الرئيسية / منوعات / مجتمع / الفن :الصراع القديم الجديد بين القيم والسلطة

الفن :الصراع القديم الجديد بين القيم والسلطة

الفن ظاهرة إنسانية ولدت مع الإنسان، وحيث يوجد الفن يوجد البشر، بغض النظر عن إثنياتهم, وقومياتهم وأعراقهم وأديانهم وألوانهم، وعلى مرالعصور ما قبل التاريخ ومابعده.وأعني بكلمة الفن هنا معناه الواسع، سواء كان فن الرسم أو النقش أو الشعر، أو النثر، أو الغناء.

هذه الظاهرة العابرة للحدود والوجدان ليست مقتصرة عند حدود معينة، بل لديها أهمية أكبر من ذلك، لصلتها الوثيقة بالهوية الإنسانية، إذ يعبر كل الشعب من خلال الفن عن مشاعره وأحاسيسه وجماله فضلا عن الحب والتاريخ، سواء كان ذلك في السلم أو الحرب، وهنا تمثل اللغة أهمية كبيرة إذ هي الوسيلة التي من خلالها يعبر الفن الى الوجدان الإنساني، إذا افترضنا أن اللغة هي أحد المكونات الرئيسية التي تتشكل منها الهوية إلى جانب العقيدة والثقافة.

يمثل الغناء العمود الفقري بالنسبة للفن الصومالي إلى جانب الشعر رغم حداثة عهد الغناء الحديث بالمقارنة مع الشعر الذي مثّل وسيلة التعبير الأسمى بالنسبة الصوماليين وعبروا به عن أفراحهم وأتراحهم وانتصاراتهم وبطولاتهم ناهيك عن الحب لم يقتصر على ذلك فحسب بل كان مصدرا لإثراء اللغة الصومالية وحفظها من الاندثار إذ لم تكن لغتنا الصومالية مكتوبة قبل السبعينيات من القرن المنصرم. وكان الشعر هو الصفحات التي كتبت جزء كبيراً من تاريخنا وتناقلته الأجيال المتعاقبة إلى أن دونت في صفحات الكتب حين أصبحت لدينا لغة مكتوبة.

عزز الغناء الحديث مكانة الفن عندالصوماليين حين ظهر في مدينة بورما وكان ذلك في نهاية الأربعينات. ويعتبر عبد سينموا أبا الغناء الصومالي الحديث ومؤسسه، وقد سمي هذا النوع من الغناء في البداية (بلو) وبدأ ينمو ويتطور إلى أن وصل ما هو عليه اليوم، وتلك قصة طويلة ليس من المناسب خوضها هنا.

بعد مجيء الاستعمار إلى المنطقة وسيطرته على الأراضي الصومالية، أصبح الشعر جزء لايتجزأ عن سلاح مقاومة الاستعمار، إلى أن جاء الشيخ المجاهد السيد محمد عبدالله حسن وأعلن ثورته المسلحة ضد المستعمر، وكان الشعر أحد أهم أسلحة الثورة إلى جانب السلاح التقليدي،  وكان سيد محمد عبدالله حسن يحرض الصوماليين بالشعر من أجل التنبيه خطورة المستعمر وضرورة تحرير الوطن.

وبعد جلاء المستعمر الإنجليزي والإيطالي؛ توحد الشطران الشمالي والجنوبي وشكلا الجمهورية الصومالية، قبل تغيير الاسم إلى جمهورية الصومال من قبل نظام سياد بري الذي انقض هو ورفاقة على الديمقراطية الوليدة، وأعلنوا ثورتهم ودخلت البلاد منعطفا ما زالت تعاني تبعاته حتى الان. وشكل الحكم العسكر الذي بدأ 1969 اختبارا حقيقيا للمثقف الصومالي الذي كان من المفترض أن يدافع عن الحرية والعدالة والمساواة. ولقد تأملت كثيراً ومرت أمامي أسئلة كثيرة في ظل انعدام وسائل التعبير كالتلفزيون والصحف والإذاعات وتأميم المساجد، وفي هذا الجو المشحون بشعار القومية الصومالية التي رفعها النظام كيف كان المثقف الصومالي سيمارس دوره المطلوب؟ هل سيخوض مغامرة تنتهي إلى الانتحار؟

هنا سكت الجميع، وفضل البعض الصمت تجنبا لما هو أسوأ، اللهم إلا قليلاً منهم فضلوا المواجهة رفضوا الاستسلام، فاستشهد بعضهم مثل العلماء الذين أعدمهم النظام؛ وفي ظل هذا الوضع برز دور الفن والفنانين (الشعراء والفنانون ) وألف الشعراء الصوماليون مسرحيات ذات مغزى وذات عمق سياسي، وأغاني معظمها سياسية ظاهرها الحب وباطنها دون ذلك.

في البداية، التقط النظام سياد بري هذه الإشارات، أو قل تمرد الفن الصومالي على سلطته، وحاول أن يثنيهم عن هذا التمرد بالترغيب تارة، وبالترهيب تارة أخرى، حتى سأل سياد بري أحد الشعراء: لماذا تستخدم كل ما تقوله ضد النظام؟ فرد عليه: ماقصدته شيء أما كيف اُستخدم فهذا شيء آخرـ وأنا لا أملك سلطة لأجبر الناس على أن يفهموها كما قصدت.

ثم ما لبث أن بدأ الشعراء سلسة من الشعر الصومالي والتي اطلق عليها اسم ( سينلي ) وقد شارك في هذه السلسة من الشعر معظم من كانوا في الساحة آنذاك, وأدلى كل واحد بدلوه، وتلتها سلسلة أخرى أطلق عليها اسم ( ديلي) وأكد الشاعر الكبير محمد ابراهم ورسمي هدراوي أن هذه السلسلة الأخيرة كانت بمثابة هجوم علني واعلان حرب عليه، فاعتقل بعض من شاركوا وسجنوا ودفعوا ثمن ذلك في السجن سنين عددا.

المواجهات بين السلطة والفن تدور رحاها في كل أصقاع الأرض، يتراجع الفن حينا وينتصر حينا آخر، ومن أبرز هذه الانتصارات انتزاع السود حقوقهم في امريكا، حيث كسرت موسيقى الجاز التي ولدت في رحم المعاناة حاجز التمييز العنصري في البداية، وأصبح البيض والسود يختلطون فيما بينهم أثناء العزف والغناء؛ ولم يكن انتصار الفن هنا فقط، بل أيقظ الفن أمماً من غفلتها الطويلة، وما الرسم على جدران المدرسة السورية التي اشعلت ثورة شعب عنا ببعيد.

هذا الصدام بين الفن والسلطة ليس جديدا، بل هو صراع قديم متجدد، وسيظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وكل مجتمع له مفكرون ومثقفون، والشعراء والفنانون بالنسبة للصوماليين بمثابة المفكرين والمثقفين، لأنهم هم من قاموا بدور المثقفين _على الأقل_ أكثر من غيرهمم، لأن المجتمع الصومالي لم يعرف المفكرين والمثقفين بالمعنى الحديث، وكون المفكر والمثقف يدافع عن القيم العليا كالحرية والعدالة والمساواة فأنّ من قام بهذا في تاريخنا الصومالي هم الشعراء والفنانون لذلك آثرت أن أسمي هذه الفئة بـ(الشعراء والفنانين) من المفكرين والمثقفين؛ وباعتبار الفن والفنانين مدافعين عن الجمال والحرية والعدل والمساواة، يصبح انتماء الفن انتماء إنسانياً، لأن هذه القيم هي قيم تتشارك فيها كل الإنسانية. أما الانتماء للوطن بما يشمل ذلك من حدود جغرافية وسياسية، فمن الطبيعي بل من الواجب أن يكون للفنان موقف واضح حول القضايا التي تدور في واقعه أو وطنه. يلتزم الفن والفنان بالقضايا الوطنية الكبرى التي تحظى بإجماع الوطن أو بمعنى آخر الثوابت الوطنية. لذا يصبح الفن وطنياً من حيث الحدود الجغرافية، ويبقىى إنسانياً من حيث القيم الإنسانية السامية. ويظل الفن الصومالي جامعاً لكل الصوماليين، وحارساً لهويتهم المشتركة، وخادما للدين حين يكون ملتزما وحاميا للغة الصومالية.

ومع انهيار الدولة الصومالية تحرر الفن الصومالي من القيود التي فرضها نظام سياد بري، ووجد الفن الصومالي فضاء رحبا وواسعا بالرغم مما يشاع من انحسار في المعنى والمحتوى لدى الفن الصومالي.أما الأقاليم الصومالية الأخرى كجيبوتي والإقليم الصوماليبن في إثيوبيا وكينيا، فما زال الفن الصومالي يعاني بعض الإشكاليات المتعلقة بالوضع السياسي في هذه المناطق. ولايزال بعض الشعراء والفنانين منفيين قسرياً. وهذا يدل على أن الصراع بين الفن الصومالي والسياسة مازال مستمرا، تحاول السياسة أن تسيطر على الفن ويأبى الفن إلا أن يكون عنيدا ممانعا ومقاوما.

عن مختار علي محمد

مختار علي محمد

شاهد أيضاً

ثلاثة أسباب تدفع الشباب الصومالي في المهجر إلى عدم التحدث بلغتهم الصومالية

في البداية يجب علينا، نحن الشباب الصومالي المغترب، أن نعلم أن اللغة الصومالية في الصومال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.