الرئيسية / مقالات رأي / آراء فكرية / ما بعد الانحراف الفكري: هل نحن بحاجة إلى وصف الأفكار بالمنحرفة؟

ما بعد الانحراف الفكري: هل نحن بحاجة إلى وصف الأفكار بالمنحرفة؟

انها افكار منحرفة! يصرخ أحدهم..

هناك عبارات في سياقها الاجتماعي والثقافي تبدو مسلمة وبديهية، من بين تلك العبارات “عبارة الانحراف الفكري” ويقصد بها دائما الخروج عن الاعتياد. هذه العبارة صارت عبارة قاسية تقف أمام التفكير الحر، كما أنها تعرقل تداول الأفكار، والقضاء على الأفكار الميتة، حيث أن انتشار الأفكار المميتة في داخل مجتمعنا هي نتيجة فقدان الوعي النقدي، ولهذا انتشرت الميكروبات الفكرية في عقولنا.

هذه المقالة لا تحاول ان تصل الى جواب نهائي وحتمي بقدر ما تسعى إلى فهم وتحليل إنسانية هذه العبارة، ونقصد بإنسانية هذه العبارة، أن كل الأفكار والثقافات التي يصنعها الإنسان قابلة للدحض وقابلة للنقد وبالتالي يمكننا أن نتجاوز كل إنتاجات الفكر الإنساني الذي لا يتوافق مع ظروفنا التاريخية، وبالتالي نريد ان نوضح ان عبارة “الانحراف الفكري” يسيطرها الموقف العاطفي أكثر من الموقف العقلاني أو المعرفي، ولذلك ليست حكما منطقيا على الأفكار. واعتقد اننا لسنا بحاجة إلى وصف الأفكار بالانحراف، بقدر ما نحتاج إلى النقد ومحاكمة الأفكار علميا ومنطقيا.

لا نسعى إلى استفزاز القارئ أو استفزاز شريحة معينة من المجتمع، وليس من غرضها الاستفزاز بتاتا، بل تسعى إلى فتح أبواب النقد على كل المسلمات الاجتماعية والثقافية، التي تسللت إلى عقولنا بوعي أو بدون وعي.

الانحراف الفكري والطبيعة العاطفية للإنسان:

كثيراً العواطف هي التي تقود أفكارنا والفكرة ليست عموما إلا خلاصة لعاطفة يطل تطورها لا واعيا” (لوبون: ١٣٥). والإنسان بطبيعته كائن عاطفي تسيطر عليه العاطفة والانفعال. وتمثل الأفكار القديمة (التصورات/الأعراف) دوراً مهما في التكوين العاطفي والعقلي. وبالتالي نقد تلك الأفكار وطرح أفكار جديدة تعتبر بمثابة إهانة على العواطف التي تشكلت عبر الوراثة أو عبر الاعتياد. وهنا يحدث الانفعال. والانفعال هي عاطفة لحظية سريعة الزوال تقريبا تنتج عن ظاهرة مباغتة”

إن طبيعة الأفكار الإنسانية طبيعة عاطفية مرتبطة بالشعور والانفعال، ولا يميل الانسان دائما بالأدلة والبراهين العقلية فحسب بل يسعى الى اشباع رغباته العاطفية، ولا سيما في عالم الأفكار. لا يوجد من يرضى أن يوصف أفكاره وتصوراته بالتفاهة أو ما شابهها من العبارات القاسية التي يستخدم غالبا في محاكمة الأفكار.

مثلا الأفكار التي تعتنق ان مشكلتنا نتيجة عن الاستغلال الطبقي وتاريخ الإنسان هي تاريخ الصراعات الطبقي، أطلقها ماركس في تحليله للتاريخ، فهذه الفكرة يعتنقها الماركسي صحتها، وبالتالي يرتبط شعوره العاطفي التي قد تنفعل في لحظة معينة عندما يحاول أحد الرأسماليين تفنيد هذه الفكرة.

ما اود ان أصل إليه هو أن إطلاق عبارة الانحراف على الافكار في معظمها هي طبيعة عاطفية وليست طبيعة عقلانية، تنطلق من التفكير النقدي الذي يقف عند المقدمات المنطقية ليحاكم النتيجة.

الانحراف والأخلاق:

كلمة الانحراف تحمل دلالات سلبية في الوعي الجمعي لأنه يرتبط بالقيم الأخلاقية، ولكن ليس كل انحراف سيء في طبيعة الحال، وليس الانحراف في الغالب موضوعا اخلاقيا بامتياز. غير أننا نتجاهل بصورة ما عن طبيعة الأخلاق، هل الأخلاق مجرد أحكام مسبقة لا أساس لها؟ ام في مقدورنا أن نقدم أسباب تمسكنا بمعتقدات أخلاقية؟

الانحراف في جوهره هو كسر القواعد والأخلاق العام وما نقصده هنا المعايير الثقافية السائدة، لكن هنالك سؤال يطرح نفسه، هل كل القواعد الأخلاقية العامة عند مجتمع ما صالح كل الثقافات الاجتماعية الأخرى؟ أو بمعنى آخر هل القيم الأخلاقية هي قيم مطلقة؟

معظم الأخلاق قائمة على ثلاثة أنماط:

١. فكرة الواجب: ويقصد أن على كل منا واجبات معينة، أي علينا أفعال ينبغي لنا أو يمنع علينا القيام بها، والتصرف الأخلاقي يبلغ ذروته عند تنفيذ هذا الواجب.

٢. فكرة التوابع: يستخدم في توصيف النظريات الأخلاقية التي تحكم الصواب أو الخطأ، والفعل ليس وفقاً لمقاصد الشخص الذي يقوم بالفعل، وإنما وفقاً لتبعات هذا الفعل.

٣. فكرة الفضيلة: تركز على الشخصية ويهتمون بحياة المرء ككل، حيث إن السؤال المركزي هو “كيف اعيش؟” والجواب تحصن في الفضائل.

إن جوهر الأخلاق مرتبطة بالطبيعة الثقافية للمجتمعات حيث تنشأ الأخلاق حسب الخبرات والممارسات، وذلك جزء من المتغيرات التي تخضع الطبيعة والأنماط الإنتاج، فليست الأخلاق موضوعا يخرج من التفاعلات الاجتماعية والسياسية والثقافية. وبالتالي وصف الانحراف يطل موضوعا مرتبط بالأخلاق، وحتى الدراسات الاجتماعية التي اهتمت موضوع الانحراف كان مرتبطا بـ الجرائم والانحرافات السلوكية، فإذا نظرنا من جانب الاخلاق فان يطل موضوعا نسبيا يخضع بالمتغيرات الاجتماعية والثقافية. ولا ينكر احداً من الدارسين بموضوع الانحراف بأن الجرائم والسلوكيات المرتبطة معه مثل المخدرات بأنها سلوكيات منحرفة، ولكن لا تكتفي هذه الدراسات بالوصف فقط، بل تحاول أن تدرس طبيعة هذا الانحراف، أسبابه، ولماذا بعض الجماعات والتجمعات السكنية تكثر فيها الجرائم والسلوك المنحرف، وسوف نبحث هذا في موضوع التالي.

الانحراف في الدراسات السوسيولوجية:

قبل أن نتحدث عن الانحراف الفكري نود ان نبحث كيف تحدث العلماء الاجتماع فكرة الانحراف وطبيعته. ففي علم الاجتماع مثلا يشار الانحراف Deviance إلى السلوكيات والتصرفات والمعتقدات والأنماط التي تكسر قواعد واعراف واخلاقيات وتوقعات أي مجتمع” وفي المقابل التفسيرات البيولوجية والسيكولوجية والفردية الوضعية التي ترى الانحراف باعتباره شيئا متأصلا في أنواع معينة من التصرفات او الاشخاص.

اعتبر علماء الاجتماع والثقافة الاجتماعية أن الانحراف خاصية متعلقة للوضعية الاجتماعية والبنى الاجتماعية، وسلطو الضوء ليس فقط على عمليات كسر القواعد وإنما كذلك على صناعة القواعد وتعزيزها ونقلها، ولا يوجد اتفاق ثابت على جوهر الانحراف ففي الواقع إن جميع الدراسات السوسيولوجية تأخذ نوعا من الانحراف، مثل الانحراف الجنسي أو الانحراف السلوكي (الجريمة) وتربطه بالقيم والمعايير السائدة أو خروج عن المعتاد.

من الملحوظ في هذه الدراسات السوسيولوجية أنها لم تربط الانحراف ولو مرة بالأفكار، وأنها حددت الانحراف بأنه موضوع متعلق بكسر القواعد، وهنا يستوقفني مفهوم “القواعد” لأنه مفهوم جوهري في فهم معنى الانحراف، ومن المعروف عمليا أن القاعدة تشير إلى وجود وضع إنساني والذي من خلاله تم وضع القاعدة، ووضع القاعدة يحتاج إلى هيمنة وقوة تفرض هذه القواعد على الآخرين، والقواعد الاجتماعية تفرضها الجماعات القوية في داخل المجتمع التي تتمتع بالسلطة والهيمنة.

اما ارتباط الانحراف بالفكرة فهو موضوع خارج عن سياق الدراسات الاجتماعية والثقافية لأنه، غير موضوعي بقدر ما هو ذاتي بامتياز، وهو حكم ذاتي يتم تعميمه بغرض عاطفي، ونناقشها في الفقرة التالية.

طبيعة الانحراف الفكري:

ظهر في فترة لا أستطيع تحديدها ما يعرف بالانحراف الفكري ويقولون بأنه هو الفكر الذي لا يلتزم بالقواعد الدينية والتقاليد والأعراف والنظم الاجتماعية السائدة والملزمة لأفراد المجتمع. وبالجانب الاخر لا يوجد احداً من العلماء السوسيولوجيين حسب معرفتي قام بتوظيف مفهوم الانحراف كموضوع فكري وفلسفي وجميع الدراسات المتعلقة بالانحراف هو موضوع سوسيولوجي يهتم بالسلوك الاجتماعي والنفسي. لكن بظروف فكرية وتاريخية قام بعض المتعصبين توظيف هذا المفهوم كمعيار للأفكار التي لا تنطلق نتائجها ولا مقدماتها وأسسها ومنطلقاتها المتعارفة فيما بينهم. لذلك يطلق على كل فكرة تخالف المعتاد والمتعارف عليها، بانها افكار منحرفة، من خلال ذلك اود ان أنبه ان دراسة هذا الموضوع تكمن مشكلته في عدم موضوعيته ودخول الذات والموقف المعيارية في جوهر الفكرة، فكل ما يوصف بأنه انحراف فكري، معظمها وإن لم اقل كلها تنطلق بموقف ذاتي غير موضوعي، وان كان الانحراف متعلقا بالموضوع تكون الذات مكوناتها المعرفية لها دورا بارزا في تحديد ماهية الانحراف الفكري. لذلك سيصعب علينا أن نصل نتيجة حتمية في تفكيك هذا الموضوع ونقده.

كما قلنا من قبل أن الانحراف هو السلوكيات والتصرفات والمعتقدات والأنماط التي تكسر القواعد والأعراف والأخلاقيات وتوقعات المجتمع، هنا قدمنا عدة مفاهيم منها السلوكيات والمعتقدات والقواعد والاعراف والاخلاق والمجتمع، فما هي علاقة كل هذه المفاهيم مع بعضهم؟

يعتبر موضوع الموروث والتقاليد من محددات والمعايير التي يمكن أن تحدد موضوع الانحراف الفكري، والموروث نظام من المعاني والأفكار انتقل من الماضي وتلقفته أجيال متعاقبة، وتوجد الموروثات باعتبارها معاني يحافظ عليها أعضاء مجتمع بعينه، ويتم تداولها من فرد إلى آخر بشكل سلسلة من المعاني التي تشمل ذكريات جماعية أو مشتركة. ويمكن ان تتغير محتويات الموروث كلية بمرور الزمن. ومن خلال هذه الموروثات ينشأ من خلالها موضوع الأخلاق والقواعد العامة التي تحدد السلوك الفردي وتحدد ما يجب أن يعمل وماذا لا يجب أن يعمل؟ لكن يظل التساؤل حول هذه القواعد والأخلاق التي ورثناها من الماضي قائمتا مادام الإنسان يتفاعل مع الزمن ومتغيراته. وكما نعرف يتغير الوضع الأخلاق والقواعد كلما تغيرت الأسس التي قامت عليها، لذلك تتحول بعض المفاهيم إلى مفاهيم غير نافعة احيانا بسبب التراكمات المعرفية التي يحصلها الإنسان في الواقع المتغير.

الانحراف الفكري يتعلق دائما بتلك القواعد والأخلاق المستنبطة من الموروث والمعاني والأفكار التي انتقلت إلينا حسب الحكايات والتنشئة الاجتماعية. فالخروج من هذا الموروث هو الانحراف بعينه أي الميل عن المعيار الأساسي. الأفكار المنحرفة هي أفكار خرجت عن المألوف وعن الأشياء المعتادة وهي في الأساس انحرفت عن القواعد الأخلاقية التي يقوم بها الفكر الأول المنحرف عليه.

يقوم الفكر المنحرف عليه أسس تاريخية وموضوعية تتعلق بالزمان والمكان فهو بطبيعته منتج إنساني يخضع كل ما يخضع للفكر الإنساني، ومن محددات الفكر الإنساني موضوع الزمان والمكان والتاريخ بصفة عامة، لأن الفكر الإنساني يكون مثل المنتجات لها فترة انتهاء تفقد الفكرة وظيفتها، بانتهاء مبرراتها المنطقية التي قامت عليها ينتهي صلاحيتها.

بعد الانتشار الواسع للاكتشافات العلمية وانفتحت آفاق العالم نحو التغيير والسيطرة على الطبيعة أصبحت البشرية تتأثر على هذه الاكتشافات وهذه القواعد المنطقية الجديدة.

في الانحراف الفكري المعروف أصبح في وضع مأزوم اذ اصبحت القواعد التقليدية تعاني من تجاوزات التاريخ ومحاولات الإنسان من انعتاق الماضي فكل ما تحرر الإنسان من الماضي تجرأ على نقض مفاهيمها وأسسها الفكرية، فهذه الحالة تعتبر انحراف على المعايير والقواعد العامة.

من المفاهيم التي تشيد استخدام مفهوم الانحراف الفكري هي المعايير الأخلاقية المتعلقة بالحق والباطل فهي أشد خطورة من مفاهيم الخطأ والصواب، لأننا يمكن ان نثبت ما هو صواب على ما هو خطأ باستخدام المنطق والأسس العقلية، لكن ستظل مفاهيم الحق والباطل غير قابلة للدحض لأنها مفاهيم مقدسة شعورية، فيصعب تشكيك معيار الانحراف في تلك المفاهيم، فالخروج عن الحق والميل إلى الباطل هي من أشد أنواع الانحراف التي لا يمكن دحضها أو إثباتها إلا عن طريق الإيمان أو الكفر بتلك القيمة الموصوفة بالحق.

وسيطل موضوع الانحراف (الفكري) في محك مادام هناك صيرورة ثقافية، وأن حركة التاريخ تجعل بعض الأفكار الموصوفة بالحقيقة مجرد أضحوكة وتفاهة، حيث تنقلب بعض الافكار الموصوفة بالانحراف الى مفاهيم صحيحة بل نظرية علمية، كما حدث في التاريخ العلمي. فمعظم النظريات العلمية التي هزت العالم قوبلت بالرفض، لكن بقدرتها العالية وكفاءتها تحولت إلى حقيقة علمية وتجاوزت كل المطبات التي وضعها المخالفون ضدها.

في الختام كما يبدوا في مقالتنا اننا انتقدنا السياق الثقافي والاجتماعي لمفهوم الانحراف، وكان غرضنا الأساسي هو تفكيك مفهوم الانحراف الفكري، حتى نصل الى اللاعقلانية الكامنة فيه.

واعتقد ان المنطق والفكر العلمي كافية لإدراك صلاحية الأفكار وقيمتها الواقعية، ومن خلال النقد العلمي يمكننا أن نقيس التماسك المنطقي للفكرة، وكذلك مدى قدرتها على تفسير الحقائق، وبالتالي أعتقد أننا لسنا بحاجة إلى استخدام مفردة الانحراف في النقاشات الثقافية والفكرية.

عن عمر علي باشا

عمر علي باشا
عمر علي باشا، طالب ماجستير في الاقتصاد يهتم بالفكر والفلسفة

شاهد أيضاً

الصومال: لهذا فضل الحياد في الأزمة الخليجية

لم يكن للصومال منذ إسقاط نظام محمد سياد بري سياسة خارجية مفهومة وثابتة، وغالباً ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.