الرئيسية / تقارير / دلالات طرد ممثل منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) من الصومال

دلالات طرد ممثل منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) من الصومال

تحفّظت الحكومة رسمياً ولم تسهب في ذكر أسباب طردها لمبعوث منظمة الأغذية والزراعة في الصومال السيد ريتشارد ترنشارد واقتصار بيانها على كونه أساء استخدام منصبه، إلّا أن مدلول لفظ الاساءة للمنصب يعني استغلالا للسلطة والتّأثير لكسب المال أو الابتزاز أو الاحتيال من أجل تحقيق مكاسب غير مشروعة، وإن كان موقع هيران اونلاين نقل عن مصادر مقربة من أحد الوزراء أن المبعوث رفض نقل مكتب الفاو من نيروبي إلى مقديشو، وأنه تقارير المنظمة تضاربت مع تقارير أخرى فيما يخص ضحايا المجاعة، فبينما ذكر تقرير للأمم المتحدة أن ثلث سكان الصومال على حافة المجاعة، أوردت الفاو في تقريرها أن نصف السكان مهددون بالمجاعة، ولم تتمكن من توضيح سبب التضارب للحكومة. ودقّ بيان الحكومة المتعلق بطرد مبعوث الفاو للصومال ناقوس الخطر، وكان له وقع قويّ على شبكات نهب الإغاثات الدولية باسم المنكوبين في الصومال، ممّا يعني أن صفحة جديدة من المحاسبة فتحت لتعلن عن عهد جديد تبدأ الكتابة فيه من أول السطر.

وقد جاء في بيان وزارة الخارجيّة: أن الحكومة تعرب عن امتعاضها للسلوك الفجّ الذي يفتقر الى المهنية الذي دأب عليه السيد ريتشارد ترنشارد وإنّ طريقة تعامله هذا هو ما شكّل العائق في وجه أيّ تعاون بين المنطمة والحكومة متمثلة في وزاراتها وإداراتها الاقليمية ولقد أبدى سلوكا عدائياً بعيداً عن الاحترام لمسؤولين كبار في الدولة بما فيهم وزراء من الحكومة الفيدرالية، كما تؤكّد الحكومة الفيدرالية للأمم المتحدة ومنظّمة الاغذية والزراعة (الفاو) أنّه بموجب الفقرة 25 من اتفاقية الحصانة والامتيازات لصالح بعض الهيئات الخاصة والموقّع سنة 1947م ومراجعات معايير الاتفاقية المبرم بين الفاو والجمهورية الصومالية فقد أصبح السيد ريتشارد شخصا غير مرغوب فيه لدى الحكومة الاتحادية، لذلك تطلب الحكومة من الأمم المتحدة سحب المندوب ريتشارد او ابطال فعاليته بما فيه وضعه الدبلوماسي وامتيازاته وما يتمتع بها من حصانة في الصومال بأسرع وقت ممكن مهما كان الظّرف وفي مدّة أقلّ من ثلاثة ايام من وقت استلام الرسالة”

الفاو في الصومال

تعمل منظمة الأغذية والزراعية في الصومال –كما ورد في موقعهم– وفق ست أولويات استراتيجية وهي:

أولاً: زيادة الإنتاج الزراعي وتحقيق استقرار دخل الأسر الريفية

ثانياً: رفع كفاءة الاستفادة من الثروة الحيوانية

ثالثاً: رفع مداخيل الصيادين عبر ترشيد الصيد المستدام

رابعاً: إدارة الموارد الطبيعية لمساعدة البلد على التعافي ومن أجل استغلال مستدام لها

خامساً:دعم الشراكة بين القطاعين العام والخاص مع المؤسسات والشركات المحلية

سادساً: رفع الجهوزية

ويقع المقر الرئيسي لمكتب الفاو المعني بالصومال في نيروبي، كما هو حال أغلب المنظمات الدولية المفترض عملها في مقديشو، وحسب مصادر تكايا، فإن ثلث ميزانية المنظمة الخاصة بالصومال تصرف في نيروبي، وثلث آخر غالباً ما يعجز المسؤولون عن تفسير كيفية صرفها، والثلث الأخير يقسم بين الولايات الفيدرالية والعاصمة التي يكون لها النصيب الأكبر دائما. ومن الأمور المثيرة للريبة أن المنظمة تتجنب البنك المركزي الخاضع لمراقبة الحكومة، وتلجأ لاستخدام الحوالات، وسبق للمنظمة قطع تعاملها مع حوالة دهب شيل، بعد عجزها أو تهربها من سداد دينها البالغ مليونا دولار امريكي، ما ألجأها للتعامل مع حوالة توكل، التي تستلم أموال المنظمة في جميع المناطق الصومالية.

وجدير بالذكر أن المنظمات الدولية ومنها الفاو تتعامل مع جهات حكومية في  الولايات الفيدرالية، بينما تتعامل مع قنوات غير رسمية في مقديشو ما يسهّل عمليات الفساد الكبرى والاختلاس لغياب الرقابة الحكومية، فالفاو على سبيل المثال لا الحصر تتعامل مع مؤسسة بانلبا في مشاريع اللقاحات الخاصة بالمواشي وتديرها الدكتورة نورتو شيخ محمود شقيقة الرئيس السابق، وتصدر تقارير متناقضة، قال المصدر أن الفاو بالتعاون مع بانلبا قدّموا تقريراً يوضح أن حوالي 12 مليون رأس من المواشي قد لُقحت، وبعد التحقيق اتضح أن الرقم لا يتجاوز 50 ألف رأس، وهذا يذكر بتقرير سابق متضارب مع تقارير الأمم المتحدة حول أعداد المهددين بالموت جوعاً في البلاد،  وقد طلبت الحكومة من مبعوث الفاو لدى الصومال توضيحاً يشرح فيه ما جرى، على أن يكون هذا التوضيح أمام مجلس الوزراء ولجنة برلمانية، ولكن المبعوث السيد ريتشارد ترنشاد تهرب من الاستجابة وماطل وأجلّ موعد المثول أمام الوزراء. ورفض كذلك الكشف عن طبيعة مشاريع المنظّمة  وأبى تقديم كشف حساب للحكومة لمعرفة ما تقدّمه للمتضرّرين فعليّاً، وبالإضافة لكل ما سبق  إصراره المستمر على ابقاء المقر الرّئيسي للمنطمة في كينيا بعيدا عن الصومال، وتؤكّد بعض المصادر بأنّ الحكومة إكتشفت شبكة كاملة من المجرمين مصاصي الدّماء الذين إعتادو على نهب المعونات والاغاثات الدولية يرؤسها السيد ريتشارد وتضمّ الكثير من مسؤولين صوماليّين متنفذين وأعضاء من الحكومة السّابقة، وبناء على كل ما سبق؛ قررت الحكومة مراسلة الأمم المتحدة ومطالبتها بتغييره.

دلالات خطاب وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي؟

حاولت جهات عديدة داخل الحكومة ومن المنظّمة ثني الحكومة عن اتخاذ القرار وحلحلة الأزمة بترتيبات بينيّة لوأد الخلاف في مهده إلّا أن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي أصرّت على عدم جدوى الاستمرار في التّعامل مع المندوب البريطانيّ الجنسية والبالغ من العمر67 عاما والذي ترأس المنظّمة في بداية عام 2015م.

  1. فحوى الخطاب كان مختلفاً وجديا ًوحازماً، مع أنّنا كدولة نمر في أولى مراحل الخروج من غيبوبة طال أمدها، بما لا يسمح لنا بالوقوف بنديّة مع المؤسّسات المانحة إلّا أنّ مكاشفتهم والتعامل معهم بحزم انطلاقا من الثوابت الوطنية والأخلاقية تقع ضمن واجبات الدولة وتساهم في استعادة سيادته المنتقصة أمام العالم ومواطنيها على حدّ سواء.
  2. لعلّكم لاحطتم إدراج اسم الإدارات الاقليمية مناصفة مع الحكومة الفيدرالية في مستهلّ البيان عند ذكر “طريقة تعامله الذي اعتبروه عائقا امام أيّ تعاون بين المنظّمة والحكومة متمثلة في وزاراتها وإداراتها الاقليميّة، هذا يدلّ على سعي الحكومة لتبنّي مصالح الناس سواء في العاصمة او غيرها من المدن لأنّ ابتزاز مسؤولي المنظمات الأممية لكبار المسؤولين الحكوميين لا يقتصر على العاصمة فقط

في نهاية شهر مايو ايار الجاري اجتمع السيد حسن علي خيري رئيس الوزراء بجميع سفراء الدول ووكلاء الهيئات الأممية المتواجدين في مقديشو ليبلغهم رسالة مفادها “لا للتبعية والانبطاح نعم للتعاون والاحترام المتبادل في جوّ تسوده الشفافية والمحاسبة”

ومن المؤكّد أن السيد خيري بحكم عمله مع الهيئات الخيرية يدرك قبل غيره من الحكومة وجود شبكات مافيا خطيرة اتقنت فنّ سرقة المساعدات والمعونات الخارجية, شبكة تمتدّ من نيروبي – المقر الرّئيسي المؤقت للهيئات الاغاثية في الصومال لربع قرن من الزمن – مستفيدة من غياب الرقابة والمحاسبة من جانب الحكومة الصوماليّة

لقد وصل الأمر ببعض الهيئات أن تستأجر طائرة شحن بـ 50 الف دولار من نيروبي حتّى مقديشو لتوصيل كرتونين من الأدوية لا غير، هذا العبث في تبذير القليل من المعونات الاجنبية أصلا تكشف وجود ذئاب بشرية منزوعة الإنسانية والضمير داخل مكاتب الأمم المتحدة

لا يمكن اجتثاث الفساد الممنهج في البلد بين عشية وضحاها ولا حتّى في العديد من السنوات القادمة مهما أخلصت النيات لأنّ الظّاهرة تحكّمت في مفاصل الدولة واستوطنت جسد المجتمع حتّى النّخاع خصوصا وأنّ التّحدّي ليس سهلا إذ يتذيّل الصومال ترتيب الدّول الأقل صرامة في مكافحة الفساد أو دعنا نقول يتصدّر قائمة الدول الأكثر فسادا وما أسوأها من صدارة وريادة! ولكن من باب الإنصاف، ينبغي الاعتراف بأن هذه الحكومة تخطو خطوات في سبيل هذه الغاية.

وختاماً…

ننصح الحكومة بالتوقف استخدام لغة غير صريحة عند تناول ملفات تتعلّق بقضايا تمسّ الرأي العام مثل هذه واستخدام لغة حاسمة تعبّر عن معرفتها لحقوقها، وهذه ليست المرّة الأولى الّتي تنتهج فيها الحكومة هذ النّمط ففي 8 من إبريل زار وزير الامن محمد ابوكر اسلو قسم شرطة حيّ حمروين في إطار تفقّده لأقسام الشرطة في مقديشو، ثم أصدر مذكّرة توقيف بحقّ قائد قسم الشرطة العقيد سيدو معلن اساق بتهمة التخلّف عن الانتظام في العمل مع أن الأمر كان يختلف عن هذه الرواية الرسمية، إذ ضبط العقيد في وضع مخلّ بالآداب في مقر عمله، يعاقر الخمور وبين يديه مخدّرات مع سيدات دون اكتراث لمسؤولياته وواجباته.

وعموماً؛ فإنّ تعامل الحكومة الحازم مع ملفّات الفساد يبقى محلّ إعجاب وتقدير شعبي كبير وفي انتظار المزيد من الخطوات الثابتة نحو مكافحة الفساد واستعادة هيبة الدّولة.

                                                                                                           فريق تكايا    

 

عن فريق تكايا في مقديشو

فريق تكايا في مقديشو

شاهد أيضاً

بوصاصو نموذج لروح الأخوّة والتّراحم

ممّا يثلج الصدور ويبقي الأمل في النّفوس قدرة الانسان الصومالي على استيعاب الكوارث والصدمات من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.