الرئيسية / تقارير / سحب الثقة من مجلس الوزراء: ما الذي تغيّر في أعراف صنع القرار بولاية بونتلاند؟

سحب الثقة من مجلس الوزراء: ما الذي تغيّر في أعراف صنع القرار بولاية بونتلاند؟

إسقاط حكومة بونتلاند فجأة وبدون مقدّمات أو سابق إنذار، ومن قِبل مجلس قعيد شبه مشلول لم يتحلّ بجرأة التّحدّي لنحو عقدين تقريباً لدرجة أّن أعضاءه نسوا تماماً استخدام كلمة “لا” في جلساتهم لَشيءٌ يجعل الكثيرين يصدّقون من غير تفكير وتثبّت بأنّ الأمر قضي ليلاً تحت جنح الطلام وفي الثلث الأخير من اللّيل، لكن أين كانت تختفي كلّ هذه الأصوات المعارضة التي ملئها الحنق والغضب مما أدّى بهم إلى ضرب الحكومة دون هوادة أو تردّد؟

ترى ما الذي جمع كلّ هؤلاء بتعدّد أهوائهم ومشاربهم وأقنعهم بجدوى التّحرّك؟ ولماذا انطلقوا وباشروا التّنفيذ بهذه السرعة القصوى دون أن يلتفتوا يميناً أو شمالاً؟ وسرعان ما برزت الكثير من التكهنات المنطقية وغير المنطقيّة بعد الإطاحة البرلمان بالمجلس الوزاريّ، وقد حاول فريق تكايا الغوص في محيط الحدث لاستقصاء أبعاده عن كثب، رغم صعوبة تحليل مجريات الأحداث السّياسية الصومالية المعروفة بالتّقلّبات الحادّة والّتي لا تخضع للقياس في معظم الأحيان.

يذهب الكثير من الباحثين والمراقبين للأوضاع في الولاية بأنّ محور الخلاف يدور حول صفقة الميناء مع شركة دبي للموانىء التي استأثر  الرئيس بكعكتها وحده دون غيره، علماً بأنّ مطالبات المجلس المتكرّرة بنصيبهم أو ما يعرف محلياً بـ”حقّ القلم” وقعت على آذان صمّاء أعماها الجشع وحبّ المال ممّا أثار حفيظة بقيّة اللّصوص المترصّدين المتلهّفين لـ (الأرز الأجنبي)!

ويرى البعض أنّ المشادّة الكلامية التي حصلت بين أعضاء البرلمان ووزير المالية يوم الإثنين-أي قبل يوم من خطوة العزل- مثّلت القشّة التي قصمت ظهر البعير لتحرّك المياه الرّاكدة أو دعنا نقل لتثير البركان الخامد، إذ رأى الأعضاء أنّ مداخلاته أثناء الجلسة استفزازية تعلو فيها نبرة الاستعلاء، فيما حرص النّواب على لبس عباءة الوطنية ورفع شعار المحاسبة، وتركزت المناقشات على تأخّر سداد رواتب الجيش والموطفين والهواجس الأمنية ومشكلة زيادة الضّرائب وذلك إنتهاجا لإستراتيجية القديمة “الهجوم أحسن وسيلة للتفاوض والمساومة”، ولكنّ كان من الواضح أنّ الوزير بالغ كثيرا في شدّ الحبل ممّا تسبّب في تعجيل الاطاحة بالمجلس الّذي وصف بالأسوأ أداء في تاريخ الولاية الممتدّ لعقدين من الزمن تقريباً.

السّؤال المطروح هو: لماذا صبّوا جام غضبهم على المجلس الهزيل ولم يمسّوا رأس الأفعى (عبد الولي غاس) بسوء مع أنّه هو المستهدف الحقيقي؟ لماذا الضرب المبرح للوزراء المساكين والاكتفاء بـرفع ” البطاقة الصفراء” في وجه معاليه وكأنّه لا حول ولا طاقة لهم به؟

يبدو أنّ المحترفين الكبار في البرلمان درسوا الخطّة جيّداً،  بحيث بتجنّبون إحداث فراغ في السّلطة بحصر النزال والمناورة في حلبة الوزراء حتّى لا يعرّضو أنفسهم لهزّة كبرى لا يستطيعون تحمّل عواقبها او التنبّؤ بنتائجها والّتي لن تكون في صالحهم هم قبل غيرهم، مثل مجئ نائب الرئيس عبد الحكيم عمي للحكم، وهو المعروف بعناده واستبداده وخصوماته الشديدة مع المختلفين عنه. ويمكننا وصف مشروع سحب الثقة والإطاحة بالعمل التشريعي الوحيد الذي أنجز خارج النّص، إذ كانت أعمال المجلس وحركاته طيلة تاريخه تمشي رهن إشارات زعيم الولاية وفي إطار رغباته دائماً، وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على انفراط عقد السّبحة من أيدي الدكتور عبد الولي غاس وعجزه عن احتواء المنظومة الأليفة!

لقد سبق وأن قدّم المجلس نفسه في اكتوبر 2015م مشروع سحب الثّقة ضدّ رئيس البرلمان سعد حسن شري على خلفية اتهامات بالفساد واهمال أداء واجباته ورغم أنّه كان حدثا كبيراً وذا أهمية بالغة، لكنّه كان يتماشي مع الخطوط العريضة لسياسات الرّئاسة إثر تصادمه مع نائب الرئيس عبد الحكيم عمي وقد ساعد في ذلك وجود عبد الحميد شيخ عبدي وحسين ياسين حاجي نائبي رئيس البرلمان على هرم قبّة البرلمان حيث قاموا بدور البوصلة والترمومتر في التّوجيه وقياس الأداء حيث يتكفّلون بدور البيع والسمسرة وحقّ القلم، وبالتّالي فان الرّئيس فقد اتصاله بغرفة الكونترول، فهل سينجح في عمل تسوية معهم لضمان رجوع المياه الى مجاريها الطّبيعيّة

ماذا بعد؟

يبدو أنّ المبادرة أصبحت في يد البرلمان لأوّل مرّة في تاريخ ولاية بونتلاند لتزيد من الضغوطات الخانقة، وستكون الفرصة سانحة لزعماء القبائل في الظهور والانتعاش مجدّداً، وستكون التّجاذبات حامية ومستعرة حتّى الوصول إلى ترتيبات وترضيات مجزية حسب توازنات القوى  وبما برضي أبرز وجوه أطراف سحب الثقة الذين جمعهتهم الأهواء والمصالح، وقد تكون في صالحهم إذا استثمروا الفرصة جيداً، خصوصا وأنّ تغيير بعض الأسماء كان يصعب كثيراً على الرئيس، لدرجة أن  البعض يذهب للقول بأنّه بالرغم من أنّ الرّئيس غاس لم يكن مع الخطوة في أغلب تقدير؛ إلّا أنّه لم يكن ضدّها بالضرورة، بدليل ترحيبه السّريع بالخطوة ونبرته الهادئة خلال المؤتمر الصحافي الّذي عقده بعد أقلّ من ساعتين من قرار سحب الثقة، وهو ما يقوّي صحة هذه التكهّنات وربّما كان قصده رأب الصّدع وابداء تجاوب وحسن نية للنّوّاب المنفعلين.

ومع قرب نهاية الفترة الرئاسية في الولاية؛ تبدأ الأصوات المعارضة في التّشكّل والظهور ليضيقوا الخناق على حلقات نظام غاس الذي يعدّ من أسوأ حكّام الولاية أداء، إذ تفشّى الفساد وتدهور الاقتصاد نتيجة عجزه عن تسديد الرّواتب إضافة إلى طباعته للعملة الصومالية بالاشتراك مع عدد من رجال الأعمال ممّا أدّى إلى اختناق اقتصادي ومن هنا فصاعدا ستبدأ عمليات الشّدّ والجذب لحين قول كلمة الفصل بعد سنة وبضعة شهور من الآن.

 

عن فريق تكايا

فريق تكايا

شاهد أيضاً

الانتخابات الرئاسية في صوماليلاند .. قراءة من الداخل

تستعد جمهورية صوماليلاند المعلنة من طرف واحد، بعد فكّ ارتباطها مع الصومال في مايو من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.