الرئيسية / مقالات رأي / آراء فكرية / هل نحن على أعتاب مرحلة “ما بعد الوداد”؟

هل نحن على أعتاب مرحلة “ما بعد الوداد”؟

 

“حين ينشغل الجميع بتفاصيل الصراع حول ظاهرة ما، يفوتهم دراسة وتحليل وفهم أبعاد هذه الظاهرة، ما يعني أننا أمام ظاهرة سوسيوثقافية، تمثل منعطفا تاريخياً مهماً.”

عندما عرض الكاتب الصومالي عبد سعيد كتابه المثير للجدل “Xadka Riddada Maxa Ka Run ah”، فإنه فتح مرحلة ثقافية مهمة في تاريخنا، وفجأة ظهر الشيخ محمد عبدي أمل يصف الكتاب بأنه كتاب خطير. وقبل عدة أيام طهر تسجيل آخر للشيخ محمود شبلي يتحدث عما أسماه “الردة الجديدة”، ووصف بعض   النشطاء لاحقا بـ”جند إبليس!”، وفيها ينتقد كتاباً موضوعه Islamic Extremism The Untold Truth للمؤلف عبد الرحمن محمد جبريل، وقد احتدم الصراع ليصل إلى موقع ماندون Maandoon.com الذي اتهم هو الآخر بأنه موقع يعادي الدين الإسلامي! وفي الجانب الآخر، ظهرت جماعة أسمت نفسها “الصادعون بالحق”،  وقالوا أنهم يدعون الناس إلى الدين الحق والعودة إلى الكتاب الله! هذه الأحداث تستدعي الاهتمام والدراسة لأنها تمثل ظاهرة ثقافية اجتماعية جديدة، قد يكون لها أثر وردود أفعال قد تغير مجرى التاريخ الفكري والثقافي للصوماليين.

كنا نعتقد طيلة السنوات الماضية أن الأحادية الفكرية ستؤول إلى الزوال، ويحتدم الصراع الفكري بيننا، وكنت أعتقد ان هذا الصراع سيكون بين النخب ذات الثقافات المتباينة، بسبب تباين المناهج التعليمية، لكن يبدو الآن أن الصراع احتدم بين سلطة الوداد التقليدية وبين النموذج الجديد، الذي أسميه “ما بعد الوداد”.

وأقصد  بـ”ما بعد الوداد”  هذه الظاهرة الاجتماعية الثقافية التي برز فيها فئة معينة تخرجت من كليات الدراسات الدينية، لكنها تقدم خطاباً مناهضاً ومعاكساً في الوقت  نفسه للخطاب التقليدي.

يبدو أن ملامح هذه الظاهرة –ظاهرة ما بعد الوداد- تتبلور في الفترة الأخيرة أكثر من أي وقت مضى، وأظنكم سمعتم كثيراً مقولات: ما بعد الحداثة، ما بعد البنيوية. والما بعديات في جوهرها تعني نهاية ظاهرة ما وبروز ظاهرة أخرى لا تخلو من بعض صفات الظاهرة الأولى.

إن مفهوم الوداد ظاهرة كلاسيكية تحمل دلالتين في طياتها دلالة دينية، وأخرى دنيوية، الأولى تتمثل في التعليم التقليدي، والثانية تتجلى في الثقافة الصومالية Dhaqanka، إذ كان له دور اجتماعي هامشي، لانشغاله بالتعليم والتدريس، ولا يتدخل في الصراعات السياسية والاجتماعية. لكن هناك تجربتين مهمتين حاول فيها الوداد أن يقلب الطاولة على المجتمع، ويغير المعايير السائدة التي تحدد الأدوار. الأولى تجسدّت في تجربة محمد عبد الله حسن المعروف بـ “سيدكا”، والثانية في تجربة المحاكم الإسلامية، الأولى لم تنجح وهذا لأن سلطة القبيلة كانت أقوى بكثير من ظاهرة التدين الجديد التي حاول “سيدكا” أن يشكلها، أما  التجربة الثّانية فقد برزت مع نمط التدين الجديد الذي كان مصاحباً لما عُرف بالصحوة الإسلامية التي انتشرت في أواسط الستينات في الصومال، حيث أنهت مرحلة التدين الصوفي ومن خلالها بدأت مرحلة ما عُرف بالإسلام السياسي، أو الحركات الإسلامية.

وبعد سقوط الحكومة المركزية؛ صعد نجم الحركات الإسلامية ومن هناك تغيرت رؤية المجتمع للوداد، حيث استطاع الوداد بجدارة المشاركة في الفعل الاجتماعي ومن بعدها في العمل السياسي، حيث نجح في تأسيس إمبراطوريات اقتصادية، ومن لم يكشف مشروعه السياسي، فخاض صراعات مسلحة ضد الميليشيات العشائرية، وجدير بالملاحظة أنّه هذه المرحلة لم يتجرأ الوداد على تكفير أمراء الحرب، لأنه ببساطة كما أعتقد لم تكن سلطة الوداد قوية مقارنة بسلطة أمراء الحرب. وبعد انتهاء مرحلة سطوة أمراء الحرب، استطاع الوداد ان يغير الرأي العام والسيطرة على الوضع الثقافي والفكري والسياسي والاقتصادي.

مرحلة ما بعد الوداد:

يبدو أن مشروع الوداد في مأزق خطير ودخل في منعطف تاريخي، ونشهد الآن مرحلة مهمة في تاريخ الثقافة والفكر في الصومال، إنها مرحلة الصراع الفكري، مرحلة تصادم الأفكار والآراء، يسودها الصراع والسجالات والنقد والسخرية والمناظرات وتكفير الآخر وتحريم بعض الكتب، وهذه المرحلة -كما أعتقد- ستقودنا إلى مرحلة أخرى أسميها مرحلة “ما بعد الوداد”.

من سمات هذه المرحلة، بروز خطابات جديدة مناهضة للوعي الديني الحاضر، وظهور قراءات أخرى مثل التاريخية وعلاقته بالنص الديني، وأنسنة الفكر الديني، والتفسير الحداثي للدين، حيث لم تعد الدراسات اللاهوتية محتكرة للوداد، بل تحولت إلى مؤسسات أكاديمية تتبع النظام الحداثي للتعليم.

هذه المرحلة روادها متأثرون بـ “التنوير والحداثة”، يستلهمون تجربة التنوير الأوروبي أمثال فولتير وبيكون وديكارت وغاليليو وبرونو وكذلك الإصلاح الديني بقيادة لوثر كينج والبروتستنتية، وفي التراث الإسلامي ابن رشد وابن عربي وابن سينا والفارابي وابن المقفع ومحمد الرازي وجابر بن حيان وابن هيثم والمعتزلة وغيرهم من رواد الفلسفة والعقلانية.

ومن الناحية الأخرى يزداد التجرؤ على نقد الوداد علنا في وسائل التواصل الاجتماعي وجل هؤلاء النقاد شباب معظمهم كانوا تلاميذ لهم، لكن للأسف الشديد لم يكلف الوداد نفسه دراسة هذه الظاهرة، أو أن يتساءل لماذا ينفلت هؤلاء الشباب من مجالسنا؟ ولماذا ظهرت هذه الخطابات؟ أين يوجد الخلل؟

وقبل أن نتحدث عن المشكلة، يبدو أن الفئة الوداد بدأت تدرك حقيقة مرحلة “ما بعد الوداد”، حيث أنهم بدأوا في تأسيس الجامعات، والالتحاق بالدرجات العلمية (ماجستير-دكتوراه) وبدأوا في تجديد وسائل الدعوة باستخدام الوسائل الحديثة من فيسبوك وتويتر وانستقرام ويوتيوب. لكن في الحقيقة كل هذه الإجراءات لا تسعفهم في إدراك حقيقة المشكلة التي تكمن في الخطاب، أي البنية المعرفية، لأنها تفتقد الأدوات التحليلية المطلوبة في هذا العصر، عصر السوائل- أي أن كل الأشياء اصبحت مثل السوائل يمكن تحويلها لأشكال مادية أخرى كما يقول زيجمونت باومان.

إن البنية المعرفية لدى الوداد تعاني خللا من نواحي كثيرة، وهذا ما يجعلهم غير قادرين على تحليل وقراءة الظواهر الجديدة بصورة ناجحة، ويكفيك خطاب جماعة “الصادعون”، الذي لا ينتمي إلى هذا العصر، وكذلك عقولهم. هذه البنية المعرفية لم تنجح في التعامل مع التاريخ ومع الإنسان، وكذلك الثقافة وعلاقتها بالدين، ومجملا لا تحسن التعامل مع العلوم الاجتماعية والإنسانية، ناهيك عن الأدب الإنساني، بل ظلوا يعتقدون أن الدراسات اللاهوتية كافية لأن تجيب عن كل التساؤلات المحيرة الموجودة في الواقع، أما في الجانب الآخر، أصبحت العلوم الاجتماعية والإنسانية تغزو الدين وتضيف فروعاً جديدة في الكليات العلمية مثل علم الاجتماع الديني، وعلم الأديان المقارن، وعلم النفس الديني، وأنثروبولوجيا الأديان، ودراسة الميثولوجيا (علم الأساطير)، وهناك فرع مهم في التحليل الاقتصادي يدعى الاقتصاد المعياري يهتم بالدين والقيم المصاحبة له، بل أصبح الدين موضوعا يدرس في كافة التخصصات الإنسانية والاجتماعية، وفتحت الجامعات والمركز العلمية فروعا تدرس وتهتم بالدين كموضوع علمي. كل هذه الدلالات تشير إلى أن حجة الوداد لم تعد مقنعة، ولم تعد إجاباته كذلك معقولة بل إن الزمن يطارده بشدة، والمعروف أن التاريخ لا يرحم، ومن المعقول أن يخرج الوداد بصورته التقليدية من التاريخ، وندخل تفاصيل مرحلة “ما بعد الوداد”.

عن عمر علي باشا

عمر علي باشا
عمر علي باشا، طالب ماجستير في الاقتصاد يهتم بالفكر والفلسفة

شاهد أيضاً

الصومال: لهذا فضل الحياد في الأزمة الخليجية

لم يكن للصومال منذ إسقاط نظام محمد سياد بري سياسة خارجية مفهومة وثابتة، وغالباً ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.