي مصلحة، فقد انكسف ونسي هذا الكائن سلفاً كما يقول ميلان كونديرا، ويواصل كونديرا افتراضاته “اعترافاته” قائلاً: بأن الحدثة الغربية لم تبدأ مع عقلانية ديكار فقط بل مع سيرفانتس مؤلف رواية دون كيخوت عام 1605.

ليست العلوم الطبيعية فقط هي التي تتجاوز الإنسان وتتعامل معه كمادة أو كشيء -تشيئة الإنسان- بل الفلسفة الغربية أيضاً أعلنت في بعض مراحلها موت الإنسان، في سلسلة اعلاناتها للموت “موت الآلهة ثم موت الإنسان وثم موت كل شيء بما فيها الكتابة” والموت هنا يعني تجريد الآلهة والانسان او الكتابة حتى من هيبتهم، تلك التى نصبوها لأنفسهم خلال قرون عدة، بعد اعلان الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه وعلى لسان زراديشت موت إله، والتي تعني حسب فلسفته أنه ليس هناك قيم متعالية بل كلها تشكلت من خلال صيرورات تاريخية، وموت الإنسان يعني ان الإنسان ليس محور الكون، ولا يعني شيئاً في مقارنة مع الكون بل هو جزء ضئيل من الطبيعة، ولا يخضع الانسان إلا للقوانين التي تحكم الطبيعة، وبالتالي يفقد الانسان هيبته.

هذه كانت بعد دعوات الفلاسفة الأنوار إلى اهتمام بالإنسان وجعله محور الكون بدل الاهتمام بالآلهة وسحب البساط من تحتها، أو التخلي عن المركزية التي كانت تحتلها الآلهة.

هذا النقد الموجع للميتافيزيقا (الآلهة) وللإنسان وصفها البعض بما اصطلح عليه أخيراً بـ”فلسفة ما بعد الحداثة”.

وإذا كانت الفلسفة والعلوم قد نسيا كينونة الإنسان، فإن الرواية قد كشفت هذه الجوانب الوجودية المختلفة واحدة بعد الأخرى، وبطريقتها الخاصة. بل إن مهمة الأدب وبصورة خاصة الرواية هي كشف هذه الجوانب الوجودية المخفية.
وهذا ما فعله الروائي الروسي القدير فيدرو دوستويفسكي، فَجُلُّ أبطاله لديهم تساؤلات مختلفة عن الوجود وعن الحياة ولديهم صراعات داخلية، فبطل رواية الجريمة والعقاب، راسكولينكوف شاب جامعي فقير يضطر إلى ترك الدراسة بسبب عوزه، وينخرط مع زميله في تأسيس مكتب للترجمة، إلا أن هذا الأمر لا يستمر، لأنه لا يغني من جوع، وبما انه شاب مثقف ذكي يتساءل: لماذا يجوز للبعض أن يفعل كل ما يريد لتحقيق مأربه ويجرّم الآخرون إذا فعلوا الشيء نفسه؟ وهنا يتوصل البطل لفكرة “الإنسان الأعلى” الفكرة التي ألهمت نيتشه والذي كان شديد التأثر بأبطال روايات دوستويفسكي، هذه الفكرة التي تعدّ الإنسان الحالي بأنه ليس أكثر من حشرة، ليس أكثر من دودة حقيرة، وهو ما يسمح للإنسان الأعلى أن يعلق حياة هذه الحشرة.
وهذا ما يدفع بطل الرواية لارتكاب جريمة قتل عجوز التي استأجر منها الغرفة، معللاً قتل العجوز إنما كان في سبيل تحقيق هدف أسمى، وهو حياته كونه إنسان أعلى من هذه الدودة!
لا يتناول دوستويفسكي في هذه الرواية فقط هذه الفكرة التى ساقها نيتشه كنسق فلسفي، -نيشته الذي كان شديد التأثر بشخصيات هذا الكاتب- بل يتناول مواضيع مثل العلاقات الاجتماعية بما فيها العائلة والصداقة، ويتناولها بصورة فلسفة ولكن على شكل رواية.

إن شخصيّة راسكولنيكوف هي محاولة لفهم تعقيدات الشخصية الإنسانية، مقدماً عدداً من التفسيرات، ومناقشاً للدوافع والبواعث الكامنة في اللا وعي والتي حَدَت براسكولنيكوف لتصرّف يخالف المنطق.

يطرح دوستويفسكي فكرة استحالة معرفة الإنسان، ويجبرنا ن نتطلّع إلى ما يكمن في نفوسنا، وأن نعثر فيها على تلك الأهواء التي تعصف بأبطاله، وكيف أن النفس الإنسانية تحمل في آن أسمى المثل إلى جانب أحط الدناءات. كيف أن الإنسان يحمل في داخله قوة تنفيذ الجريمة ورغبة تحقيق العدالة.

ليس فقط دوستويفسكي هو من فعل ذلك، بل هناك آخرون لم تتجاوز الحداثة الغربية تصوراتهم الفلسفية أمثال فرنز كافكا، ليو تولستو، وانطوني تشخوف الذي ألهم لاحقاً ميشال فوكو في أعماله وهو أحد أهم منظري فلسفة ما بعد الحداثة، وأستطيع أن اقول أن كل من يريد أن يعرف مزيداً عن الفلسفة الغربية، ويهتم بها لا يمكن أن يستغني عن قراءة الرواية الغربية، لسبب بسيط وهو أن هناك فلاسفة كبار صاغوا تصوراتهم الفلسفية داخل هذا الفن، ولم تجده خارج عن هذا الفن.

إذن، لن تكون إدعات البعض أن الرواية لا تحمل أي قيمة معرفية ذات جدوى، وهو ما كنا نسمعه دائما من الزملاء الذين ليس لهم اطلاع على الرواية، ومع ذلك يصدرون أحكام مسبقة قبل التّعرف عليها، هذه السطحية لا تليق بمن يدعي الثقافة أو التنوير، ليس هؤلاء فقط هم من يشوهون الرواية بل معظم التيارات الإسلامية تعيب الرواية وتعتبرها مجالاُ يسرد فيه الاجرام والسرقة والإباحية، متغافلين عن كل مخزونها المعرفي، وللأسف فهم أنفسهم من يعادون كل ما هو جميل فلم لا يجرمون هذا الفن؟! إنني لا أَعِول على هولاء أن يشجعوا الشباب على قراءة  هذا الفن، لكنني أتطلع ان يخرج الشباب من عباءتهم الخجولة ليكتشفوا الجوانب المجهولة في حياتهم من خلال هذا الفن.

عن سهل علي

سهل علي
مدون من جيبوتي

شاهد أيضاً

الذكرى الثامنة لحادثة شامو المؤلمة

لم يكن يوم الثالث من شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2009 كأي يوم بالنسبة لسكان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.