الرئيسية / منوعات / مجتمع / شهادة وفاة في ظلال القبيلة

شهادة وفاة في ظلال القبيلة

جَنح الشعبُ ذاتْ مساء لزيارة وطنهم يقودهم الشوق الذي أضانهم إليه حتى كادوا ينسون ملامحه، وانتظروا حتى شارفت عقارب الساعة الثانية عشر صباحاً، ليتسللوا خلسة بعدانتهاء نوبات الحراسة المشددة المفروضة من قبل الحراس آملين أن يلقوا نظرة على هذا الوطن المتلحف بلحاف البؤس فوجدوه ملقى على الأرض مثخن بجراحه التي لم تندمل فتساءلوا من الفاعـل تعالت الصيحات وتطايرت الأتهامات من المسؤؤل؟ وتساءلوا إذن من كان يحكم البلد؟
ثم حملوه مسرعين إلى المشفى ومعهم الحراس، سألهم الطبيب سام: ما إسم المريض؟ أجابوه :الصومال.
-كم عمره ؟
قالوا :من عمر الحضاره
فتساءل الطبيب: منذ متى بدأت أعراض المرض؟
تخاصم القوم ؛ صاح أحدهـم : منذ أن ظهر وباء الأنقسام دب الوهن في جسده.
قال أحدهم بصوت خافت :منذ أن أبصرت وأنا أراه كهلاً عليلاً محتضراً.
قاطعهم عجوز يجلس في الزواية البعيدة وهو يبكي بحرقه: تالله ما رحموك قط يا صومال، أهكذا يرد إليك أبناؤك الجميل؟ جزؤك محتل، وبعضك منفصل، وكلك عليل. فلعل حالك يتبدل، أنينك يوجع قلبي ولم أحتمل من بعد عزكَ أن أراك ذليلاً!
فجأه نظر الصومال إلى الجالسين في الغرفة … الحراس والطبيب وصديقه وأبناؤه المخلصون، أسرع الطبيب نحوه وحاول انعاش نبضات قلبه الخافتة، ووقف الجميع مكانهم مذعورين، وفي تلك الأثناء انتفض الصومال وشهق شهقاته الاخيرة، لم تكن سكرته الأولى لأنه مر بسكرات مماثله وسنواتاحتضار طويله قضاها كاملة على فراشه، رأى بعينيه موضع قبره في حلمه المتكرر، يفكر بصوت عالي مخاطباً نفسه يا ترى من سيكون من المشيعين ؟ وماذا سيفعل صديقي العجوز والحراس والطبيب سام الذي يتدخل في الأوضاع العصيبة ليزيد من مرضي وليجعلني أدمن على الأقراص والعقاقير المنومه ليحكم الحراس ويستكين الناس ونعيش في الأمس بكلُ يأس! وهذا الشعب الذي يبكي ولا يعلم على ما يبكي وإلى أين يسير،والعالم الذي لا أعلم هل سيكتفي بإرسال برقية تعزية أم سيقول وأخيراً ماتت الصوملة، وانقضت تلك المرحلة ،يصيح العجوز: أعطه مغذي الأمل! واهمس بأذنه الصومال الكبير سيعود وسيتحسن. الطيب هامساً:أنه يحتضر ولن تجدي جرعات الأمل نفعاً ولا الوعود الكاذبة بحل مشاكله المستعصية. ويعلن الطبيب : لقد مات الصومال. بكى الشعب اليتيم على عظيم مصابه وبحث عن من يكفله فقد تخلى عنه الجميع وأولهم ذلك العجوز الذي لطالما قلب على الصومال أوجاعه بذكر الأيام الخوالي وحينما أحتاجوا إلى أن يمد إليهم أصابعه الخمسة، اختفى وأنزوى بعيداً ،مات الصومال لن يحييه اليوم كسرات الأمل التي اقتات عليها سنيناً طوالاً مات الصومال، وقفت الجموع لتعزينا في موت الصومال، وتسائلنا مجـددا من الذي طعن الصومال من الذي قتل الصومال ،ولكن سرعان ما انفضت المسرحية الدولية المقامة على شرف العزاء وجفت الدموع والتفت القوم يتساءلون من الذي سيرث الصومال؟ وكم ترك ي رصيده يا ترى؟ وفجأة تذكروا ورقة الوصية وكان هذا نصها : إلى أبنائي الصوماليين في كل مكان: إياكم وأن تطفئوا مصابيح الأمل في داخلكم وإن أظلمت سماؤكم أبنائي إنني كتبت في وصيتي طلباً أتمنى أن تنفذوه لأستريح في قبري راجياً منكم بأن تصححوا خطأ جسيماً أرتكبناه سوياً ،أتذكر بالأمس البعيد كيف جاء إلينا أخوتنا يمدون إلينا أيديهم لنتحد تحت زرقة هذا العلم، أتذكر آمالنا الكبيرة حينما رفعنا العلم وأنزلنا أعلام الاستعمار، إلى أن خطف ذلك القرصان سفينة آمالنا الكبيرة وخطف السلطه ،وجند الظلم وأباح الاستبداد وانتهج الديكتاتورية فأنتفض الأحرار على الظلم قبلنا ولحقنا بركب الثورة متأخرين وزاحت الغمة وهرب الشر إلى المنفى، وعاد الصومال الوطن وبلحظة كبرياء وتحت نشوة الحرية والإنتصار انتخبتم ممثلاً جديداً لكي يقود الوطن فلا وطن بلا قادة، فكنت أنا الصومال المتمثل بآمالكم وأحلامكم وقلت في نفسي بزغ فجر جديد وأمِلتُ بأن تُحكم أرضي ويَسعد شعبي، بأن يكون الصومال دولة ذات سيادة وحضارة ،ولكن ما لبث الأمل حنى تلاشى، شقيقي وبقيتم في دوامة الصراع وجعلتم من الوطن كرسياً وبتم تقتتلون على من سيجلس على الكرسي وعلى من سيحكم الصومال ،كنت لكم وطناً ولم تكونوا لي شعباً لأحتويكم بينما لم ينتظر أخواتنا بأن تنتهي تلك اللعبة وذلك الدوران الدامي حول الكرسي ،وتلك المعاناة التي لانهاية لها فشدوا رحالهم نحو وطنهم القديم تركونا وحدنا كما تركناهم لوحدهم مراراً ،كنت أبحث عن نفسي طيلة تلك المدة عن ((الصومال)) نعم كنت أبحث عني بيد إني لم أنجح في العثور على وطن يعيش في داخلكم. كنتم تتصارعون على السلطه تقتلون بعضكم البعض باسم القبيله وباسم الدين ولم يلتفت أحد إلى الوطن إلى الصومال تهت في مسالك الزمن ولم أعد أعرف كيف أخرج ومن أي الأبواب.
أبنائي لا تتساءلوا في لحظات اليأس لماذا نحن صوماليون ولكن اسألوا أنفسكم لماذا الصومال جريح؟ ماذا فعلتم بالصومال من تسبب في جرحه أليست خلافاتنا حول السلطة والتفافنا حول الصراعات القبلية، أليس هو ضعف الغيرة؟ فهذا الوطن مستباح ويحرسه الغرباء ولا مكان بيننا للعقلاء والكل يرمي قنابله العنقوديه في وجة الوطن وليكن ما يكون ولا أحد ينظر للأسباب فقط نهتف بأن الصومال جريح ونرمي التهم جزافا على الآخرين،تمسكت طويلاً بحلم غريب يسمى الوحدة الخماسيه ، وربما كان يسمى بالحقيقة عقدة نقص أقر بها في آخر زماني، هذا ما كنت أبحث عن الأمل في الصومال الكبير، وتغنيتم معي وراقت لكم الفكرة … لنعلق فشلنا على حبل الأماني وأمسينا سنيناً طوالاً نردد عاش الصومال الكبير ولكن ما من مفر فحتى هذا الوطن الصغير ينهار من تحتنا، فكيف ندعوا أخواننا ليشاركونا هذا الظلام الدامس وكيف نسترد حقنا من الجار المغتصب وهو الحارس المؤتمن وأين صديقي العجوز من أجزائنا الخمس تلك؟وكيف سنحقق حلم الأمس ونحن لا نملك قوت يومنا ونقتات على أحلامنا العزيزة النفس والتي ترفضالاعتراف بالفشل وتجعل الأقرار بالحق إنهزاما نعم نحن نتسول ..بتنا عراة ..وأوينا غزاة ..ونعاني من ضعف البصر والبصيره، وليس قدرنا بأن نكون صوماليين بل قدر الصومال بأن نكون نحن أبناؤها وشعبها.. بأن نكون فاشلين ..غير متصالحين .. متقاتلين متآمرين على نهضة هذا الوطن، ومن ثم نفر بعيدا لنرثى الوطن عن بُعد ،سئمنا من كل شيء ولكن علينا بأن نقر بأننا السبب، أبنائي إني قد جرت يوماً وظلمت أخوتكم ممن شاركونا بالوطن فآذيناهم ولم نعطيهم حقوقهم ولم نتصل من المجرمين ،فمن يتحمل اليوم وزر الوطن؟ لم نعترف بشرعيتهم وتحدثنا عن الوحدة طويلاً وقسمنا الوطن بالفعل إلى أجزاء وتعددت أعلامنا وتشتت قلوبنا ،وباتت كل قبيلة وطناً صغيراً، ولم نجد بعد ذلك الباب الذي سيخرجنا غير الوحدة التي نتمناها ولا نسعى لها فعلياً ؟وتناسينا بأن الحدة لا تأتي بالوحدة،
فنحنأمة شرعها القبيلة أمة تخلد المجرمين وشيوخها لا يصدعون بالحق غالباً ومجتمع يحتضن بقوة سفهاءه ويطلق كلابه المسعورة في وجه الآمنين لتنهشههم ثم تلهث خلفهم لكي يفلتوا من العقاب، أمة تفصل المعاييرحسب أهوائها فتستثني من تشاء، أمة تجزئ مبادئها، أمة يرضع صغارها التعصب،أمة تزرع الحقد ولا تفكر بالغد ثم تتفاجئ بصفاقة بالحصاد .
ولذلك أقر بأني قد وقعت في برقيتي هذه إعترافأ صريحاً بشرعية المناضلين،أتوني مقبلين وكانوا أبناء هذا الوطن ،وأي وطن هذا الذي يسحق أبناءه ويعترف بشرعية أبنائه العاقيين المتقاتلين، بينما يجعل من أوفى بعهده وقضى نحبه ليلحق بركب الوحدة لقيطاً غير معترف به،أيها الصوماليون استيقظوا،فلقد أهدرنا عمرنا مابين كذبة وحلم ، وها قد ضعنا وضاع الوطن فلا تبكوا على الوطن فهو في ذمة الله وهل سيصلح البكاء ما هدمناه نحن .
وطنكم المحب..
الصومال
دقت أجراس الخطر برقيةاعتراف فلتسقط الشرعيه! فمزقوا الورقه الأخيرة التي كانت ستحرر الصومال من خطاياه وغرق الصومال بوهم كبير يسمى بالصومال الكبير، واختلف القوم على السلطة والمال وفخخوا القبيلة ومنذ ذلك اليوم والصومال يتيم ضائع تحكمة المصالح والحراس ويعالجه الطب الدولي بالكي دوماً مات الصومال ولم تمت الأطماع ولم تطمس النوايا الخبيثه يصيح الجميع نموت ويحيا الوطن ولكننا حين مات الوطن قلنا :فليمت الوطن ولنحيا نحن ، مات الوطن فليمت مادامت كراسي الحكم ستحيينا ،ويبقى السؤال الدامع الأخير من الذي قتل الصومال ، مُزقت عريضة الأعتراف ،وكُتب في شهادة الوفاة بأن أسباب الوفاة ناتج عن أزمة قلبيه خانقهسببها الانفصاليون ، ومنذ ذلك الحين والشعب اليتيم يصب جام غضبه علىالانفصاليين ،هذا ما يقوله التقرير الطبي ونظرات المجتمع الدولي مات الصومال وحيداً رغم وجود أبنائه الخمسة، ولكن الفرق بأن جزئين باتوا في عهدة الحراس حتى إشعار آخر والصديق العجوز مازال معفياً من دفع ضريبة الوحدة ويدندن بين الفينة الأخرى لحن أغنية الوحدة،ولكن لاشئ مطلقاً يعفي الإنفصاليين ،وتعددت الأسباب والموت واحد، وعلى هامش الحكاية سقطت دمعة أنحدر من على وجنتيها سؤال من سيتنفض للصومال؟ القارة السمراء أم البيضاء أم الشقراء ، لا أحد يأبه مطلقاً لحال الصومال فكفاكم عبثاً بشعر الأماني وكفاكم عشقاً لتمجيد جرح مستحق.
ومضه:
افتقاد الموضوعية والتركيز على رود الفعل وعدم الإلتفات للفعل ، وتجزيئ المبادئ والركون إلى الماضي وعدم تجاوزه، والتعصب القبلي الخانق وفوبيا الجنوب وفوبيا الشمال والاتحاد الصوري والانقسام الحقيقي لقبائل متناحره والكراهية المتغلغه والتي تنتظر بأن تتأجج حينما يدق ناقوس القبلية لتغير كل قبيلة على أختها، والخلط بين فشل التجربة وإنكار بداهة وجوهر القيم والتغاضي عن الروابط المشتركة الجامعة، كل تلك العوامل تشكل نسيجا مترابطا ومعقدا، يقيد أرواحناالمثقلة بالماضي ويمنع عقولنا من التفكير بالغد، فها هو العالم يمضي للأمام ونحن مكاننا واقفون ،وفي غمرةالاحتفالات الوطنية نجهل حتى معنى كلمة وطن ،ونعلن الوقوف على أطلال أمجاد القبيلة نرفضالاعتراف بمعاييرنا المتذبذبة التي تجرنا إلى الخلف، حتى بسيماك بت يا وطني تُعرف قبل مِن أنهارك أنّ أغرف ،هل تَعرف يا وطني بماذا بت تُعرف؟ أم أنّ الصمت من الكلام أفصح
أخشى يا وطني إحسـاسـك أن أجرح الفوضى تنخر بثيابك وعورتك أمام العالم تظهر … وأنا بِكل أسفٍ اعتدت على هذا المنظر، فلا جديد يُذكر يا وطني في عيد الاستقلال نستظل تحت ظلال القبيلة، لا جَديد يُذكر يا وطني ولا قديمٌ يُعاد فما زالت خُرافات الأجداد يتوارثها الأحفاد جيلاً بعد جيل ، لا جَديد يُذكر يا وطني ولا قديمٌ يُعاد فما زالت القبيلة هي بوصلتنا الأولى ومازال قابيل يقتل منذ عقود أخاه هابيل في ربوع الصومال، لا جديد يُذكر يا وطني ولا قديمٌ يُعاد فما زلت في كل عيد أهتف وحيداً كل عام وأنت بعيد يا وطني وأردد بأمل خجول: سينقشع الغيم يا وطني وستشرق شمسك في الغد.

أفراح إبراهيم

عن أفراح إبراهيم

أفراح إبراهيم
كاتبه صوماليه مقيمه بالكويت .. أحلم بوطن يسعنا جميعا

شاهد أيضاً

ماذا يخطر ببالك حين تسمع كلمة “نسوية”؟

ماذا يخطر ببالك حين تسمع كلمة “نسوية”؟ هل تشعر بالامتعاض؟ هل تتخيل نساء متطرفات عاريات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.