الرئيسية / مقالات رأي / فهم التجربة الصومالية عبر ثورات الربيع العربي

فهم التجربة الصومالية عبر ثورات الربيع العربي

يتابع الصوماليون أحداث العالم العربي منذ اندلاع ما عُرف بالربيع العربي بعين تختلف عن غيرهم من شعوب المنطقة العربية والإفريقية، فهم شاؤوا أم أبوا يستحضرون تجربتهم الخاصة التي تزامنت مع ما أسماه صامويل هنتنجتون بـ” الموجة الثالثة”، وهي المرحلة التي ثارت فيها شعوب شرق أوربا على أنظمتها وأسقطتها لتبدأ رحلة التحول الديمقراطي.

لم يستطع الصوماليون لأسباب عديدة العبور بسلام من إسقاط النظام إلى تأسيس دولة العدل والديمقراطية، وانزلقوا إلى حرب أهلية صفرية وانقسموا مناطقياً؛ لذلك فإن اصطحاب التجربة الصومالية الفاشلة والنظر عبر تلك العدسة إلى تجارب الشعوب الأخرى أدّت إلى ظهور فئتين: إحداهما ترى أن الثورات العربية ليست سوى مؤامرة أو فتنة، وأن الأنظمة على استبدادها تحقق الاستقرار، وأخرى بدأت تعيد النظر في التجربة الصومالية وتراها من جديد، وتعتقد أن الحراك ضد النظام كان حقاً بسبب فقدانه الشرعية ومبادرته بالقتل والحبس لكل صوت معارض، وأن فشله لا يعني أنه في الأساس خطوة سيئة.وهذا ما اتضح في إجابات الفيسبوكيين عن استطلاع غير علمي أجريته على صفحتي. وجدير بالذكر أن فئة من الصوماليين يتحرجون من تحديد موقفهم، فهم مرة يجيبون بأن الثورات حق، وأنهم يستحضرون التجربة الصومالية إما دائما أو أحياناً، ولكنهم مع ذلك يحكمون على التجربة الصومالية من منظور الأنظمة، وهذا يظهر من إجابتهم على سؤال من طبيعة الحراك ضد النظام، هل كان حراكاً قبلياً منذ البداية والنظام لم يكن قبلياً، أم أن دعاية النظام هي من نشرت هذه المغالطة؟ تجد بعضهم يتحرج من قول أن النظام كان قبلياً وأنه نشر هذه المغالطة لمنع الاصطفاف مع المعارضة. راسلني بعضهم قائلين الحراك كان قبليا والنظام كان قبليا، والمعارضة كان أكثر قبلية!

علماً أن المراجعة التاريخية المتجردة لحركات التمرد تظهر أن جبهة الإنقاذ وهي أولى الحركات بدأت وهي تضم بين صفوفها نشطاء مدنيين وعسكريين من مختلف القبائل، وبقي النظام يستهدفها بالدعاية المضادة حتى يتمكن من وصمها بالقبلية والعمالة، ولتفكيكها في منتصف الثمانينات صالح القبائل التي يشكل أبناؤها العمود الفقري للجبهة بالإفراج عن أقاربهم المعتقلين والتعويض المادي عن القتلى، ووعود بمشاريع تنموية.

وعندما ظهرت الحركة الوطنية في بداية الثمانينات تناولتها دعاية النظام بالمثل، واتهمتهم بالخيانة والجنوح للانفصال، حتى أنها -أي الدعاية- نجحت في تحييد المواطنين، وقد تجد حتى اليوم من يبرر للنظام المجازر التي ارتكبها، ويوجد بيننا حتى كتابة هذه السطور من لا يشعرون بأي تعاطف تجاه تلك الجريمة النكراء.

ولن أتناول هنا حركة المؤتمر الموحد التي يحكم الصومالييون على تجربتهم من خلالها بسبب أدائها الكارثي بعد إسقاط النظام وارتكابها لخطايا ليس هنا محلها؛ لأنها تأسست في أواخر عهد النظام الشيوعي، ولم يكن سجل نضالها حافلا، ولعل افضل ما يذكر في سيرتهم العريضة التي قدمها بعض النشطاء للرئيس محمد سياد بري وعرفت بالمانيفيستو وسجن الموقعون حينها.

إن وصم الحراك بالقبلية بسبب تداعياته، دون النظر لبداية الأحداث، وكيف لعب النّظام على وتر القبلية وتطبيقه لمقولة “فرق تسد”، ما هو إلا نتيجة اعتماد الصوماليين على الرواية في تأريخ ماضيهم القريب، والرواية تعتمد على هوى الرواي وخلفيته، كما أن الصومالي يتحرج من الوقوف على تاريخ هذه الحركات في بدايتها وكيف تعامل النظام معها، وتقتصر نظرتهم على جانب واحد: “ما هي مكونات هذه الجبهة أو الحركة؟”

التجربة الصومالية وثورات الربيع العربي

شعر الصوماليون بعد حراك الشعوب العربية أن ما جرى في بلادهم، يجري بصورة ما في العالم العربي، وأن ثورات ما عُرف بالربيع العربي لم يحل مشاكل الشعوب، فتونس التي يُقال أنها أفضل التجارب وأنجحها، ما زالت تعاني مشكلات مثل البطالة وقلة التنمية، ومصر انتكست ووقعت تحت استبداد أشنع مما كانوا يعانون منه، وسوريا واليمن وليبا أصبحوا دولا فاشلة، ولعل أقرب نموذج للتجربة الصومالية هي الثورة السورية، سواء بكثرة الفصائل التي تسيطر كل منها على منطقة بعينها وتقوض جهود بعضها البعض، وكذلك في تضارب مصالح دول الجوار والقوى الدولية، وقبل كل شيء تجريم الحراك من بدايته بوصفه طائفيا.

أدركت الشرائح الواعية من الشعب الصومالي أنّ الأنظمة كلما أفسحت المجال في وقت أبكر، بعد شعورها بغليان الشعوب، كلما قلّت تكلفة الانتقال الديمقراطي. فهروب بن علي من تونس قلل من تبعات الحراك، ومصر كذلك لولا انتكاسة 3 يوليو 2013م، بينما دفع السوريون والليبيون الكثير من الدماء وما يزالون، لكن الطريق للحرية والكرامة ليس لديه طريق فرعي مختصر، ولهذا أقول أن سوريا مثلا سيكون لديها مستقبل أفضل من مصر التي فضل ثوّارها الحل السلمي، فكلما علا الثمن، كان التشبث بالحرية والكرامة أقوى.

لكن الجدير بالذكر أن الشعوب العربية التي لم تر في التجربة الصومالية سوى الوجه المعتم، ولم تدرسها بدافع الاستعلاء على افريقيا والتوهم بأنهم مختلفون وليسوا همجيين مثلنا، لن يستفيدوا منها، ولهذا تجد الصومالي يعلق على الثورات بصوت غير مسموع غالبا، ويقدم نصائح للتعلم من تجربتنا، تجربتنا التي لم تكتمل لكنها تبدو واعدة وإن متأخراً، ولعل هذا التأخر يعطي صورة لمن يمرون بتجربة شبيهة من تجربتنا أن الثورات لا تجلب الحلول، بل هي بمثابة القنطرة التي تنقل من ضفة لضفة، وأن أمامهم عملية طويلة من البناء، وسيكون مفيداً أن يطلعوا على التجربة الصومالية.

مكاسب الحراك الصومالي

بداية ينبغي أن نتذكر أنّه عندما حدث الحراك الصومالي، لم تكن المعلومات متاحة ولا يمكن الوصول إليها، كما لم يكن الوعي الصومالي -وربما لا يزال- ناضجاً بما يكفي ليدرك ما هي لعبة النظام الذي شاء الخلود، وشاءت إرادة الناس أن تزيله، وبالتالي؛ قد يكون الحديث عن المكاسب ضربا من الجنون، وقد يقول قائل: مكاسب ماذا؟ لقد أصبحنا رمزاً لكل ما هو سيء، الجوع والدمار والفقر والفساد والإرهاب والقرصنة، كل هذا صحيح وملموس، ولكننا في الصومال قررنا أمراً هاما رغم الصورة السيئة جدا والواقعية جدا والتي اعتبرها ضريبة للوصول إلى بر الأمان، قررنا العيش بحرية وبكرامة، ودفعنا أكثر من ربع قرن من أعمارنا لنواصل مسيرة بناء الدولة، وما زال أمامنا الكثير لننجزه.

ومع قبول فكرة أن الوعي الشعبي ما زال غير ناضج لعدة أسباب، إلا أن الوعي السياسي يتجلى في استيعابهم أن احتمالية الانقلاب العسكري لم يعد وارداً، وأن فكرة الاجتثاث أو الاقصاء خيال بحت، وأنه لا غالب ولا مغلوب، وعلى الجميع التعايش معاً، في هذه الأرض، ولهذا ربما اختاروا صغية لتقاسم السلطة يشبه مشكلته-إذا سلمنا أن المشكلة كانت شعور القبائل بالاقصاء والظلم- وهي صيغة 4.5، أي ان يكون نصيب القبائل الكبيرة متساواً.

على الصعيد الفكري، أعادت التجربة الصومالية سؤال الهوية والانتماء، فمسألة الانتماء للعروبة كانت نادراً ما تُناقش، فأصبح التشكيك في صحة هذه السردية من الأمور المألوفة في المناقشات، وشاعت فكرة نبذ تجانس المجتمع لغويا ودينيا وعرقياً، على أساس أن هذا أمر يطمس التنوع في المجتمع، ويلغي بعض الفئات. وأن قوة الأمم ليست فقط في تجانسها بل وحدة نظرتها للمصالح الوطنية.

لم يعد الشعب الصومالي في عمومه يقبل بأبوية أي نظام، فالسجن بسبب رأي أو تقرير صحفي لم يعد مقبولاً، ولا بأن يفرض رئيس ما نفسه عليهم، بل تنتقل السلطة بسلالة إلى حد كبير. وذكر أكثر من معلق على سؤال عن مكاسب الحراك الصومالي أن انتهاء النظام السلطوي هو أكبر مكسب على الإطلاق، ما سمح بانفتاح كبير غير مسبوق على مختلف التيارات الفكرية، وإن كانت الحركات الإسلامية-بالإسلام السياسي- هي الأوسع انتشاراً وعدّ أحدهم تنمية المحافظات من المكاسب، هذا

وقد نتج عن الحرب الأهلية والانقسام المناطقي ما هو أفضل من ذلك كله وهو تبني نظام فيدرالي يناسب طبيعة الشعب الصومالي تاريخيا إذ لم يعرف الصوماليون قبل الاستقلال نظاماً مركزياً يحكمهم، فكلّما توزعت السلطات والنفوذ بينهم، كلما جنحوا للسلم، وهو قيد التطوير والتحسين.

قد نخجل من تسمية الحراك الصومالي بـ” الثورة”، ظناً منا بأن الثورات تطلق على الحراكات الناجحة فقط، لكن التاريخ يظهر لنا أن الثورة لا تكون عملا رومانسيا سلميا، يرفع الناس لافتات معترضة، فيخجل النظام ويفسح المجال لها ويتنحى بكل آلياته وأدواته، ثم تجهضها ما يسمى بالدولة العميقة أو تواجهها الثورات المضادة التي تكون أشد شراسة  وأكثر وحشية، ويعلمنا التاريخ أيضاً أن الثورات حراك طويل وليس موجة سحرية ينقلب فيها الحال إلى الأفضل فوراً، فما تفسده الأنظمة البائدة في عقود، لا يمكن إصلاحه في أيام معدودات.

وقد نظن أن الدافع لدى حركات التّمرد كان قبلياً، والهدف منه الاستيلاء على السلطة، ولكن.. ألم يكن النظام هو القبلي الذي استولى فعلياً على السلطة، ما يعني أنه هو من روّج لنظرية الطبيعة القبلية للحراك، حتى صارت القبيلة ككيان اجتماعي أداة وسلاحاً في الحروب الأهلية التي انزلقت إليها البلاد؟ مهما يكن الأمر، فقد مرّ الصومال بربع قرن صعب، من الاقتتال والجفاف والمجاعة، والاهمال الإعلامي والتهميش الدولي.

ولكن ماذا حصل اليوم؟

حدث التالي: تفاجأ العرب بصورة ثلاث رؤوساء كانوا كلهم مرشحين للرئاسة، لم يفز الرئيس المنتهية ولايته، ولا الرئيس السابق، بل المرشح الذي لم يسبق أن تولى الرئاسة، فرفعوا أيديهم المتشابكة عاليا، وهذا مشهد غير مألوف ولا متوقع في جمهوريات العالم العربي. ولكن الطريق إلى هذه اللحظة لم يكن مفروشاً بالورود بل محفوفا بالمكاره، وبعد تخبط طويل، والمسار لمّا ينته بعد..ولن ينتهي قبل إرساء الدستور وقانون الانتخاب وغيرها من الأمور التي تتطلب منا التوافق شبه التام حول ماهية الدولة الصومالية.

عن سميه شيخ محمود

سميه شيخ محمود

شاهد أيضاً

الصومال: لهذا فضل الحياد في الأزمة الخليجية

لم يكن للصومال منذ إسقاط نظام محمد سياد بري سياسة خارجية مفهومة وثابتة، وغالباً ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.