الرئيسية / مقالات رأي / آراء سياسية / التحشيد والتبعية الساذجة

التحشيد والتبعية الساذجة

في خضم الأزمة الخليجية الأخيرة، اتخذت السعودية والإمارات والبحرين قرار مقاطعة قطر، وكذلك فعل حلفاؤهم السياسيون طوعا أو كرها، واتجهت العواصم التى تقود سياسة خنق قطر وحصارها على التحشيد وتوسيع رقعة المنضمين إلى هذا الحصار المفاجئ لدولة شقيقة تنتمي لمنظومة التعاون الخليجي.

والتحشيد والبحث عن الشركاء والمدافعين هو عادة فرعونية قديمة لمحاصرة الحق، وتخويف الأحرار وقمع الثورات التي تبحث عن الحرية، والغرض النهائي منه هو المحافظة على مصالح شخصية يتوهم البعض أن الحرية هي خصمها الذي يقصم ظهرها، كما أن التحشيد وسيلة لإستخفاف عقول الناس وإيهامهم بأن ما إتخذوه من قرارات هو الحق والعدل بدليل الأعداد الكبيرة التي تسانده وتقف إلى جانبه بغض النظر عن الوسائل والأوداوت التي تصنع الحشد والمناصرين من الإغراءت المالية والوعود بالجاه والمكانة، وهذا النوع من التحشيد لنصرة مشاريع ظالمة تجانب الصواب وردت في القرآن الكريم  ففي سورة الشعراء يقول الله وهو يحكي عن فرعون(قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ(37) ) . ومن معاني البعث التهييج، وهنا يبحثون من يناصرهم ويواجه معهم موسى ودعوته ومعجزاته، وكذلك يفعل الطغاة في كل زمان ومكان، فالمشاريع الباطلة والقرارات السياسية الخاطئة لا تثبت على الأرض ولا تؤثر بشكل فاعل مالم تصنع شبكة من المناصرين، فالإعلام وسيلة للتحشيد ومثله توظيف المال وإستغلال حاجة الناس، والتخويف والقهر، كما أن مبررات الباطل ومنطلقاته  ضعيفة وواهية إلى الحد الذي يلجأ أصحابها إلى الكذب والإفتراء، ومثال ذلك قول فرعون وهو يستخف قومه (قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34)يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ(35)) (الشعراء) وفي موضع آخر قال فرعون وحاشيته ( قالو إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى(63))(طه). فيوهمون الناس بأن هؤلاء يريدون إزاحتهم وتهجيرهم وتدميرهم وأخذ مكانتهم وشرفهم ونفوذهم، كل ذلك قصد التشويش والتهييج. والتساؤل والنقاش وحرية التعبير هي أدوات بسيطة تكشف عورات التوجهات السياسية الخاطئة وبالتالى يلجأ الطغاة إلى حماية منطقهم الواهي بسلسلة من الإجراءت القمعية فحين حاور نبي الله موسى فرعون وصدع بدعوته واجهه فرعون وهدده بالسجن (قال لئن إتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين) وهي حيلة الضعفاء كي يستبقو الحشد ولو من خلال التخويف والقمع.

وفي مجال السياسة تلجأ بعض الدول القوية على فرض توجهاتها السياسية على الدول الضعيفة لتحقيق مصالحها، وأسوأ أنواع التبعية هو ذاك النوع الذي ينشأ من خلال الحرص على بعض المصالح الدنيوية التي يحرص عليها التابعون من قبيل ما صرح به سحرة فرعون (إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين)، ولا خير بإرادة سياسية وسيادة ومبادئ للبيع، وفي هذه التبعية الساذجة لا مجال للعقل والمنطق أو البحث عن الحق والتبصر قبل الركوب بالموجة، فمجرد أن ينزلق السياسي إلى هذا الحضيض يفقد هويته ويطمس مبادئه ويتحسس جيبه، ومن ثم يتشكل الموقف السياسي حسب السيولة أو الوعود المغرية بالود والمكانة والقرب من موائد أصجاب السلطة والمال والجاه، ويدغدغ مشاعر السذج مثل جواب فرعون في معرض رده على سؤال السحرة عن الأجر والمكافأة ( قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين).

ومن صور التبعية الساذجة وغير المفهومة مواقف بعض السياسيين الصوماليين الذين صرحو بمعارضتهم الموقف المشرف الذي عبرت عنه الخارجية الصومالية في الأزمة الخليجية وهو الحياد والإنضمام إلى جهود الوساطة، وعدم الإنصياع للضغوط التي تبتزها أو تريد إستغلال حاجة البلاد للدعم والمساندة للتعافي من موجة الجفاف الأخيرة ومواجهة التحديات الأمنية، وهو في الحقيقة موقف سياسي يحمي الإرادة الشعبية وعزتها وشرفها، كما يؤسس لعهد جديد من الإستقلالية رغم التحديات، ولا أدري مالذي دفع بسياسي مثل عبدالرحمن  محمد فروولي أو عبدالرزاق حسن جُورلي أو مهد صلاد إلى نشر كتابات وتصريحات تنتقد موقف الحكومة الصومالية وتدعوها إلى تأييد محور السعودية والإمارات؟ ترى ما هي المبررات التي تدفعنا إلى معاداة قطر ووراءها حلفاؤها من الأتراك وغيرهم؟ أليس من السذاجة أن نغضب حين يغضب غيرنا ونرضى بما يرضون؟ وأي وجه سنقابل من وقف مع الشعب الصومالي ودعمه بعد أن تهدأ هذه الموجة؟ الحق أن الوفاء والشهامة كانت تقتضي الوقوف صراحة في وجه هذه الهجمة ورفضها من قبل الحكومة الصومالية، أما وقد إختارت الحياد بناء على ظروفنا ووضعنا السياسي والإقتصادي الهش، فلم هذه المواقف الشاذة من هؤلاء السياسيين وغيرهم وأي ثمن قبضوه أو يرجون من دعوتهم لمحاصرة قطر وشعبها الشقيق؟

التبيعية السياسية الساذجة في طبيعتها عمياء ومختلة الموازين، فهؤلاء البرلمانيون الذي أقسمو على خدمة هذا الوطن وسيادته ووحدته يتجاهلون حقيقة أن الإمارات العربية المتحدة مثلا تدعم التوجهات الإنفصالية لأرض الصومال، ولا شك أن موقف الأخيرة الداعم لمحاصرة قطر نابع من الوعود الإماراتية لدعم وتحقيق حلم إنفصالها، وهذه التبعية السياسية الرخيصة من هؤلاء إن نجحت في مسعاها فهي تؤسس لمرحلة من الإذلال بأبخس الأثمان، ويصبح تدخلات هذه الدول في السياسة الصومالية من إكراهات الواقع السياسي الصومالي.

كانت قطر الشقيقة أول من لبى نداءآت السيد عبدالرحمن محمد فرولي حين كان رئيسا لولاية بونتلاند للإستجابة السريعة لنجدة المتضررين من موجات الفيضات التي ضربت بونت لاند عام 2014 م وذلك من خلال مؤسسة قطر الخيرية التي نفذت أكبر وأوسع إستجابة إنسانية بتكلفة ملايين الدولارات، مما حفظ كرامته في وجه شعبه في وقت كان لا يملك من الحيلة سوى أن يرسل النداءات تلو الأخرى، وللمفارقة العجيبة ها هو اليوم يدعو إلى دعم توجهات تحاصر قطر الشقيقة، وتصنف هذه المؤسسة ضمن المؤسسات التي تدعم الإرهاب، أما البرلماني مهد صلاة والذي لا يجهل مواقق قطر الشقيقة وسياساتها النبيلة تجاه الصومال من خلال المواقع المختلفة التي عمل بها في الحكومة السابقة، فمن العيب أن يخلط  بين مناوراته السياسية مع القيادات السياسية الحالية والموقف الأخلاقي المتوقع منه ومن أمثاله تجاه قطر، فقطر كانت من أشد المساندين لحكومة حسن شيخ محمود ولمجموعة الدم الجديد التي ينتمي إليها مهد صلاة فضلا عن وقوفها ومساندتها الدائمة للشعب الصومالي، والصراع السياسي الذي يبحث الدعم والإحتضان من الخارج عن طريق مثل هذه المزايدات يسئ إلى صاحبه ولا يضر قطر وشعبه،ا فهلا تبصر وبحث عن أدوات أخرى للمناورة السياسية بعيدا عن هذه المواقف غير الشريفة التى يسطرها التاريخ.

لن يتوقف التحشيد والضغوط التى تسعى لتحريف بوصلة السياسة الخارجية الصومالية سواء من خلال تحريك بعض السياسيين أو الولايات الفيدرالية، كما أنه من الطبيعي أن يظهر في مجتمعنا من يركب الموجات التي تستجد في الساحة حتى وإن كانت مخالفة لقناعاته، كما نشر أحدهم مقالا على موقع موال لجماعة دم جديد، وفيه يدعو إلى دعم توجهات السعودية والإمارات تجاه قطر مع أنه كان إلى وقت قريب شديد العداء والحساسية لكل ما هو متعلق بالسعودية إلى الحد الذي إنزلق إلى دعم إيران، إلا أن الطمع في الإحتضان والدعم يدفعه نحو التملق والتناقض، وبالتالي نحتاج إلى وقت وجهد كبير لمقاومة مثل هذه التوجهات الرخيصة أوالنزوع للتبعية العمياء سوءا من السياسين أو من صغار الطامعين.

عن عبد الله فارح مري

عبد الله فارح مري
طالب صومالي مقيم في ماليزيا

شاهد أيضاً

الصومال..سياسة النأي والحياد

اتخذت الصومال موقفا رصينا متوازنا واختارت الحياد ولم تتورط الأزمة المشتعلة بين الدول الخليجية, بل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.