الرئيسية / مقالات رأي / معالم مرحلة “ما بعد الوداد”: مقال متابعة

معالم مرحلة “ما بعد الوداد”: مقال متابعة

عندما أطلقت مفردة ما “بعد الوداد” اعتقد بعض الناس أنها دعوة  للتخلص من “الوداد” كليا وإلغاء دوره، وهذا  في الحقيقة فهم خاطئ وسقيم في  الوقت نفسه، لأنه أصحاب هذا الفهم لم  يستوعبوا الفكرة بشكل عام من جهة، ولم يفهموا معنى أن  “الوداد” هنا بوصفه ظاهرة اجتماعية، وبالتالي؛  فإن هذه المقال جاء ليثير بعض الجوانب المهمة التي لم يركز عليها المقال السابق، وهي تقييم ظاهرة “ما بعد الوداد”، ونقدها، للخروج من الثنائية القاتلة التي تقف ما بين  إنعاش الأفكار وولادتها.

الوداد الذي نقصده ليس شخصاً بعينه فنحن لسنا ضد أي وداد ولسنا مع وداد ضد آخر، فأزمة الاصطفاف اللا منطقي القائم على العاطفة، والاستقطاب التي يمارسه الوداد وغيره أيضا، هي بالفعل مضادة لنقد وفهم الظاهرة، وخاصة السجال الفكري بين الشيخ كشك والشيخ شبلي، وفي الحقيقة هو سجال بين ثقافتين، كان متوقعاً  أن يصطدما مع بعضهما، فنحن كطلاب العلوم الاجتماعية والإنسانية ليس واجبنا أن نصطف مع واحد ضد الآخر، بل رصد هذه الظاهرة وتحليلها واستشراف ما سيؤول اليه الوضع.

ظاهرة “ما بعد الوداد” تتجاوز “الوداد” كفرد لتشمل كل التصرفات والسلوكيات التي أنتجها الخطاب الديني، أي خطاب “الوداد”، والتي خلقت مرحلة مفصلية في تاريخنا الثقافي والاجتماعي، وبالتالي؛ فعلينا من البداية ان نوجه هذه المرحلة بصورة عقلانية متزنة حتى لا تقع في  الفخ الذي وقع فيه الوداد، وهي التنصيبية ونقصد بها تنصيب الشخص نفسه ممثلا الحقيقة، وبالتالي؛ احتكار الصواب. فكما نعرف، فإن كل المشاريع النضالية التي كانت تدعوإلى الحرية والمساواة ومكافحة الاستبداد وقعت بالفعل ما كانت تكافحه من استبداد وانتهاكات في حق الحريات والمساواة، لأن التنصيبية تسربت إليهم، إذ اعتقدوا بوعي أو بدون وعي أنهم يمثلون الحرية والديمقراطية، وبالتالي؛ عندما وصلوا الى السلطة أصبحوا جلادين واستبداديين وكل من يعارضهم يعارض الحرية والديمقراطية والمساواة التي يمثلونها.

ويحق لنا أن نبدي مخاوفنا في البداية، حتى لا يتحول ضحية الأمس إلى جلاد اليوم. ولكي نواجه هذه المعضلة التي رافقت كل التحولات المفصلية، علينا فتح نار الأسئلة والنقد على المقولات والمفاهيم المتحجرة الجديدة والقديمة على حد سواء، فالنقد هو الطريقة الوحيدة لإنتاج فكر مستنير ومتقدم،وإلا سنكون ضحايا التقليد والتفكير الساذج، إلى أن يعلن التاريخ موتنا. لذلك لا يوجد أحد في مأمن من النقد ومن بينهم شريحة  أو ظاهرة “الوداد” وغيره، فليس الهدف هو ” الوداد” فقط، بل كل من يعرض أفكاره وتأويلاته للساحة العامة، ويشمل  كاتب هذاالمقال أيضا.

“ما بعد الوداد” هي ظاهرة اجتماعية تفصل بين مرحلتين مرحلة “الوداد” بشكلها التقليدي وما تحملها من اعتقادات وسلوكيات، مثل عدم اعتراض عليهم وتقدير آرائهم بل تقديمها، إلى مرحلة يتم فيها اعتراض آرائهم بل وتسفيه بعضها ونقد أفكارهم والفصل بينهم وبين الإسلام، وتقديم تأويل يختلف عن  تأويلهم، واستدعاء الصراعات الثقافية التاريخية مثل صراع لأشاعرة مع السلفية، وكذلك استحضار الإشكاليات المعاصرة إلى الواقع مثل مسالة الشواذ والعلمنة والتعددية الدينية. هذه المرحلة من المعروف أن يستقطب الفاعلون الناس عن طريقة تقديم البراهين والحجج، وهذا بالفعل يخلق ثقافة جديدة، وهي ثقافة تختلف نوعا ما عن الثقافة السائدة والتي خلقها “الوداد”  على مر السنين، هي ثقافة متحركة لا تحمل ملامح واضحة بل هي في طور التشكل، وتحمل في طياتها سلسلة من التساؤلات التي ستكبح جماح الثقافة القديمة. ومن الآن يمكننا أن نعلن وفاة الأحادية نهائيا، ولذلك سنتحدث عما بعدالأحادية.

لا تعجبني الثنائية التي تفسر الظواهر بصيغة إما وإما، بل التعددية هي الوسيلة الأمثل التي يمكن استثمارها في الحراك الثقافي والفكري، ولا تعني هذه التعددية العشوائية أو الفوضوية، بمعنى آخر، هي التعددية المفتوحة، ولا أحد يكون في مأمن من النقد، هذه التعددية تفتح المجال للجميع، وبالتالي، ما ينفع الناس سيمكث في الارض وأما الغوغائية والأفكار العاجزة فستخرج من التاريخ.

من المعروف أن الظواهر الفكرية التي تتشكل داخل أروقة السجالات تجمع أشكالا وألوانا من الأفكار المتناقضة، وهي بالطبع حالة مزدوجة تجمع التناقضات في سياق واحد، لكنها بعد فترة، وبالذات عندما تتحدد ملامح الظاهرة، ستتفرق الاتجاهات وتتصادم الأفكار وتنكشف التناقضات، ويظهر للعيان الاختلافات المدفونة في الغبار الذي أثاره الصراع، وتبدأ كل فئة في  تشكيل توجهاتها بعيداً عن الواقع النشوئي الأول، وأنا أعتقد أن ظاهرة “ما بعد الوداد” ستفتح آفاقاً فكرية جديدة في مجتمعنا، وستطرح مشاكل فكرية لم تطرح من قبل، بل وتعيد إنتاج وعينا من جديد، وسأعطيكم أبسط مثال، انظر إلى هذاالشاب أو الشابة الذي يكتب/التي  تكتب ببرآءة  مقولات استنكارية عن الاعتراض الموجه للشيخ شبلي  أو الشيخ أُمَل أو الشيخ نور بارود، مستغربا هذا النوع من الجرأة التي ظهرت من هذا الشخص بالذات دخل مرحلة جديدة من ناحية الوعي.

ما نريده في الحقيقة هو الخروج من المأزق الفكري الذي يتمثل في المقولات الميتة التي تروجها الاتجاهات اللا عقلانية التي تحاول التلاعب بوعينا، وبالتالي تعرية الاوهام الخادعة التي شكلت منهجيتنا الفكرية، وهي المسؤولة عن أوضاعنا، وادخلتنا في دوامة العنف والتيه. ولا يعني ذلك ان نشتغل بالشعارات الفارغة والتخفي أمام العبارات الجميلة مثل التنوير والعقلانية، بل تأسيس علاقة نقدية بيننا وبين أفكارنا من جهة، وبين المشاريع الفكرية الأخرى.

عن عمر علي باشا

عمر علي باشا
عمر علي باشا، طالب ماجستير في الاقتصاد يهتم بالفكر والفلسفة

شاهد أيضاً

الذكرى الثامنة لحادثة شامو المؤلمة

لم يكن يوم الثالث من شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2009 كأي يوم بالنسبة لسكان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.