الرئيسية / مقالات رأي / تصريح الشيخ نور بارود: بين عصمة الوداد وحرية تعبير مكفولة لمواطن عادي

تصريح الشيخ نور بارود: بين عصمة الوداد وحرية تعبير مكفولة لمواطن عادي

انتشر قبل أيام مقطع مصور للشيخ نور بارود يحرض فيه بعضاً من قوات الأمن على ضرب النواب المعارضين في أماكن إقامتهم، لم يكن من المدهش صدور مثل هذا الكلام من الشيخ، فالشيخ له هفوات عديدة، مثله مثل غيره من رجالات التيار السلفي في الصومال، ولكن ما توقفت شخصيا عنده كان ذلك الحماس الذي عمّ القاعة، ووقوف الحضور مرددين هنافات تحيا الصومال، وما لفت النّظر هو انقسام المؤيدين له بين مبررين له بوصفه غيوراً على الحكومة التي تواجه معارضة “شرذمة قليلة” من النواب، وبين من يحاولون تقديم تفسيرات دلالية لغوية للفظة الضرب، وبين من يحاولون إقناعنا بأن مواطن، له حق التعبير عن رأيه السياسي.

وقد أظهرت هذه الواقعة الخلل الاجتماعي الفج الذي يعانيه بعض الصوماليين، وهو أنهم لا يكرهون من يشير لأخطائهم فحسب، بل يحوّلونه لخائن وقبلي، فأغرب التعليقات التي وصلتني قول أحدهم أن انتقاد تحريض الشيخ نور بارود ما هو إلا استمرار في حربنا-كما قال- ضد الوعاظ أمثال شبلي وأُمَل وأن دافعنا ما هو إلا قبليّ موجه لعشيرة الشيخ الذي صدف أنه من عشيرة الرجلين المذكورين أعلاه، وهذه طريقة ساقطة لا تليق بأي مثقف، ناهيك عن طلبة علم مقربين منه. بينما اعتبر غيرهم أن في الأمر مؤامرة لدق الأسافين بين الحكومة وبين الشيخ، ولكن الحكومة تدعم الشيخ ولا تسمع للمرجفين، علماً أنه لا شكّ في أن الحكومة لم تدفع للشيخ نور بارود أي مبالغ لقاء تحريضه للقوات الأمنية، لم تحسب حساباً لتصريح كهذا، وبالتالي لا أحد يتوقع منهم الخروج على الشعب للتبرير، بقدر ما ينتظر منهم تفادي تكرار هذه السقطة المدوية، التي لا تخدمها في شيء، وتجلب لها الكثير من المتاعب.

السؤال المطروح هنا هو: هل أدلى الشيخ نور بارود بتصريحه في محفل رسمي بصفته مواطناً عادياً حقاً؟ أم بصفته شخصية إسلامية معتبرة؟

شخصياً؛ أعتقد أنّه أدلى بقوله التحريضي بصفته شيخا لا بصفته من رواد المقاهي الشعبية من المواطنين العاديين، وما أعرفه أن العصمة فقط للأنبياء، والشيوخ يخطئون ويصيبون، ولكن الشيوخ في الصومال آلهة صغيرة، لا يعترفون بالخطأ، بل ويأتي جيش من المبرراتية ليقنعوك أن الشيخ لم يخطئ، وأنت زنديق وقح وقليل الأدب ولك مآرب أخرى. ومن المؤسف أن بعض المريدين هم من يقودون شيوخهم عوضاً من يقود الشيوخ أؤلئك المريدين، فلم أر منذ وعيت شيخاً أخطأ ثم وقف أمام جمهوره وأقر بالخطأ، لأن هذا  المجتمع يعتبر التوبة ضعفاً وهزيمة.

وإن عدنا لكل تلك التبريرات الساذجة، فسنجد أنها تضعنا أمام عجلة نشطة تعمل على تزييف الوعي المجتمعي بشكل منظم، وتدفعه نحو الاحتراب والشحناء، وكان بالإمكان نزع فتيل الأزمة باعترافهم بأن الشيخ وقع في هفوة لم يكن عليه الوقوع فيها، ولكنه الخوف من الضغوط الاجتماعية التي يتعرض لها النشطاء في وسائل التواصل الاجتماعي، وعليه فإننا أمام معضلة عدم تصحيح المسار والتشجيع على البقاء في درك الاقتتال.

إذا تركنا كل ما سبق جانباً، وتعاملنا مع تبريرات المبررين، فسنكون أمام تصورات عديدة:

أولاً:  يحق للشيوخ “الوعاظ” الإدلاء برأيهم في الشأن العام وخصوصاً في السياسة، لكن بصفتهم أشخاص عاديين مجردين من الهالة التقديسية الخاصة بفئة “الوداد”، وبالتالي عليهم تحمّل النقد والشجب والتنديد، ومعاملتهم معاملة أي نائب أو سياسي أو حتى مثل رفقاء جلسات المقاهي. ومن غير المسموح استصحاب صفة “وداد” معهم عندما يعلقون على الشأن العام.

ثانياً: الإدلاء بكلمة أمام حشد من الموظفين الرسميين وبصفة رسمية يجب أن يكون له تبعاته، فتحريض المواطن العادي نور بارود -كما يزعم بعض مؤيديه- يمنح النواب المعارضين، بكل معارض حق مقاضاته لدى جهات التقاضي، بل يمنحهم حق مقاضاة من سمح له بالوقوف أمام قوات أمنية ليحرّض ضدهم بهذا الشكل العدائي.

ثالثاً: بما أن المواطن العادي نور بارود، مجرد مواطن عادي، فإذاً ينبغي عدم الالتفات لكلامه، كونه مواطناً عادياً بلا صفة وبلا مكانة، فهو عادي ولا يعرف الواقع السياسي، لأن الشخص الذي ينبغي الاعتداد بقوله يفترض به معرفة أن من حق النواب قول ما يشاؤون، فهم من الهيئة التشريعية، ويمثلون الشعب بدرجة من الدرجات على خلاف هذا المواطن العادي المحرض ضدهم.

رابعاً: إذا كان النواب المعارضون للحكومة “شرذمة قليلة”، فأفضل طريقة لمواجهتهم وكشفهم أمام الشعب هي وضعهم أمام البرلمان ومطالبتهم بتقديم عريضة توضح شكاويهم ويسمح لهم باستجواب من يتهمونه بعدم الكفاءة وعلى الهواء مباشرة، لأن كبتهم يؤدي إلى تنامي حراكهم وتشكيلهم شبكات داعمة لهم وهذا ما لا تريده الحكومة حتماً، ناهيك عن خسارة الحكومة لدعم فئات من الشعب بسبب تصدر واجهات سلفية تدعو للعنف وتحرّض عليه دون أن تتدارك ذلك.

وختاماً: إن دعم الحكومة لا يكون عبر إحراجها بتصريحات غير ناضجة من مواطنين عاديين يدلون برأيهم أمام القوات الأمنية أو الطلبة أو المصلين، فالمواطن العادي عليه أن يدلي برأيه في فيسبوك أو سناب شات وفي المقاهي الشعبة فقط، وإن تأليه الشيوخ وتنزيههم عن الخطأ لا يليق بالمثقف، ولا يجدر بالشيخ نفسه قبوله من مريديه.

 

عن سميه شيخ محمود

سميه شيخ محمود

شاهد أيضاً

التحشيد والتبعية الساذجة

في خضم الأزمة الخليجية الأخيرة، اتخذت السعودية والإمارات والبحرين قرار مقاطعة قطر، وكذلك فعل حلفاؤهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.