الرئيسية / مقالات رأي / نقد العلمنة

نقد العلمنة

في فترات معينة يفقد النقد مكانه من بين تلك الأفكار المتزاحمة في الواقع، ولاسيما الأفكار المتصارعة والتيارات المتباينة، فهذه اللحظة تختلط بعض الأمور حيث سيصعب بعد فترة من الوقت الفصل فيما بينها، وإذا أوضحت أكثر بكلمات بسيطة أن واقع السجالات والحوارات الساخنة بين المجموعات الفكرية المتباينة، تحمل في طياتها ميكروبات تهدد المعرفة والنقد العلمي.

إن رفضنا الأحادية لا يعني بالضرورة أننا ندعو إلى الثنائية المغلقة، بل إن الثنائية لا تقل خطورة من الأحادية، لأن كلاهما مجرد دوغمائيات متصارعة، تدخلنا نزاعات أيديولوجية يكون ضحيتها العقل والمعرفة، وأفضل وسيلة للخروج من الدوغمائيات المتصارعة هو المشروع النقدي والذي من خلاله ندافع حق الاختلاف والتعددية، بدل التمركز بين قطبين لا يقدمون سوى خرابا أيديولوجي وضياع معرفي.

في مقالة سابقة تحدثت عن اقتراب ظاهرة سميتها ما بعد الوداد، وتحدثت عن البنية المعرفية لفئة الوداد وكيف تعاني هذه البنية خللا في عدة أمور قد تنقلنا إلى ظاهرة ما بعد الوداد، وأبرز هذه الأمور علاقة الوداد بالمعارف العصرية، من فلسفة وآداب، وسائر العلوم الإنسانية والاجتماعية، ناهيك عن الاكتشافات العلمية الحديثة التي تهدد أطروحات أصحاب الاعجاز العلمي للقران، ومن الناحية الثانية لا يعني ان ظاهرة ما بعد الوداد تشير إلى ظهور نخبة تنويرية تحمل مشروع الخلاص، وحينها سنتحول إلى مجتمع علماني ليبرالي متقدم!

أريد أن نوضح بشدة أن جميع النخب الصومالية ومن بينها الوداد وغيره من دعاة (العلمانية) لا يخلو فيهم خلل في البنية المعرفية التي تظهر من خلال خطاباتهم وتحليلاتهم، ويتجسد مفاهيم مثل – التسطيح، والانغلاق، والمحاكاة-اطروحاتهم، وهذه نتيجة بنيتهم المعرفية التي لم تنجح في التعامل مع القضايا المعرفية الهامة مثل العلمانية التي سنتحدث عنها في هذا المقال.

لكي نبتعد عن النمط السائد في السجالات الفكرية، والتي يسودها ما سميتها التعريفات غير الاعتبارية، وأقصد بها تلك التعريفات الرومانسية التي يقدمها الشخص حتى يحاول تسويق الفكرة، وغالبا تلك التعريفات غير معتبرة في السياق الفلسفي والفكري للمفردة، مثالا على ذلك عندما يقول أحدهم: “العلمانية عندي هي التسامح والتعايش” وهذا في الحقيقة تعريف رومانسي غير معتبر اساساً في سياق التاريخي للمفردة. وهذا اعتبرها من الأشياء التي جعلت مفهوم العلمانية مطاطا غير قابل للتحديد. والشيء الثاني الذي يستدعي الاهتمام هو تحول مفهوم العلمانية إلى مفهوم حركي، اي تأسيس تيار فكري منظم كأي حركة اجتماعية يدعو نفسه بأنه حركة علمانية، وهذا يشير إلى مدى انتفاخ المفردة وخروجها عن السياق التاريخي المعروف، وكذلك يدل على الأزمة الفكرية التي يعانيها النخب الشبابية وخاصة في تناول المسائل الفكرية والفلسفية.

العلمانية مفهوم إشكالي فكري، بسبب ارتباطه بالتاريخ اللاهوتي المسيحي وكذلك سياقه التاريخي الأوروبي، لكن بسبب النزاعات الأيديولوجية بين النخب الفكرية أصبحت العلمانية بصورة أو بأخرى مفردة تفقد المعنى، إذ أنها صارت في مخيلة شريحة من دعاة العلمانية ورافضي العلمانية سواءً، مفهوم مرادفا بـ مجموعة من المفاهيم مثل اللادينية والأيديولوجيا، ويمكن أن نلخص مأزق العلمانية في ثلاثة نقاط مهمة:

أولاً: وضع العلمانية في موضع الأهمية القصوى تصبح أمامه جميع القضايا الأخرى الاجتماعية والسياسية والثقافية ثانوية يمكن تأجيلها، ولاسيما عندما تفسر العلمانية بأنها الحل الأخير والشيء الذي لا بعده شيء أو إن صح التعبير الحل العلماني، الذي أصبح أخيراً القضية المركزية، حيث وضعوا كل مشاكلنا جانبا، وأصبحنا مجتمعا يعاني أزمة دينية عليه أن يضع الدين جانبا، سنتحدث عن وجود أزمة دينية، لكن الانشغال بالعلمانية موقف إيديولوجي هو مضيعة للوقت، وهروبا عن حقيقة مشكلتنا، والمثقف العلماني أصبح مثقفا يعاني خللا في المعايير، وخاصة معيار تحديد المشكلة.

ثانياً: تحولت العلمانية الى ايديولوجيا أي إلى عقيدة فئة بعينها من الفئات الاجتماعية، وفي نفس الوقت قالب فكري يحتوي في داخله حلول كل المشاكل الثقافية والاجتماعية والسياسية.

من الأمور الغريبة في الساحة الصومالية وجود أصوات تدعو إلى تأسيس حركة علمانية وأظن أن هذه محاكاة واضحة لنموذج الحركات الاسلامية، وإذا تتبعت تاريخ نشوء العلمانية لا تجد حركة علمانية كما في مخيلة هؤلاء، إلا تجربة مشابهة قليلا وهي تجربة جورج هوليوك ١٨٥١، وأصدقائه في تأسيسهم الجمعية العلمانية The Secular Society التي أعلنت أنها تؤمن بنظام عالمي عادل، وبرنامج أخلاقي يقوم على العقل الذي يتعامل مع القضايا الإنسانية من دون حاجة إلى تفسيرات ما وراء الطبيعة.

يقول عزمي بشارة ” اعتبر هوليوك مصطلح اللاأدرية أكثر دقة من مصطلح العلمانية في التعبير الذي يريد قوله” يضيف عزمي عن تحوّل العلمانية إلى ايديولوجيا ويقول “جرى التعبير ايديولوجيا عن مواقف علمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وفي بداية القرن العشرين في نشاط حركات وجمعيات مختلفة جعلت مهمتها تنويرية في محاربة الجهل والخرافة، وكانت هذه الجمعيات في بريطانيا جمعيات سلمية غير صدامية، وما لبث أن زالت لأن المجتمع نفسه كان يتعلمن، بفعل التطور الإقتصادي والاجتماعي وتغير أنماط الحياة والتفكير بالتدرج، لكنها اتخذت اشكالاً راديكالية وصدامية في مناطق أخرى ولا سيما التي تأخرت فيها عملية العلمنة مثل إسبانيا وإيطاليا وتركيا العثمانية” (أنظر إلى: عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي: الجزء الثاني/ المجلد الأول، ص ٧٣و ٧٤). وتلاحظ أن عقيدة الأيديولوجيا هي عقيدة صدامية وإن لم تبرز في الوهلة الأولى، لكنها ستتحول إلى راديكالية صماء لا تعترف شيئا، وهذا يقودنا إلى النقطة الثالثة، العلمانية والدوغمائية.

ثالثاً: صارت العلمانية دوغما أي مذهبية مغلقة لا تتغير ولا تتبدل، وهذا عندما أصبحت مرادفا للإلحاد مما يجعلها تيار يواجه “الخطيئة الدينية” ووضعوا العلمانية في مواجهة الدين، مما يجعلها مفهوم مساوياً للدين، وهنا بقصد أو بدون قصد يتم الخلط بين العلمانية وبين اللادينية.

وهذا يتطلب أن نعود إلى سياقها التاريخي، هل كانت العلمانية تعني الالحاد أو اللادينية؟ لنعد إلى دراسة عزمي بشارة، يقول: “لمصطلح العلمانية الغربي تاريخ، وربما يكون مفاجئا للبعض أن منشأة ديني! ويصر عدد من الباحثين الأوروبيين على أن يفاجئونا في كل عام باكتشاف ذلك مجددا، مع انه أصبح مفروغا منه في التاريخ الأوروبي، ولاسيما تاريخ الأفكار، فالمصطلح يعود إلى تمفصلات وتمايزات وظيفة الكنيسة ذاتها، وبادئ ذي بدء ميزت المفردة كصفة الرهبان المكرسين لخدمة الرب، من رجال الدين العاملين في الدينا ككهنة في النواحي والتجمعات السكانية” ص ٥٠

من الأمور المهمة في نقاش وتحليل مسألة العلمانية دراسة الأنماط التدين حيث سنعود إلى موضوع التمايزات بين الدنيوي (الزمني) وبين الديني، والآن سنهتم موضوع الدين كعنصر سوسيولوجي فعال.

إن أنماط التدين الصومالي نمطين: أولى نمط تقليدي صوفي، والآخر نمط حركي متأثرا بـ صحوة الإسلامية، وتاريخ الديني للصوماليين تاريخ عريق حيث دخل الدين في عمق التفاعلات الاجتماعية وأصبح عنصر أساسي في تحديد الهوية الاجتماعية، ويشير إلى دخول الإسلام إلى الصومال كان له أثرا مهما في العلاقات الاجتماعية وإعادة هيكلة النظام الاجتماعي، ومن المتوقع عندما يكون الدين محددا في العلاقات الاجتماعية ان يحدث بسببه صراعات على سلطة تمثيل الدين، وهذا هو جوهر الصراعات الدينية، وهو ما حدث بين الصوفيين قديما وما يحدث الآن بين الحركات والتوجهات الإسلامية.

ما يهمنا هنا هو الدين كعنصر سوسيولوجي وانغماسه في داخل الهوية الثقافية والاجتماعية، لهذا كل المحاولات التحديثية التي حاولها الاستعمار، كانت الدين بصورته السوسيولوجية تقف أمام هذه العملية، وحتى التحديث القسري التي حاولها سياد بري لم تنجح. ويمكننا ان نقول ان من يرغب تجريد الدين من المجتمع الصومالي فهو واهم، ولا يدرك دور الدين في المجتمع، وبالتالي العلمانية بصورتها اللادينية المخيلة بالضبط هي غير مجدية وليس لها أهمية، لأنه حتى المجتمعات التي تم علمنتها لا يزال الدين قائما كعنصر سوسيولوجي مهم، لكنهم قاموا بالمفاصلة والتمييز بين الدولة والدين. (انظر الى دراسة مؤسسة غالوب عن التدين)

إن سياق نشوء العلمانية هو أولا وقبل كل شيء نشوء الدولة الحديثة التي تتفوق على المؤسسة الدينية وتسيطر على الدين وتحتكر العنف، وبالتالي كانت رغبة المجتمعات إلى ابتكار سياسة غير دينية ومستقلة عنها، وبالتالي قامت العلمانية تاريخيا نقل ممتلكات الكنيسة إلى الدولة، حيث أصبحت الدولة هي التي تحدد معنى الدين، وتضع أيضا سياسات للتعليم، وتعيد كتابة تاريخ وهوية المجتمع. ونفهم من ذلك أن العلمانية مفردة متعلقة بفكرة الدولة وليست أيديولوجية لفئة معينة، هي المفهوم الذي يفصل بين عمل الدولة الزمني على عمل المؤسسات الدينية، وقد تحدثتا عن كونها فكرة دينية بحد ذاتها، ونضيف أن فكرة التمييز تجدها في الحياة العامة مثالا عن ذلك تقسيم النخب إلى نخب سياسية ونخب دينية حتى الدول التي تدعي أنها دينية مثل السعودية على سبيل المثال فهي دولة تعتمد سياسة قد نعتبرها نوعا من أنواع العلمانية، مثل صياغة مفهوم الدين وإعادة تشكيل التدين المناسب للدولة. ومن أبرزها ما يعرف بـ وزارة الأوقاف التي تعني ان الدولة تهيمن الدين وليس العكس، وهذا هو غرض لنشوء العلمانية.

في الأخير أود أن أؤكد أننا أمام أزمة نخبوية حيث لا يستثني أحدا، الوداد وغيره، وتتجلى هذه الأزمة بـ الأزمة المفهومية التي كشفت المشكلة المعرفية التي تعيشها النخب الفكرية، والتي تعتمد على السجالات والنزاعات الايديولوجية، وهذه السجالات دوما تفسد الحياة الثقافية وتقوم في تنميط المجتمع وقولبته بل اختصاره بين تيارين متعارضين، فهذه المقالة تحاول أن تتجاوز هذا التصور البدائي وغير الحضاري. وبالتالي تدافع عن حق الاختلاف والتعددية في الفهم والتفسير، وإعلاء قيمة النقد والموقف المعرفي بدل الموقف الأيديولوجي الذي بدوره يغتال العقل والمعرفة، ولا سيما في مثل هذه الفترة التي يتكاثر فيها الميكروبات الفكرية التي تهاجم العقل والمعرفة.

عن عمر علي باشا

عمر علي باشا
عمر علي باشا، طالب ماجستير في الاقتصاد يهتم بالفكر والفلسفة

شاهد أيضاً

الذكرى الثامنة لحادثة شامو المؤلمة

لم يكن يوم الثالث من شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2009 كأي يوم بالنسبة لسكان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.