الرئيسية / مقالات رأي / آراء فكرية / مشكلة الفهم التقليدي للنص الديني

مشكلة الفهم التقليدي للنص الديني

الدين ظاهرة مجتمعية تؤصل بالوحي الذي هو علاقة غبر مباشرة لله بالإنسان يوحي به من يشاء من عباده، وباستبعاد اشكالات الفلاسفة حول الوحي يسلم البشر بأن الدين وصايا الإله للبشر و هم يتوصلون إليه عبر هذا الدين!
للدين بعد اجتماعي مهم ﻷنه يشكل الوعي العام وعلى هذا الوعي تنبني العلاقة الاجتماعية بين أفراد المجتمع و يحدد به النظام العام، ويمكن ملاحظة تفاعل النص الديني مع أحداث تاريخية عابرة أثناء تنزله الأول فمثلا تتحدث نصوص قرآنية عن معارك بدر وأحد و يوم الحنين وعن فلانة (امرأة معينة) تشتكي من زوجها ولحظات سوء التفاهم للنبي الكريم مع زوجاته وكلها أحداث شخصية عابرة في التواءات التاريخ، ومنه أيضا نصوص تعالج قضايا معينة اعتبارا لرؤية مجتمع محدد إذ تتحدث بعضها عن تحسين مكانة المرأة وعن الميراث و الزواج و المهر والدية الخ إنطلاقا من وضعية مجتمع معني في تاريخ معين في جغرافيا محددة، يظهر جليا دور العامل الثقافي الاجتماعي في تنزل النصوص ومن الواضح جدا أن الدين يعالج أمراضا اجتماعية ويقدم حلولا لمشاكل أخلاقية و قيمية فهل يمكن أن يكون الدين نفسه مشكلة؟!
المجتمع ظاهرة متحركة غير ثابتة والزمان عامل متغير دائما فهل هناك نص ينطبق على كل المجتمعات في كل جزئية من الزمان والمكان البشري؟! فمثلا هل المهر الواجب للمرأة على الرجل المنصوص في القرآن واجب بكل الأحوال في المجتمعات العربية ومجتمعات شرق آسيا و المجتمعات الليبرالية في الغرب على حد سواء مع أن المهر في الزواج ثقافة عربية قبل القرآن مثله مثل اليرد (yarad)  و الجباتي (gabbaati) في ثقافة الزواج الصومالية ؟! و كذلك الدّية التي هو مئة من الإبل أنتجها العرف العربي قبل الإسلام! وهذا على سبيل المثال لا للحصر.

المشكلة تكمن في طبيعة اتباع النص؛ هل نتبعه حرفيا أم نتبع مبتغاه و مقصده من الأحكام المترتبة عليه؟ فإذا اتبعناه حرفيا أردنا انزاله على واقع مغاير كليا عن السياق الذي جاء فيه و حينئذ نخلق به مشكلة أوجدها الدين نفسه؛ مثلا إن طبقنا حرفيا نصا قرآنيا يدعو ﻻعداد القوة (العسكرية) من رباط الخيل فسوف نقع في ورطة كبيرة و نسير عكس المراد وكأننا ننزع سلاحنا فالخيل لم تعد وسيلة للقتال بفعل الزمن! و باستحالة التفسير الحرفي لمثل هذا النص واقعيا حاد عنه الحرفيون أنفسهم و لكن هناك كم هائل من النصوص تعطل مبتغاها بتوظيفها الحرفي فما زال الكثيرون متمسكين بنصفية شهادة المرأة و نصفية ديتها (مع أنها لم تذكر في القرآن) ونصفية ميراثها وذلك في كل زمان ومكان ومجتمع بمعني أن المرأة السويدية والسعودية والصومالية والمتعلمة منها والأمية تعتبر شهادتها نصف شهادة رجل جاهل! و مهما كان مستوى ثقافة المجتمع و وعيه الجمعي و أوضاعه الاقتصادية و دور المرأة فيه فالمرأة الكادحة المعسورة ترث نصف حظ أخيها الميسور من تركة والدهما؛ وهكذا نتسبب بالنص الذي كان يتحرى العدل ظلما فالنص جاء في سياق تارخي لمجتمع معين للمرأة فيه وضع اقتصادي وعرفي خاص كانت فيه مضيقة في التملك و محرومة من الميثرات و مهمشة في دورها في الحياة و قد عالجها النص بأن تملك و ترث نصف حظ الرجل و تقرر لحياتها في إطار ذلك المجتمع فهل نتبع النص من حيث مبتغاه و هو العدالة في الثروة و الحق في الملكية وفق إطار كل مجتمع و دور أفراده في الكسب و الكدح أم نتبعه حرفيا لسجن البشرية كلها في وضعية تاريخية ثابتة و ثقافة زمنية في أرض محدودة لمجتمع عاش فيها يوما في هزيمة نكراء لقوانين الإله الطبيعية و تحد لا مثيل له لإرادة الله؟ مستحيل!

المشكلة ليست في حرفية النصوص المقدسة فقط و إنما هناك تراث ضخم للسلف و هو نتاج جهود جبارة لمعالجة قضاياهم الزمنية و منه الموفق في وقته و منه غير الموفق حتى في تلك الفترة السالفة؛ هذا التراث بغثه و سمينه يتشبث به تيار عريض من المسلمين و يدعو الناس للتقهقر إليه و يجاهد لنقله حرفيا إلى واقع اليوم و هو غير واقعه التأسيسي و بذلك يخلق هذا التيار السلفي أزمة كبرى و يجعل الدين مشكلة مضافة تحتاج إلى حلول عاجلة بدلا من أن يكون الدين حلا لمشاكل اجتماعية!

قبل فترة غير بعيدة كان التيار الرجعي يحرم التصوير بتفسير حرفي لحديث حتى أفتى التصوير لنفسه بحله وفرض نفسه عليهم أنفسهم و ذلك فقط لطيغان الآلة! وهناك العديد من الأفكار التي تروج دينيا و تصطدم مع الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفكري لإحداث أزمات سببها تمسكهم الحرفي بنصوص و آثار خاطبت واقعا اجتماعيا سحيقا من الماضي لا يمكننا في الحاضر إلا التعامل مع مبتغاها و مقصودها !
التفسير الماضوي للدين هو مشكلة الحاضر و المستقبل وهو السائد للأسف لأن العقول المتدينة الكسولة لا تستطيع إلا أن تكون عالة على سلفها فيصبح بعضها رموزا اجتماعية بفتاوى نواقض الوضوء و تفاصيل الحيض اعتمادا على مقالات القدماء في سياقها القديم! و لا تجرؤ هذه العقول على قراءة واقعها و مشاكله و استلهام الحلول من روح الدين فهذا يحتاج منها إلى تفكير جاد وللتفكير ضريبة باهظة على المفكر! هي عقول تكره الحاضر و تعادي المستقبل لأنه ليس فيه سلف قال مقولة جاهزة للرواية وتهرع دائما نحو الماضي الخصب بـ “قال ابن فلان و قيل عن أبي علان” و تمجده وتدعو إليه فتجر الأمة نحو الوراء و الأمس في الوقت الذي تعرقلها تحديات اليوم و تتوعدها صعوبات الغد ! إنها عقول عبئة مضافة لأعباء ظرف الزمن!

عن محمد عبد الله

شاهد أيضاً

ما بعد الانحراف الفكري: هل نحن بحاجة إلى وصف الأفكار بالمنحرفة؟

انها افكار منحرفة! يصرخ أحدهم.. هناك عبارات في سياقها الاجتماعي والثقافي تبدو مسلمة وبديهية، من …