الرئيسية / مقالات رأي / جماعة الاعتصام والإرهاب الفكري في الصومال

جماعة الاعتصام والإرهاب الفكري في الصومال

التّخوف من وجود مشاريع فكرية غالباً ما تثير حفيظة الحركات الإسلامية عموماً، وقد أخبرني د. جاسم سلطان في لقائي به قبل شهور أن من العقبات التي واجهت مشروع النهضة تخوف الأخوان المسلمين من تأسيس حركة موازية تختطف شبابهم، حتى أنهم حظروا عليهم قراءة إصدارات إعداد القادة. وهذا ما نراه في الصومال الذي يسعى فيه مشايخ جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة، فهم نصبوا أنفسهم قضاة يخرجون من شاؤوا من دين الله، حتى لم يبق في الصومال مسلمون سواهم، ولديهم قدرة فائقة على التملص من أحكامهم التي يطلقها مشايخهم، فيقولون باستخفاف: هذه مواقف فردية، اجتهادات فردية، هذا لا يمثل الجماعة، وفي الوقت عينه لا يجرؤون على التبرؤ ممن أصدر تلك الأحكام على فئات من المجتمع، ولا يعلنون أمام الناس أن هؤلاء لا يمثلون جماعتهم التي تزعم أنها معتصمة بالكتاب والسنة، والأمثلة التاريخية على ذلك كثيرة.

الاستحواذ على الساحة الفكرية

لم يوفر السلفيون الصوماليون جهدا في محاولة الاستحواذ على الساحة الفكرية منذ سقوط نظام محمد سياد بري، فالإصلاح عندهم ضالون وعقيدتهم فاسدة لأنهم أشاعرة، والصوفية مشركون قبوريون، أما التبليغ فهم بلا بصيرة في مسائل العقيدة ولا يجوز الخروج معهم ما لم يكن فيهم من يدين بعقيدة أهل السنة والجماعة الصحيحة ليرشدهم،  ومؤخرا اعتبروا جماعة الصادعون بالحق ضالة لأنها تكفر الناس، ومجموعة ماندون الفكرية ليسوا سوى ملاحدة ضالين يحاولون إفساد عقيدة المسلمين، ولم يتردد مشايخ الاعتصام في اتهام الشيخ عبد القادر كشكي بالإلحاد، وأنه من جند إبليس فقط لأن صفحة ماندون على فيسبوك شاركت فيديو له، أي أن المسلمين الحقيقين هم الاعتصام، ولا يعارضهم إلا من كان عدوا لله وللرسول كما قال أحد المبتلين بالضحالة الفكرية.

ولأن جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة من أبرز جماعات الضغط في الصومال”لوبي الاعتصام”؛ فقد أصدرت حكومة ولاية بونتلاند بياناً يصنف جماعة “الصادعون بالحق” جماعة إرهابية مثلها مثل حركة الشباب، وحظرت الحكومة الفيدرالية وجودها، وتقول بعض المصادر أن أسماء رموز جماعة “الصادعون بالحق” موضوعة على قائمة الترقب بدفع من السلفية، فالاعتصام مثلها مثل بعض الحركات السلفية، إن خضعت الحكومات لابتزازها أصبحت سلطة تقرر من هو المسلم ومن الكافر الملحد ومن هو المشرك بواسطة هيئة مصطنعة تسمى هيئة علماء الصومال، وإن لم تكن الحكومة كما تشتهي أهواءهم تحّولوا لحركات جهادية فجأة وأصدروا فتاوى تثبت ردّة الحكومة ويهدرون دم كل من يوالي الحكومة. والتاريخ لا ينسى، فالجماعة التي غيّرت اسمها من الاتحاد الإسلامي إلى اسم جديد هو الاعتصام بالكتاب والسنة، لم تستطع تحمّل وصول عبد الله يوسف للحكم،  العقيد الذي كشف خبث دعواهم، وهزمهم في معركة كانوا هم المبادرين لها، فلجأ كبيرهم محمد عبدي أمل ورفيقه عمر فاروق إلى إصدار فتاوى ردّة الحكومة. مع العلم أن عمر فاروق كان موالياً لرجل الحرب الشهير محمد فارح عيديد، وأمل لا يري في حكومة شريف شيخ أحمد وحسن شيخ محمود وحتى الحكومة الحالية مرتدّة، مع قيام الحيثيات نفسها. ومن طرائف الاعتصام إنكارهم لتصريحاتهم، فالمدعو محمد عبدي أمل أنكر أنه أفتى بردة حكومة عبد الله يوسف، فاجتهدت إذاعة الفرقان التابعة لحركة الشباب وأتاحت لمتابعيها سماع فتواه وإنكاره لها في مقطع واحد.

وقد استفادت الجماعة من اتجاه الحكومة التصالحي مع جماعات الضغط كلها، فأعلنت الحرب ضد جماعة “الصادعون بالحق”، وبلغ بهم الجور إلى درجة تصنيف من يرتدي البدلة والكرافته ويتكلم في شؤون الدّين “صادعياً” بل أقرب للكفر باعتبار هذا الزي من سمات الكافرين كما قال أحد مشايخهم، وسيقول معترض: “هو اجتهاد شخصي” وسأرد قائلة: “فليعتذر كبار شيوخكم عن كلامه إن كنتم صادقين”!

الحكم على المسلمين الصوماليين على مستوى الملبس والمظهر العام وعلى مستوى الأفكار بما يتوافق مع أفكار الاعتصام واتجاههم أخرج الجميع من الإسلام، ما يجعلنا نتساءل عن الفرق بينهم وبين جماعة “الصادعون بالحق”، خصوصا مع تطابق الجماعتين فيما يتعلق بالحاكمية وفي تفسيرهم لمقتضيات لا إله إلا الله. هل هو احتكار للتكفير وغيرة على الصوماليين من أن يكفرهم غير الاعتصام؟

أكذوبة تغيّر الاعتصام

كثيراً ما يتحمس المخدوعون بجماعة الاعتصام ويردّون بقولهم أن الجماعة تغيّرت ولم تعد تؤمن بلغة السلاح، وهذا الكلام غير حقيقي، ففي مذكرات المرحوم عبد القادر فارح غعمي التي رواها الكاتب محمد عمر ونشرت على موقع الشاهد يقول الشيخ أن من أوقودوا نيران الحرب في بري وغذو وغيرها من شباب الاتحاد الإسلامي كان تصرفا لا يمثل شيوح الاتحاد، وهذه ذريعة مستمرة يكررها السلفيون، دون أن يتبرؤوا كلياً من المتعطشين للدماء، هل تبرؤوا من حسن ضاهر أويس الذي أوغل في دماء الصوماليين باسم الله وباسم الدين؟ هل اعتذر محمد إدريس وأحمد عبد الصمد عن تضليل خيرة شباب جامعات مقديشو عندما كانوا يجمعونهم ويدربونهم في مركز بن باز ويعدّونهم من أجل خوض معارك ما كان يعرف باتحاد المحاكم؟

ماذا عن القائد الميداني الشيخ ابراهيم محمد حسن الذي اتفق مع مليس زيناوي في 2010م، بعد أن كان يقود الحرب ضد الحكومة الصومالية في 2006، ما الذي تغير؟ هل تغيّر فهمه للدين؟ أم تغيرت مصالحه؟ أم أن مليس زيناوي دخل الإسلام حتى يواليه هو وجبهة تحرير الصومال الغربي؟

من المعروف أن الفارق الزمني بين حرب الاتحاد مع جبهة عبد الله يوسف وبين حرب المحاكم مع حكومة عبد الله يوسف يزيد عن عشر سنوات، وخلالها سمعنا كثيرا عن تغيّرهم، وعن مراجعاتهم وجنوحهم للسلم، ولكن حين حانت اللحظة.. خاضوا حربا ضد الصوماليين، فمن يضمن ألا يعودوا لحمل السلاح إذا جاءت حكومة لا تتوافق مع توجهاتهم؟ لا شيء

ومن المعلوم كذلك أن الحركات التي أجرت مراجعات حقيقية عرضت مراجعاتها للجماهير وأعلنوا تراجعهم بأنفسهم لا بواسطة متحمسين لهم أو أتباع لهم. وهذا ما لم تفعله جماعة الاعتصام التي دأبت على التملّص مما يدلي به شيوخها أو ما يقوم به أتباعها، على عكس التنظيمات الحقيقية مثل الإخوان المسلمين، الذين يفصلون من يخرج على لوائح الجماعة وقواعدها كما فعلت حركة الإصلاح بفصل المتحمسين للدماء من أعضائها في 2006م، وهكذا يعرف الناس من يمثل الحركة ومن لا يمثلها، على عكس التنظيمات الهلامية المتلونة مثل جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة، والتي لا يُعرف ما هو موقفها الحقيقي.

خطر الاعتصام وفتاويهم على السلم الأهلي

حاول الاعتصاميون جعل الدّين الإسلامي شبيهاً بالنصرانية إلى حد كبير، فالإسلام عندهم دين معقد غير مفهوم، ولا يمكن لأي شخص فكّ طلاسمه، وبالتّالي يجب وجود “رجال دين”، يفكون الطلاسم وفقاً لأهوائهم، ويمنحون صكوك الغفران لمن يعترف بين أيديهم، وهناك زي يُعرفون به، ومن لا يرتديه فهو غير مؤهل للحديث عن الدّين، لهذا يحاربون بكل ما أوتوا من قوة من أجل الاحتفاظ بالسلطة الدينية التي استلبوها بقوة السلاح وبقوة المال.

وبما أن الصوماليين لا يتكلمون العربية، وكل مصادر الإسلام باللغة العربية، فهم يضعون ثقتهم فيمن يتكلم العربية ودرس العلوم الشرعية، ليساعدوهم على تجاوز الحاجز اللغوي، فجاء الأستاذ عبدي اسماعيل عبدي سعيد فأصدر كتاب ما حقيقة حدّ الردة باللغة الصومالية، فخشى السادة من الاعتصام على سلطتهم ن الدينية، وأن تظهر مراجع دينية باللغة الصومالية، فأصدر كبيرهم محمد عبدي أمل فتاواه الشهيرة، أحرقوه أينما وجدتموه! ولكم أن تتخيلوا عواقب هذا اللغو! ماذا لو كان الكتاب في بيتك فجاء أحد المضلللين فحرق الكتاب في بيتك! ماذا لو حرق أحد البسطاء مكتبة تبيع هذا الكتاب؟

وسبق أن شاهدت على قناة صومالية اسئلة طرحت  على الرجل نفسه: فتاة تزوجت سراً، ثم جاء والدها وزوجها برجل آخر، أي الزواجين أصح؟

أجاب بكل استخفاف: تزويج الأب أصح.. انتهى!

لو تخيلنا نتائج هذه الفتوى السطحية، كيف سيكون الوضع؟ هذه الفتاة متزوجة برجلين في وقت واحد، وقد تكون حاملاً لحظة تزويج أبيها لها، ألا ينتج عن ذلك اختلاط في الأنساب؟ ماذا لو كان تزويج الأب لها بالإكراه؟ كيف يصح؟ ماذا لو اقتتل الزوجان وسالت الدماء؟ لم يطرح محمد عبدي أمل أي أسئلة تستوضح القصة ليصدر قراره، أفتى وكأن الفتوى عبارة عن ارتشاف الشاي! وهذا طبيعي فالرجل خريج علم الحديث ولا يفهم في الفقة وأصوله على ما يبدو.

ومن البديهي أن هذه الفتاوى من شأنها إشعال الفتن وتسبب خللاً في السّلم الأهلي الهش أصلاً.

ما مدى أهلية شيوخ الاعتصام ومصداقيتهم؟

لا يمكن لأي عاقل أن يتجاهل السؤال الكبير حول أهلية هؤلاء الشيوخ، ومدى استحقاقهم للثقة التي منحها البسطاء لهم، فشيخهم شبلي سبق أن ذكر أنه رأى بنفسه مئات الفتيات الصوماليات المصابات بالإيدز ومحجوزات في مكان ما بلندن، وبعد استقصاء صحفي صومالي للقصة، ومراجعته للجهات المعنية في بريطانيا تأكد أن القصة من نسج خيال الشيخ لحاجة في نفسه، وخصص البنات في هذه القصة المختلقة في سياق تحذير الناس من السفر للدول الغربية، ومع ذلك لم يعتذر ولم يتراجع،  ولم يخجل … بل قال حين سئل عن عدم الرد على ما قاله الصحفي: إنه من قناة يونيفرسال وهم يحقدون علي لأني لم أخصص برنامجا لقناتهم!! أي أنه بعبارة أخرى لا يقول الحقيقة،

شاهد الفيديو من هنا

أما شيخهم الآخر محمد عبدي أمل، فهو ينسب كل كلامه إلى مجاهيل يصفهم بالثقات، ولا يتعب نفسه بالبحث عن الحقائق، فمثلا عندما أراد الحديث عن الأستاذ عبدي اسماعيل قال سألت كل من عرفوه عن تخصصه، فقيل لي أنه درس الاقتصاد، إنه غير متخصص في العلم الشرعي، فخرج الرجل قائلاً أنه درس العلم الشرعي في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، وعندما أوحى له هواه باتهام الشيخ عبد الله  سغل بالتشيع جادله بأنه سمع من جهات يثق بها أنه تشيع!

شاهد الفيديو من هنا

 

فإذا قلنا أن الشيخ شبلي مدلس والشيخ أُمَل ينقل التدليس فنحن أمام أشخاص لو كانوا في عصر تدوين الحديث لقيل أن ما يروونه مردود.

وأما الشيخ الذي زعم أن البدلة والكرافته من سمات الكفّار فهو مصيبة أخرى لا أحد يدري كيف يمكن أن يثق أولياء الأمور به ليضعوا أبناءهم في عهدته ليسمعوا ما يهذي به؟ ذلك الهذيان المصنف على أنه اجتهاد شخصي لا تودّ الجماعة التبرؤ منه.

وأخيراً، إن كان على الحكومة الخوف على المجتمع من جماعة إسلامية ما غير حركة الشباب فعليها بكل تأكيد مراجعة ملف جماعة الاعتصام التي تثير القلاقل والفتن وتحتكر السلطة الدينية للصومال دونما تفويض. فالمجتمع الصومالي لا طاقة له على تحمل المزيد من الانقسام، وكل ما نرجوه جميعا هو الحرية وأن يسعنا الوطن جميعاً، وعليه فأقل واجب هو مقاومة من يحتكرون الحقيقة ومن يقيمون حواجز بيننا مثل جماعة الاعتصام التي تحمل وزراً يكاد يقارب وزر أمراء الحرب.

عن سميه شيخ محمود

سميه شيخ محمود

شاهد أيضاً

الذكرى الثامنة لحادثة شامو المؤلمة

لم يكن يوم الثالث من شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2009 كأي يوم بالنسبة لسكان …

2 تعليقان

  1. لا يجوز نشر مثل هده المقالات لقوله تعال (ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين امنو لهم عذاب اليم في الدنيا والاخرة.)وقوله تعالي (ولا تعاونو علي الاثم العدوان)ارجو من الاخوان ان لا ينشرو مثل هذه المقالات

    • ابراهيم أحمد

      يبدو أن الأخ عبد الحكيم أعتصامي مقلد !! لم يفهم المقال بالمرة ، بحيث يصدر الأحكام جزافا وبدون أي دراية أو العلم بما يصدر عنه من الأحكام ؛؛؛؛ ! وقديما قالو ،ومن يشابه ابه فما ظلم ،فإذا كان هذا حال المقلدين الصغار من الاعتصام فما بال شيوخهم الذين تعوذو أصدار الأحكام بالجملة ، منذ سنوات وهم يكفرون ويفسقون ويبدعون المجتمع الصومال بمختلف أطيافه ما عدى أتباعهم ومقلديهم من العامة والشباب .اقول للأخت الكريمة سمية شيخ محمود بارك الله فيك وفي علمك ، لقد سلطت الضوء على اهم المغالطات العلمية والعربدة الفكرية لشيوخ الاعتصام ورموزهم الذين علت أصواتهم وسيحاتهم في كل مكان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.