الرئيسية / تقارير / تقارير تكايا / الاهتمامات الفكرية لمجموعة ماندون وعلاقتها بطروحات التنويريين العرب

الاهتمامات الفكرية لمجموعة ماندون وعلاقتها بطروحات التنويريين العرب


كانت بداية رحلة التنويريين من السؤال التالي:لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟
وفي إطار البحث عن جواب لهذا السؤال، خرج في العالم العربي والإسلامي طيف من الكتاب والمفكرين الذين درس أغلبهم في الغرب، وتبنى هؤلاء خطا فكريا يستأنس بتجربة النهضة الأروبية ومدخلاتها في فصل الدين عن الدولة، وتهميش تأثير الدين في مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية وغيرها.فأطلقوا معركة التنوير وتجديد الدين في العالم الإسلامي، ولم تكن مهمة سهلة، فمعالجة الحالة الدينية في العالم الإسلامي بمنطلقات فلسفية لا تحترم خصوصية الإسلام ستلفظها المجتمعات الإسلامية، ويرفضها العلماء والمؤسسات الدينية.
وبالتالي فتش التنويريون العرب في التراث الإسلامي بحثا عن متكأ ومنطلق يستندون عليه في معركتهم التجديدية، فدرسوا الفرق الإسلامية، والتيارات الدينية التي مرت في العالم الإسلامي، ووقع اختيارهم على فكر المعتزلة، ومنهج التصوف لابن عربي، فالأولى تمجد العقل وتقدمه على النقل، وترفض النص الذي يتناقض مع العقل، كما تهمش أحاديث الآحاد، وهذا يخدم مشروعهم التجديدي الذي يسعى إلى تجاوز النص، وإسقاط السنة، وإعمال العقل مع وجود النص الصريح، لتقديم تفسير جديد للإسلام لا يتصادم مع الحداثة الغربية، أما ابن عربي فوجدوا فيه ضالتهم لإفساد العقيدة والدعوة، فكتابه الذي تسبب في تكفيره وضلالته والمسمى ب”فصوص الحكم”، والذي روج فيه عقيدة الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، والتي على أساسها قال بإيمان فرعون ونجاته في الآخرة، فالقوم يدعون إلى وحدة الأديان السماوية في جانب من معاركهم كما هو مسطر في كتبهم.
عقبات في طريق مشروعهم التجديدي.
بعد دراسة المجتمعات الإسلامية رأى التنويريون أن هناك عقبات وتحديات جمة، أمام تسويق مشروعهم التنويري الحداثي القائم على استنساخ التجربة الأروبية في استبعاد الدين عن الحياة، ولعل أخطر هذه التحديات التي رأوا أنها سد منيع في وجه التنوير ونهضة المجتمعات الإسلامية وفق رؤيتهم تتمثل بالآتي:
1- النصوص الدينية المحكمة (الكتاب والسنة): فدعوا إلى تجاوز التفسيرات القديمة للنصوص الدينية، وضرورة تقديم تفسير جديد يتماشى مع العصر، حتى وإن أصبحنا مضطرين للتضحية ببعض النصوص، كرفض السنة وتحييد أكثرها.  والانسداد الذي وصل إليه التنويريون العرب حسب هاشم صالح، صاحب كتاب “الانسداد التاريخي: لماذا فشل مشروع التنوير؟” إذ يقول فيه متحدثا عن أسباب هذا الانسداد  “التناقض المطلق بين النص والواقع أي بين النص وكل التطورات العلمية والسياسية والفلسفية التي جاءت بها الأزمنة الحديثة والالتزام بحرفية النص يؤدي بالمسلم إما إلى إنكار منجزات الحداثة بل الحقد عليها وإعلان الحرب على العصر كما يفعل الظواهري وابن لادن، وإما إلى إنكار النص نفسه والشعور بعدئذ بالإحساس الرهيب بالخطيئة والذنب، وهكذا يقع المسلم في تناقض قاتل لا مخرج منه والحل لن يكون إلا بالتأويل المجازي للنص والاعتراف بالمشروطية التاريخية للنص كما فعل المسيحيون في أوروبا بعد التنوير.”
2- التراث الإسلامي: ويرون أنه أكبر عقبة في وجه التنوير، ودعو إلى غربلته، بحيث يستبقي الجانب الروحي الصوفي الذي يدعو إلى قيم الحب والتسامح فقط، وهو ما يطلقون عليه جوهر الإسلام الذي يمكن تسويقه للبشرية جمعاء، ولهذا يركزون في مشروعهم على إبراز هذا الجانب وتقديسه.
أما المعاملات وما يتعلق بها، فيرون أن لكل عصر كلمته، ولا بد من تجاوز هذا الإرث الثقيل الذي يكبل نهضتنا، والذي يعوق التفكير الحر اللازم للنهضة المنشودة، وبالتالي يرون الفقه الإسلامي نتاج ظروف سياسية تم تجاوزها، ولم نعد بحاجة إليه.
وقامت إستراتيجيتهم على تجاوز التراث الإسلامي بالخروج عن الفهم الأصولي للدين كشرط لازم للتحديث والنهوض والتطور والحداثة، لأن الفهم الأصولي للدين كما يقولون يقف عقبة أمام إبداع الإنسان ونهوضه، وله موقف صلب من الحرية بأنواعها وحرية الفكر بشكل خاص.
3- الأصولية الإسلامية ممثلة بالحركات السلفية والإخوانية والمؤسسات الدينية كالأزهر الشريف، وهؤلاء جميعا مصنفون عندهم بأعداء التنوير الذين يجب إسقاطهم، ويتهمونهم باحتكار تفسير الدين، واختطاف عقول الناس، ومحاربة الإبداع، وحراسة التفسيرات القديمة للإسلام، وأي معركة تنويرية لابد أن تجعل في سلم أولوياتها واهتماماتها محاربة الأصولية الإسلامية بلا استثناء.
هذه التحديات الثلاثة أصبحت فيما بعد عناوين بارزة لمعركتهم التنويرية، وألفوا كتبا كثيرة للدفاع عن رؤيتهم والدعوة إليها، ورهانهم هوالنجاح في إلغاء التراث الإسلامي، وتقديم تفسيرات جديدة للقرآن وفق ما تمليه عقولهم، ويتماشى مع الحداثة الغربية، وهم أشد الناس دعوة لقمع تيارات الصحوة الإسلامية إذ يرونها عقبة في وجه مشروع التنوير الذي يستهدف الدين الإسلامي وثوابته من الأساس.
معارك في بحر مشروعهم الكبير.
بالتوازي مع هجمتهم على التحديات الثلاثة التي أشرنا إليها والتي تمثل في  صلب مشروعهم، برزت معارك واهتمامات مشتركة تشرح طبيعة التجديد الذي يريدونه ومن ذلك ما يلي:
1- معركة تحرير المرأة: وهو عنوان جذاب يحمل في طياته دعوة للسفور، وانحلال الأخلاق، فالتحرير يبدأ من خلع الححاب، وهو عندهم مؤشر لنجاح مشروع التنوير وتحرير المرأة، وينتهى التحرير إلي القول بحرية المرأة في كل شيء بما فيها الحرية الجسمية، فلها الحق في التصرف بجسدها، ولا داعي لأي وصاية دينية، وليس كل ما يدعون إليه شرا فمن ضمن ما يدعون تعليم المرأة وغيرها من الأمور التي لا خلاف فيها.
2- حرية العقيدة والفكر: وتبدأ هذه المعركة  بإنكار حد الردة الذي يعتبرونه سيفا مسلطا في وجه حرية العقيدة، والإبداع الفكري، ويرونه حدا سياسيا معيبا، ولا بد من إنكاره، ولا بد من ضمان حرية الاعتقاد، وهذا يستدعي تحرير المسلمين من التفسيرات الأصولية التي تحمي حد الردة وغيره من الحدود المخيفة كحد الرجم والسرقة وغيره كما يقولون.
3- فصل الدين عن الدولة: وهو الشق السياسي لمشروعهم، والذي يرونه الحجر الأساسي لضمان نهضة متحررة من الوصاية الدينية وتأثيراتها، فليس مشروعهم يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، بل يرون تحييد الدين عن الحياة العامة، والبحث عن تفسيرات جديدة للنصوص الدينية التي يمكن أن تؤدي إلى صدام الحضارات، فجوهر الدين الذي ينبغي الإهتمام به هو الأخلاق الكونية المشتركة، والطقوس الدينية التي يجب أن تكون في حدود معينة.
4- البحث عن أرضية مشتركة بين الأديان: فليس الإسلام الدين السماوي الوحيد الصحيح في هذا الكون، وليس أتباعه وحدهم المؤمنون، فكما يقول محمد عابد الجابري في تفسير قوله تعالى ” ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ” يقول بكل تعسف، وحرصا على بحث هذه الأرضية المشتركة: “أن من يبتغ ديناً غير منزل من الله تعالى، فلن يقبل منه” فكل من يؤمن بدين سماوي كاليهود والنصارى فهو مؤمن، وليس من المنطق أن المسلمين وحدهم هم المؤمنون، ولا يؤمن بنسخ الإسلام للأديان التي سبقته.
ويسير على درب هؤلاء مجموعة MAANDOON، هذه المجموعة المفتونة تشترك مع هؤلاء في الفهم والاهتمامات، فمعاركهم واحدة، ورسالتهم واحدة، بالنظر لنماذج من طرحهم، يمكن ملاحظة أنها تساير هؤلاء في فكرهم ورؤيتهم، لكنهم اختاروا معركة خاسرة، فشل فيها الأولون، وكانوا أصحاب أطروحات بحثية قوية لمناصرة أفكارهم وقريبين من السلطة والمال، ومع ذلك وصلوا إلى الانسداد التاريخي وفشل مشروعهم.
نماذج تصدى لها العلماء والأزهر الشريف.
1- نصر حامد أبو زيد: وقد دعا إلى التحرر من القرآن وسلطته، وطعن في السنة، وحكم بردته وفصلت محكمة مصرية بينه وبين زوجته، ومن الذين وقفوا في وجهه الشيخ محمد الغزالي، العالم الأزهري – رحمه الله – وقال فيه:
“أزعجني جرأة الجهَّال على الإسلام، ثم نجاتهم من عُقبَى التطاوُل… كنتُ أعرف أنَّ هناك حمَلَة أقلام لا إيمان لهم، لكنِّي لَم أكنْ أعرف أنهم يَكرَهون الله ورسوله – صلَّى الله عليه وسلَّم – على هذا النَّحْو” ووصفه بأنه ” “كويفر مخمور مغرور، يتعثَّر في بديهيَّات التارِيخ، ثم يناطِح الجبال الشم!”.
2- فرج فودة: وكان متخصصا في الزراعة يدعو إلى تجديد الدين على هواه، وكان يحمل لواء المشروع التنويري الذي يستهدف الإسلام من الداخل والذي أشرنا لمعالمه، وحكم علماء أزهريون بردته، ووقع على عريضة تكفيره علماء بارزون منهم الشيخ محمد متولي الشعراوي، وقتله شاب من الجماعة الإسلامية، وعند محاكمة الشاب تطوع الشيخ محمد الغزالي- رحمه الله- وقدم شهادته في المحكمة وكان مما قال : ” «إنهم قتلوا شخصاً، مرتدا، مباح الدم، وتجاوزهم الوحيد هو الافتئات على الحاكم، لأنها وظيفة حاكم وليست وظيفة فرد”.
والقائمة طويلة، وأتباع هؤلاء، سيظهرون من حين لآخر، ويهزمون، وعاقبتهم سيئة، مالم يتوبوا  إلى الله، والله ناصر دينه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن عبد الله فارح مري

عبد الله فارح مري
طالب صومالي مقيم في ماليزيا

شاهد أيضاً

انتخابات صوماليلاند بين الواقع والمأمول

منذ أن أعلنت جمهورية صوماليلاند استقلالها عن الصومال عام 1991 وإلى الآن مرت بمراحل كثيرة …

تعليق واحد

  1. اشكر كثيرا الظالب الصومالي المقيم في ماليزيا / عبدالله قارح ميري على الجهد والوقت الذي بذلة في كتابة هذا المقال، واحب – من خلال هذا التعليق المغتضب القاء الضوء على بعض النقاط في مقالة

    اولا: ينظر كاتب المقال الينا (جماعة ماندون Maandon ) بوصفنا عرباً، الا ان حقيقتنا غير ذلك تماما. نحن ننظر لانفسنا كاقارقة وننظر الي الامة الصومالية بوصفها امة افريقية وجزء من امم القارة الافريقية، وعليه فحلمنا التنوير لا ينطلق من التراث والثقافة العربية وانما في التراث والثقافة الصومالية المحلية، وبكلمات اخري الاسماء التي سطرها الكاتب وبذل جهدا كبيرا في جمع المعلومات من امثال محمد جابر العابدي، نصر حامد ابوزيد، فرج فوده وغيرهم لا معني لها عند الانسان الصومالي وبالتالي لا معني لها لديها لدينا وليسوا معالم في طريقنا.

    ثاينا: في النقطة الرابعة (4) يصفنا الكاتب “بالمفتونين” السبب في ذلك يعود انه ظن اننا عربا فافترض اننا نسير نهج العلمانين العرب ونؤمن بتفسير محمد عابد الجابري التعسفي لبعض ايات القرآن كمحاولة غبية منه لإيجاد ارضية مشتركة للاديان.
    نحن، والحمد لله، ليس لدينا هذه المرض، ولا نضيع وقتنا في البحث عن ارضية مشتركة للاديان لسبب بسيط هو ان دين الامة الصومالية دين واحد هو الاسم لا غير.
    كما اود ان الفت عناية قراء هذا التعليق ان كتب وادبيات العلمانيون العرب -بكل بساطة- ليست ومراجعهم ليست مراجعنا، ولا نحن حتي على اتصال بهم لسبب بسيط هو انهم عرب ونحن قوم اخرون.
    مرجعنا الوحيد في هذا المجال “الانسان الصومالي” وتتلخص مراجعنا في كلمتين، تراث هذه الامة وثقافتها. يضاف الي هذا اننا نظر الي الامة الصومالية كاقدم مجتمع علماني في وجة الكرة الارضية. تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.