الرئيسية / مقالات رأي / الصومال: لهذا فضل الحياد في الأزمة الخليجية

الصومال: لهذا فضل الحياد في الأزمة الخليجية

لم يكن للصومال منذ إسقاط نظام محمد سياد بري سياسة خارجية مفهومة وثابتة، وغالباً ما تصطف الحكومات الصومالية مع دولة ما، أو تقاطعها من باب التضامن الأخوي لا غير، وربما يكون مردّ ذلك إلى هامشية دوره على الساحة الإقليمية والدّولية من ناحية، ولظروفه الاقتصادية ونقصان سيادته من ناحية أخرى. فالصومال بالرغم من كونه دولة ذات سيادة ظاهرياً، إلا أنه يفتقر للكثير من متطلبات مبدأ سيادة الدولة، فأمنه بيد قوات الاتحاد الإفريقي، والبنك الدولي يساهم في صرف رواتب الموظفين الحكوميين، وأجواؤه تتحكم بها إحدى هيئات الأمم المتحدة، بينما تزدحم مياهه الإقليمية ببوارج الناتو والصين وغيرها من الدول، إضافة لغياب توجه حكومي متفق عليه، ومبنيٌّ على التزامات الصومال تجاه محيطه وعلى مجموعة مصالحه.

وفيما يلي بعض من ملامح السياسة الخارجية في السنوات الأخيرة:

 فقدان البوصلة

قد تكون حكومة الرئيس السابق حسن شيخ محمود هي الأكثر اضطراباً من ناحية السياسة الخارجية، فقد اصطفت حكومة  مع المملكة العربية السعودية في مقاطعة إيران عقب أعمال العنف التي تعرَضت لها البعثة الدبلوماسية السعودية في مشهد مقابل وعد بدفع 50 مليون دولار، ويقال أنها لم تُدفع لحكومته، وقبلت الحكومة على استقدام الصوماليات للعمالة المنزلية في المملكة، الأمر الذي أثار ضجة واستهجان الشعب الصومالي.

وانسحب الوفد الصومالي كذلك من القمة العربية- الإفريقية التي انعقدت في غينيا الاستوائية تضامناً مع المغرب بعد رفع يافطة جبهة البوليساريو، وهذا موقف مناقض مثلاً للسياسة الصومالية القديمة المتضامنة تقليديا مع الدول الإفريقية الساعية لتحقيق مصيرها، ولطالما كانت العلاقة الصومالية- المغربية غير جيدة بسبب هذا الموقف، وكان موقف الصومال القديم نابعاً من مقاربة محلية تستند لإيمان الدولة بأن الإقليم الصومالي في إثيوبيا يجب منحه حق تقرير المصير، وأن كينيا استولت على محافظاتها الشمالية الحدودية بعد استفتاء تقرير المصير الذي جاء لصالح الوحدة مع الجمهورية الصومالية. وكان كلا القرارين نابعاً من التضامن العاطفي أو المدفوع، أكثر من كونه صادراً من تحقيق مصالح الدولة الصومالية، ودالاً على التذبذب وعدم الاستقرار.

وفي سابقة غير مفهومة، قرر الرئيس الصومال إدانة تصريحات وزيرة الخارجية السويدية مارغوت فالستروم المنددة بالعقوبات في النظام القضائي السعودي، تماهيا مع انزعاج السعودية التي استدعت السفير السويدي لديها.

وحشر الرئيس السابق الصومال في النزاع الروسي -الأوكراني وندد باستيلاء روسيا عل القرم بعد استفتاء أغضب أوربا.

كل هذه المواقف تدّل على عدم وجود رؤية وطنية وتوجه عام للدولة الصومالية تنطلق منها السياسة الخارجية.

أزمة الخليج وموقف الصومال

بعد اتخاذ ثلاث دول خليجية قراراً بمحاصرة قطر في الخامس من حزيران الجاري، فاجأ موقف الصومال الشعب الصومالي والعالم، إذ قررت الدولة اتخاذ الحياد موقفاً، بل ودعت للحوار عبر جامعة الدولة العربية، فالدول الثلاث وقطر في النهاية إخوة وبينهم صلات قربى.

ولم تستجب الدولة للإغراءات أو التهديدات، وتمسكت بموقفها المحايد انطلاقاً من عدّة حقائق:

  • الصومال دولة هشة للغاية، ولا يمكنها تحمل عواقب التماهي مع موقف السعودية
  • سعي الحكومة الجديدة لإثبات عدم رغبتها في زج البلاد في صراع دبلوماسي، وإعلان سياستها الخارجية المبنية على النأي بالنفس عن كافة الصراعات.
  • الموقف العالمي الرافض للمحاصرة، ما يعني أن السير عكس التيار سيهدد مصالح الصومال الاستراتيجية مستقبلا
  • لا يمكن للدول المقاطعة لقطر عرقلة مصالح المواطنين الصوماليين تجنبا لتوسيع دائرة الصراع، وزج الصومال فيها. ولأنها -أي دول القطيعة الخليجية-تدرك أن الصومال دولة ذات سيادة ويمكن القيام بما يتناسب مع موقعها، وأقلها حق الصومال في تسليم تركيا أو حتى إيران-بعد إعادة العلاقات معها-مهمة حماية مياهها الإقليمية، وهذا ليس في صالح تلك الدول.

أثار هذا القرار بالحياد قلق بعض الفئات الصومالية، كتجار المواشي وبعض الإسلاميين المتعاطفين مع السعودية، وكذلك محبو الوطن الطيبون، ممن يخافون من تضرر الصومال بسبب هذا القرار “المتسرع”، وآخرون يعترضون على الحكومة في كافة قراراتها من قرار ضبط أمن العاصمة، بقرار نزع الأسلحة والحد من فوضى انتشار السلاح. وانتهاء برفض قطع العلاقات مع قطر.

ردّة فعل الشارع الصومالي

كان من اللافت حقاً ذلك الشعور العارم بالفرحة والذي عبّر عنه الصوماليون في وسائل التواصل الاجتماعي، واعتبروا


قدرة الحكومة على النأي بنفسها من تجاذبات السياسة الخليجية وعدم الاصطفاف مع طرف دون غيره، مؤشرا قويا على تعافي الصومال، واستعادته لشيء من استقلاليته وسيادته.

ولم يكن هذا القرار الحكومي هو الوحيد الذي وحد الصوماليين منذ انتخاب فرماجو، فقد سبق للحكومة أن أعلنت بدء تجفيف منابع الفساد، ما أدى إلى ارتفاع دخل الحكومة من لإيرادات الميناء والمطار بشكل ملحوظ، وتسلمِّ موظفي الدولة والنواب لرواتبهم

ماذا يجب على الصوماليين إدراكه؟

يبدو قرار الصومال حيال الوقوف مسافة واحدة من أطراف النزاع، هو ذاته قرار إثيوبيا والاتحاد الإفريقي، ما يعني أنه لن يتسبب بأزمة داخلية، فإثيوبيا دولة جارة كبيرة وذات تأثير على السياسية الصومالية، وأي قرار مضاد لقراراتها قد يتسبب بزعزعة العلاقة بالحكومة الجديدة التي لم تكمل شهرها الثالث بعد، كما أن الاتحاد الإفريقي هو المشرف على قوات حفظ السلام المعروفة بالأميصوم. وما يجدر قوله هنا هو أن قرار الصومال كان هو الأسبق. وتوافق قرار الحكومة مع قرار هذين الطرفين من شأنه حفظ الاستقرار الهش وبناء الثقة بين الجهات الثلاث.

الأمر الآخر الذي يجدر بالصومالي أخذه في عين الاعتبار هو أن دولة الإمارات العربية المتحدة ليست مصدراً مصنعاً، بل ممراً تعبر من خلال مؤانيها ما يستورده التجار الصوماليون، وبالتالي ليس هؤلاء التجار مجبرين على البقاء في حالة ارتباط مع ميناء جبل علي بإمارة دبي، بل ينبغي عليهم التفكير في موانئ بديلة أو حتى تأسيس مصانع للأغذية داخل الصومال، والعمل على تقليل الاستيراد قدر المستطاع.

أما المملكة السعودية، فمن المؤسف أنها تراجعت عن الوعود التي قطعتها للصومال قبل شهور من اندلاع الأزمة الخليجية، وساومت لجنة متابعة المشاريع التي عينتها الحكومة، على ما وعدت به مقابل قطع العلاقات مع دولة قطر التي لم تسئ للصومال ولا يملك الصومال اي عداوة مسبقة معها، ولكن الحكومة الصومالية أبدت نضجاً كافياً، وعادت لجنة متابعة المشاريع الموعود بها مفضلة عدم المشاركة في عزل قطر والتمسك بسيادة الصومال وحريته في صياغة قرارته. كما أن المواشي الصومالية تصدر موسميا فقط وليس على مدار العام، ما يعني أن الصومال لن يخسر شيئاً بسبب موقفه المحايد.

عن فريق تكايا

فريق تكايا

شاهد أيضاً

بوصاصو نموذج لروح الأخوّة والتّراحم

ممّا يثلج الصدور ويبقي الأمل في النّفوس قدرة الانسان الصومالي على استيعاب الكوارث والصدمات من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.