الرئيسية / مقالات رأي / سقوط أقنعة الفساد في بونتلاند

سقوط أقنعة الفساد في بونتلاند

يبدو أنّ المشهد السياسي في الإقليم دخل مرحلة الاستنفار والاستقطاب لرسم وإعادة تشكيل التحالفات، استعدادا للاستحقاقات الانتخابية القادمة بعد سنة وبضع شهور، فقد شهدت ولاية بونتلاند في الأسابيع القليلة الماضية  أحداثا ساخنة ومثيرة  تباينت ما بين تظاهرات شعبية عارمة ضدّ التضخم وانهيار العملة المحلية بشكل حادّ، إلى إسقاط المجلس الوزاري ثم إعادتة بعد عملية تجميلية بسيطة.  وفي خطوة غير مسبوقة؛ أدلى بعض أعضاء البرلمان باعترافاتهم عبر الإعلام وعلى رؤوس الأشهاد باعترافات مدوّية، ليكشفوا بالتّفصيل عمّا يدور  خلف فيلا غروي من عمليات بيع  وشراء للأصوات والولاءات وغيرها من انتهاكات، واعترف بعض أكبر المسؤولين في الولاية  بما يكفي لأن يوقن الجميع بصدق الأصوات المستنكرة لنهج نظام عبد الولي غاس الّذي انغمس في وحل الفساد والاستبداد مبكرا منذ انتخابه في 2014م.

لقد فشل رئيس الولاية عبد الولي غاس في اجتياز ختبارين شكّلا حرجا بالغا في احتواءهما، ومع أن كان بالإمكان تمرّ كسحابة صيف تنقشع مرحليّاً، إلّا أنّ كميّة  الضربات التي سببتها للرئيس غاس غير قابلة للإصلاح والتجميل مهما حاول تغطيتها بمشاريع البنية التحتية.

الاختبار الأول

في الإدارات السابقة أيام المرحومين عبد الله يوسف وعدي موسى كانت الأمور تدار بتفاهمات وترتيبات تستند إلى العرف والواقع، كما أنّ معظم المسؤولين كانوا وجوهاً محلية مألوفة، لم تكن منكبّة على جمع المال بالشراهة المنتشرة حالياً، كما أن عدم امتلاك معظمهم لحسابات مصرفية خارج الحدود جعل ما يحصلون عليه عن طريق النصب من فتات تتوزّع بدورها في السّوق المحلّي؛ خاصة وأن النّظام الاجتماعي التكافلي المحلّي القائم على تقاسم الخبز بين الاصدقاء وأبناء العمومة لم يكن يسمح لمتقلّدي المناصب الكبيرة بتجاوز التقاليد السائدة بحكم انتماءهم للوسط الشعبي، بعكس إدارتي غاس وفرولي، -رغم الفارق بينهما- إذ سُلمت مفاتيح الأمور إلى مجموعة من المغتربين فشل معظمهم في مجاراة نمط الحياة المتطوّر في البلدان التّي لجأوا إليها لينتهي بهم المطاف إلى البلد الأم وليجسّدوا شخصيات مختلفة بمؤهلات وألقاب مزيّفة، لا يهمّهم سوى النهب وسرقة المال العام وهذا ما تسبّب في الكساد الاقتصادي، أضف إلى ذلك ماكينة تصنيع العملة الصومالية والتي يملكها الرئيس غاس مناصفة مع بعض رجال الأعمال كما يؤكّده النائب البونتلاندي السّابق طاهر عيرو انقر هنا

ويؤكّد المتتبّعون للشّأن الصومالي أن الطبقة الوسطى في الصومال يضيق عليها الخناق يوما بعد يوم ليتحوّلوا إلى فقراء معوزين وبالمقابل تتكوّن طبقة ثريّة استفادت من الفوضى لكسب المال الحرام، ومعروف أن الطّبقة الوسطى تمثّل المحرك الأساسي لاقتصاديات كلّ الدّول؛ ليس فقط في مساهمتها الفعّالة للاقتصاد بقدرتها الانتاجية، وإنما في سلوكها الشرائيّ الميّال إلى الاستهلاك أكثر من الإدّخار بعكس الطبقة الثرية الّتي عادة ما تستهلك خارج الحدود

الاختبار الثّاني

أوشك نوّاب بونت لاند على اسقاط غاس لكنّهم عدلوا إلى خطّة بديلة، استخدموها كورقة ضغط في وجه رئيس الولاية، ولولا فكرة العدول التي حبّذها النّواب المنزعجين من تصرّفات كبيرهم لكان أمر الولاية في خبر كان، لانّ انفراط عقد الحكم يعني الانهيار المؤسّساتي الكامل والدّخول إلى مرحلة فوضى مظلمة.

كما  لم يكن إعادة تعيين أغلب الوزراء أمراً غريباً، طالما أنّ التّسويات أفضت إلى أن يحصلوا على قسطهم من صفقة شركة دبي للموانىء لتوسيع المرفأ البحري لمدينة بوصاصو، ولم يبد أداء الوزراء للقسم الدّستوري قبل أن يصادق عليهم البرلمان غريباً كذلك لأنّها محتملة الحدوث من نطام متعوّد على التّخبّط والارتجال في كلّ شيء!

ولكنّ الغريب هو اعترافات النائب عبد الكريم حسين غوري المعروف بـ “شاعور” بتلقّي مبلغ ثمانية وعشرين ألف دولار شخصياً من رئيس الإقليم، وأنه صرفهابالكامل لصالح القوات الأمنية في بلدته بإقليم مدغ، الأمر الذي قد بصبح بمثابة المسمار الأخير في نعش القليل من المصداقية المتبقّية لإدارة غاس سّيّئة الذّكر انقر هنا

ومع الجدل القانوني حول ما سيترتّب من تصريحات النّائب الّتي قد تكون كافية لإدانته قبل غيره، واستغراب الكثيرين من سلوك النائب شاعور وتساؤلاتهم المتكرّرة بخصوص: لماذا قبل بالرّشاوي أصلا وهل تصبح الرّشاوي صالحة للاستخدام إذا صرفت في أمر عامّ؟

على كلّ فإنّ الوضع السّياسي في الولاية على صفيح ساخن قابل للاشتعال في أيّ وقت طالما أنّ المطالب الشّعبية لم يردّ عليها بشكل عمليّ.

عن محمود عيسى فارح

محمود عيسى فارح
كاتب صومالي

شاهد أيضاً

الذكرى الثامنة لحادثة شامو المؤلمة

لم يكن يوم الثالث من شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2009 كأي يوم بالنسبة لسكان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.