الرئيسية / مقالات رأي / آراء سياسية / الصومال..سياسة النأي والحياد

الصومال..سياسة النأي والحياد

اتخذت الصومال موقفا رصينا متوازنا واختارت الحياد ولم تتورط الأزمة المشتعلة بين الدول الخليجية, بل دعت الى إنهاء الأزمة بالطرق الدبلوماسية والحوار.
ومن الواضح أن هذا القرار يحاول الابتعاد قدر المستطاع عن الصراعات الإقليمية وخصوصا الشرق الاوسطية.
ويعتمد هذا القرار سياسة مسك العصا من الوسط, وبهذه الطريقة تحاول الصومال أن تحافظ مصالحها السياسية والإقتصادية مع السعودية والامارات وكذلك مع قطر وتركيا ومصر وإثيوبيا.
ومما يؤكد هذه السياسة, سياسة الحياد وتصفير المشاكل مع الجيران وعدم التفريط المصالح الصومالية الحيوية, زيارة الرئيس الصومالى محمد عبدالله فرماجوا كل من هذه الدول التى ذكرناها ما عدا جمهورية مصر العربية التى قيل أنه سيزورها بعد عيد الفطر, حسب ما اوردته السفارة الصومالية فى القاهرة.
ونتمنى من جميع أصدقائنا وشركائنا الإقليميين أن يتفهموا موقفنا الحيادى فيما بينهم.
هذا الموقف البناء لقي ترحبيا جماهيريا منقطع النظير, لأن الصومال ذاقت ويلات الحروب والمغامرات الخارجية والتدخلات الإقليمية والدولية, وهى غير مستعدة لتكرار المأسى والأوجاع التى حدثت ماضى القريب,وهذه المرة هى من المرات القليلة التى يحدث انسجام بين القرار الحكومى والإرادة الشعبية.
لماذا سياسة النأي والحياد؟
يبدو لي أن اتخاذ موقف الحياد كان قرارا صائبا يستند الى عدة عوامل رئيسية :-
1) تاريخيا عانت الصومال اتباع سياسة المحاور والاصطفافات الإقليمية والدولية, ففى عهد الحكومة العسكرية التى كان يقودها الجنرال محمد سياد برى اختارت الصومال فى بادئ الأمر الانضمام الى الكتلة الشيوعية بقيادة الإتحاد السوفيتى.
وفجأة ودون انذار مسبق قطعت الصومال علاقاتها الدبلوماسية مع الإتحاد السوفيتى ودون ضمان تأييد ودعم ملموس سوءا كان مالى اوسياسى او عسكرى من الحلف المقابل, وهو حلف الناتوا بقيادة الولايات المتحدة الامريكية.
بسبب هذا القرار الغبى الغير المدروس وغيرالمحسوب خسرنا حرب 1977 مع إثيوبيا, لأن الحكومة السوفيتية اصطفت الى جانب حليفتها إثيوبيا.
بعد هذه الخسارة المرعبة حدثت تغيرات دراماتيكية فى الداخل الصومالى, محاولة انقلاب فاشلة فالظهور عصر المليشيات والجبهات المتمردة فانهيار الدولة ثم الفوضى العارمة, واعتقد أن كل هذه المآسى ماثلة فى أذهان صانع القرار اليوم.

2) فى يناير 2016 قررت السعودية وحلفائها قطع علاقاتهم الدبلوماسية مع إيران, كانت الصومال ضمن الدول التى اتخذت قرار قطع العلاقات مع إيران تماشيا مع رغبات المملكة العربية السعودية, فى تلك الأيام قيل أن السعودية ستساعد الصومال ماليا وإنسانيا وتبنى مرافق عامة مثل مستشفيات, مدارس, منح تعليمية, حفر آبار المياه.
ولكن هل حصلت الصومال شيئا من هذه الوعود؟ لم تحصل شيئا, بالمقابل خسرنا علاقات دبلوماسية مع دولة إقليمية ذات ثقل سياسى, اقتصادى ومعرفى كبير هى جمهورية إيران, واعتقد أن تكرار نفس الخطأ مع توقع نتيجة مختلفة هو عين الغباء وفى السياسة يصبح هذا الخطأ فضيحة وخيانة.
3) من الأمور التى ساعدت اتخاذ قرار الحياد, تركيا لما لها من ثقل وتأثير ونفوذ فى الساحة الصومالية, سوءا كان اقتصادى, سياسى, إنسانى وشعبى, ولأن الحكومة الصومالية غير مستعدة للتفريط والتضحية العلاقات الإستراتيجية المتينة التى تربطها مع تركيا الحليف القوى والإستراتيجى لدولة قطر.

4) العلاقات السياسية والصداقة بين الحكومة الحالية ودولة قطر كبيرة الى حد ما, وبما أن دولة قطر دولة غنية جدا ونشطة سياسيا وتعتبر مستثمر عالمى من الطراز الرفيع فخسارتها دون ضمان بديل مؤكد غير واردر.

5) استرسل بعض منتقدى قرار الحياد ودعاة المقاطعة لدولة قطر, وقالوا للصومال علاقات اقتصادية قوية مع دولة الإمارات وأن الحياد سيؤثر هذه المصالح الحيوية.
نقول وببساطة تعتبر دولة الإمارات اقتصاديا, دولة غير صناعية ,غير منتجة واقتصادها يعتمد على البترول والخدمات كالموانئ والمطارات.
فهى تستورد البضائع من الصين والهند وايطاليا وتركيا, ثم تبيعها مرة أخرى
فلماذا نحن لا نستورد هذه البضائع من الاسواق الاصلية حيث تكون الاسعار منخفضة والجودة تكون عالية؟
ومن المفرح أن رجال الاعمال الصوماليين بدءو التوجه نحو الاسواق الاصلية مثل الصين والهند وتركيا ومصر, ولذلك قرار الحياد لن يضر التجارة والاقتصاد الصومالى عموما لأن بدائل السوق الإماراتى كثيرة.

6) هل سيسبب قرار الحياد إيقاف استيراد المواشى الصومالية وهى أهم الصادرات الصومالية فى الوقت الحالى من قبل المملكة العربية السعودية؟؟؟
أولا: المملكة العربية السعودية توقف استيراد المواشى الصومالية من وقت لاخر دون اسباب مقنعة, بعض الفترات استمر ايقاف الاستيراد شهورا وسنوات بحجة أن المواشى الصومالية مصابة بأمراض تضر صحة مواطنيها.
ثانيا: الأسواق الإقليمية ( السودان – إثيوبيا ) المنافسة للسوق الصومالى غير قادرة على تلبية احتياجات الأسواق الخليجية.
لأن السوق المواشى الصومالى يتميز :-
1- وفرة المواشى
2- التنوع
3- القرب الجغرافى للأسواق المستهلكة
ثالثا: تكلفة استيراد المواشى من استراليا باهظة جدا لبعدها الجغرافى, اذ تستغرق الحمولة اسابيع قبل ان تصل الى الخليج, بينما الصومال تستغرق يومين الى ثلاثة أيام.
إذن استيراد السعودية للمواشى الصومالية مصلحة اقتصادية بحتة.

استنادا الى ما سبق اعتقد أن كلفة الحياد أقل بكثير من كلفة الانحياز لأي طرف من الأطراف المتنازعة فى الخليج.

عن عيدروس محمد

عيدروس محمد

شاهد أيضاً

الصومال بين أمل وخيبة (1-3)

أزمنة الحرب في الصومال: إمكانية التعافي وآفاق المستقبل (1) الحرب الأهلية وأزمة التسعينيات: شهد الصومال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.