الرئيسية / مقالات رأي / آراء فكرية / لماذا السلفيون سلفيون؟!

لماذا السلفيون سلفيون؟!

تحزب المسلمون عقب رحيل النبي الكريم عليه السلام بسنوات فقط وافترقوا في الآراء في شتى مجالات الرؤي؛ اختلفوا في السياسة واقتتلوا، اختلفوا في المعتقد واختصموا في الكلام وتنازعوا في النصوص المقدسة و اقتطعوا أوصالها كل فرقة تستضعد بآية أو أثر نبوي وفي خضم هذا التشرذم الديني هناك فرقة حاولت و لا تزال الاستحواذ على شرعية الوراثة لقدماء المسلمون من الصحابة و التابعين و ما عرف بالقرون المفضلة ، هذه الطائفة عرفت قديما بأهل الحديث و أهل السنة و اليوم يمثل غالبها التيار السلفي المتشرذم في داخله فلماذا هذا التيار الاسلامي يحتكر السلف ؟!
قبل أن نحاول الإجابة يجب أن نتساءل سؤالا آخر حول السلف المعني نفسه فأي سلف يقصدون؟ ونحن نعلم أن الصحابة وهم منتهى سلف الأمة اختلفوا واقتتلوا ومن رحم هذا الاختلاف خرجت فرق من المسلمين كالشيعة والخوارج والنواصب ومن نفس تبعات هذا الاختلاف في الجيل الأول خرج كثير من باقي الفرق بما فيها أهل السنة والمعتزلة في خلافهم حول التكفير بالكبيرة ومنزلة مرتكبها وهي مسألة تعود لعهد الصحابة حيث ظهر الخوارج بموقفهم ؟! هم دائما يلتقطون سلفهم من بين السلف بانتقائية فمثلا يعتبر عندهم حسن البصري من السلف ولا يعتبر واصل بن عطاء منهم مع تعاصرهما في الزمان والمكان ﻷن الأول سلف صالح والثاني سلف طالح وفقا لآرائهما حول مسائل فقط! فالسلف عندهم معنى طائفي وليس موضوعي.

علاقة هذا التيار بالسلف عموما

التيار السلفي يمثل الفكر النصوصي للمسلمين، يعادي الرأي و يفضل الأثر المروي على محكمات العقل و من أبرز أقطابه الإمام الفقيه أحمد بن حنبل وهو إمام مذهب فقهي و أيضا إمام فرقة عقدية هي أهل الحديث نقل عنه القول ” الرأي ليل و الحديث نهار”، و أكثر ما يعاديه هذا التيار علم الكلام و الفلسفة و لذلك معظم المسائل و الاشكالات التي طرأت على المسلمين لم يشارك أهل الحديث في حلها ﻷنها تحتاج للمنطق و التفسير العقلاني وهم خارج دائرة الرأي والكلام وينطوون على ما وجد عليه السابقون من الصحابة و بعض من تبعهم أو نقل عنهم و لكن في حال توصل طائفة ما إلى رأي حول مسألة يعترض عليه أهل الحديث ﻷن هذا الرأي غير موجود في نصوصهم و لم يشتركوا في النقاش الكلامي إزاء المسألة و لم يعلمون حيثياتها ! مثلا طرأت قضية طبيعة كلام الله (القرآن)؛ هل هو مخلوق أم أزلي ؟! وهي قضية كلامية بحتة انتهى المعتزلة وغيرهم إلى كون القرآن مخلوقا وذلك لتنزيه الله من أن يشاركه شيء في الأزلية وأول من اعترض عليهم أهل الحديث ولكن ما رأيهم هم ؟! رأيهم ينتهي بأن القرآن كلام الله وليس مخلوقا مع أن المسألة ليست ” هل القرآن كلام الله أم لا؟” وإنما هي ” هل كلام الله مخلوق أم أزلي ؟!” لا رأي لهم فيها لأنه لا يوجود رأي للسلف حول هذه المسألة إذا موقفهم رفضي فقط وهناك العديد من مسائل الاعتقاد بنوها حول الرفض واتخذوا رفضهم موقفا! مثال آخر حول حرية العباد في الأفعال إذ يرى المعتزلة و القدرية أن العبد يخلق فعله مختارا و الجبرية ترى التسيير و الجبر و هناك موقف آخر للأشاعرة يعرف بالكسب و أهل الحديث لا يرون الجبر و لا يرون التخيير ( مع أن بعضهم يتخبط بين هذا و ذاك) لأن مسائل الحرية و الجبر غير واضحة في النصوص والمرويات و يكرر أهل الحديث رفضهم لمواقف الآخرين و رفضهم موقف و عقيدة !
إن معظم المسائل الكلامية لم يكن مطروحا في عهد السلف الأول و لم يخطر على بال الصحابة أنفسهم و لم يسأل عمر بن الخطاب نفسه مثلا عن معنى (استواء الله على العرش) و لذلك اعتبر الإمام مالك هذا السؤال بدعة ! لماذا ؟! لأنها لم تطرح في عهد الصحابة! و هل كل سؤال لم يسأل عنه الصحابة بدعة ؟!
لا يمكن أن يرجع المعتزلة مثلا موقفهم من خلق القرآن و آراءهم الكلامية عن صفات الله إلى السلف أو قدماء المسلمين لأن السلف المقصود لم يناقش هذه المسائل و لا رأي له فيه و لذلك يصوغون رأيهم بالحجة العقلية و ما استنبطوه من النصوص الدينية بينما يصعب على أهل الحديث التصويغ العقلي و البرهان على مواقفهم الرفضية لأن الرفض ليس موقفا في الأصل فيتمسكون بالسلف الذي لم يتعاط مع المسألة من الأساس و دليلهم في ذلك ” أن السلف لم يقل بذلك أو لم يرو عنه”!
و اكتسب التيار السلفي من تشبثه بالسلف في نبذ الجديد نزعة رجعية في كل قضية و ميولا لتقديس آراء من سلف من علماءهم كملجأ لشرعنة رفضهم ! وكل اختلاف فيهم افتراق عقدي حتى وإن كان عملا سياسيا أو مصلحة اقتصادية؛ ليست فيهم وجهات نظر بل كل الأشياء أو الأعمال إما سنة مأثورة أو بدعة منهية، ويسود فكرهم غالبا على الشرائح غير المتعلمة من المجتمع التي لا تقوى على التفكير العقلاني جهلا أو تكاسلا والتي تعيش على القلق من المصير الأخروي ولأن النقل أولى من العقل بالأخد في مخيلة البسطاء ويوفر لهم شعورا سريعا بالأمان النفسي تستهويهم مقولات النقل أكثر من مواقف العقل!

وللانصاف من أهل الحديث من مال للعقلانية نوعا ما لاثبات مواقفه كابن تيمية و غيره و لكن العموم هو موقف رفض المواقف و الاعتماد على السلف الذي لم يتخذ موقفا في كثير من المسائل و الذي بخلاف السلفيين لم يعاصر تلك المسائل و لم يكن بحاجة لاتخاذ موقف فيها!
كما للتنبيه كثير من العلماء الذين يوهم السلفيون الناس بأنهم أهل الحديث لاعتماد كتبهم ليسوا كذلك و إنما هم إما أشاعرة أو ماتريديون أو مرجئة و هي فرق تنتقدها فرقة أهل الحديث!

عن محمد عبد الله

شاهد أيضاً

بوصاصو نموذج لروح الأخوّة والتّراحم

ممّا يثلج الصدور ويبقي الأمل في النّفوس قدرة الانسان الصومالي على استيعاب الكوارث والصدمات من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.