الرئيسية / مقالات رأي / آراء فكرية / ما لم يصدع به الصادعون بالحق

ما لم يصدع به الصادعون بالحق

أخيراً كشفت أكثر الحركات الإسلامية في الصومال غموضاً أوراقها، الحركة التي عرفت بين الناس بالتكفير او تكفير الجو، أو الأهل، الحركة التي لا اسم لها بين أتباعها، فالكبار يسمونها walaalaha أي الإخوة وأبناء الجيل الأول يكتفون بوصفهم بـ  “adeeryaal” أي الأعمام.

كشفت الحركة في بيانها الصادر في الثاني من إبريل الجاري عن نفسها باسم الصادعون بالحق، وأشار أميرها المصري الشيخ مصطفى كامل أحمد أن جماعته بدأت نشاطها في 1973م، وخلال تلك السنوات كانت أنشطتهم تتلخص في مراقبة الأمة!! ما يعني أن البيان كان كاشفاً عن وجود هذه المنظمة السرّية ولم يكن بيان تأسيس لجماعة جديدة.

في هذا المقال سنجيب عن السؤال المطروح بشدة بين الناس وهو: لماذا هذا الإعلان المفاجئ؟ وسيكشف طريقة عيش هذه الجماعة وواقعها، ومدى تطابق ما تدعو إليه مع حياة أتباعها.

لماذا الآن؟

يتساءل كثيرون عن جدوى خروج الجماعة من السرية إلى العلنية، وهل هي خطوة مفاجئة؟ الجواب هو بكل تأكيد: لا، فقد استمر النقاش لمدة 8 سنوات، وتقرر في نهاية الأمر فصل كل من لا يوافق على فكرة الصدع، وقد نتج عن ذلك انشقاق العديدين من أعضاء الجماعة، من باب ” ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”، أما من قرر تأييد الصدع فقد تواعدوا في السجون، وتواصوا بالصبر صبراً كصبر آل ياسر،  ولكن للمفارقة ذكروا أنهم إن تعرضوا للتعذيب والملاحقات سيخبرون عن المنشقين، سواء من انشقوا قبل الصدع أو قبل ذلك.

وقبيل الصدع استقال بعض عناصر الفرع الصومالي من مناصبهم سواء في الخارج كبعض العاملين في شركة اتصالات الإماراتية، أو في الداخل مثل إداريين بجامعة جزيرة وجامعة دار الحكمة التي يعتبر رجالات الجماعة أكبر المساهمين فيها، بينما أرجأ آخرون استقالتهم. وجاءت استقالاتهم هذه استباقاً لاحتمال اقصائهم ربما، أو لإظهار أنهم مستعدون لأية تضحية.ولكنهم لم يوضحوا أسباب الإسرار بدعوتهم سابقاً ولماذا قررروا المجاهرة الآن؟ ما الذي تغيّر وما الذي استجدّ؟

واقع الفرع الصومالي:

 تعيش هذه الجماعة في حالة غريبة وهي التوهم بأنهم في عصر البعثة، ويتبنون فكرة سيد قطب في بدء الدّعوة من الصفر، وتقسيم المراحل إلى مكية ومدنية وسرية وجهرية، أما أمير الجماعة فهو بمثابة النبي وطاعته من طاعة الله، وكثيراً ما يقال لمن يتمردّ على أمر معين: ” وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. ومنذ النشأة لم تشهد هذه الجماعة أي توسّع تقريباً فيما عدا توريث الآباء العضوية لأبنائهم، لأن دعوة المجتمع يعدّ خروجاً عن السرية.

ويمكن القول أن الجماعة تقلصت كثيراً بعد عمليات الانشقاق العديدة، فالمؤسس للفرع الصومالي الشيخ عبد القادر شيخ محمود انشق عنهم قبل أكثر من 13 عاماً وبعد خلاف طويل، وكذلك العديد من رجالات الرعيل الأول البارزين، إذ لا يستقيم أن يبقى أي عاقل وسط جماعة تحاكمه بسبب زواج ابنته برجل من خارج هذه المجموعة، أو بسبب إرسال بناته للدراسة في الخارج، ويعمل أبناؤه في المجالات التي يرغبون فيها دون الرجوع للجماعة!!

لم تعد خطابات الجماعة تقنع طيفاً واسعاً من الجيل الجديد، لأنها لا تجيب عن العديد من أسئلتهم المشروعة، بدليل أن أبناءهم يعملون في الوزارات والهيئات الحكومية التي يعتبرونها كافرة!!

ومع اقترابها من حافة الإفلاس بعد انغلاق دام ما يقارب نصف قرن، ارتأوا أن يصدعوا بدعوتهم، لعلهم ينجحون في استقطاب كوادر جديدة.

مبادئ  الجماعة بين القول والفعل

هذه الجماعة كما ذكر أميرهم في بيانها الأول ليست وليدة الأيام القليلة الماضية بل يتجاوز عمرها الأربعين عاماً، ومن حقّ أي شخص أن يشكك في مصداقية جماعة يعترف أميرهم بأنهم كتموا “الحق” طيلة 40 عاماً، وأنهم كانوا يراقبون الأمة بمنظار فكري متجمد، ولم يقوموا بأي مراجعات منذ تأسيس الجماعة وحتى الجهر بها، وضيقوا على أتباعهم إذ حصروا فهم النصوص وفقاً لرؤية رجل واحد؟ كيف يتوقع هؤلاء اليوم أن ينجحوا بتسويق الفكر القطبي الذي تجاوزه الناس منذ زمن، وأن يقوموا بتلقينهم كتاب المصطلحات الأربعة في القرآن وكتب التوحيد وجاهلية القرن العشرين وغيرها، دون أن يبدو في واقع حياتهم أثر لمبادئ الاحتكام لله وللرسول، ونبذ القوانين الوضعية، واتباع الطاغوت؟

ولو حاولنا إنزال ما ورد في البيان إلى واقعهم، فسيبدو التناقض فجاً،  فالأمير قال أن الطاغوت هو من يحرم ما أحل الله ويحلّ ما حرّم الله، ومن يحكم بغير ما أنزل الله، فماذا عن جماعتهم؟ إن من أغرب ما في هذه الجماعة أن الشباب لا يحق لهم الزواج إلا من بنات الجماعة، وليس أي بنت منهم، بل التي تختارها الجماعة له، وإلا يعتبر متمرداً ويُنبذ، ويتعرّض والده للضغوط، فهل هذا إلا تجسيد للطاغوت الذي يكفرون به؟ ألا يحرمون حلالاً؟ فالرجل المسلم يحق له الزواج بكتابية فما بالك بمسلمة؟ أم يعني رفض ذلك أن ما عدا الجماعة مشركون ولا يجوز الزواج بمشرك ولا مشركة؟ ولماذا لا يحق له اختيار زوجته من بنات الجماعة بنفسه؟

وقال أيضاً أن الهيئات التشريعية شرك والمجالس الشرعية منازعة لله في السلطان، ولكن ماذا عن أمراء الجماعة؟ ماذا عن المجموعة التي ظهرت في المقطع المصور؟ ألا يمثلون جماعتهم؟ ألا ينافس الأمير الله في السلطان؟  وعندما يحرمون على البنات الدراسة في الكليات العلمية ألا يضعون قوانين بشرية، وهم الذين تبرأوا من القوانين الوضعية؟

ثم نادى الأمير الحركات الإسلامية وقال دعوا عنكم أسماء ما أنزل الله بها من سلطان… وبعد ذلك اتخذوا لنفسهم اسما مثيرا للجدل هو “الصادعون بالحق”!

وحين شدد أميرهم على انهم ليسوا طامحين للحكم اشترط ان يكون الحكم بشرع الله حسب فهمهم، ولم يخبرنا لاحقاً ماذا سيفعلون لو لم يأت من يحكم بالشريعة حسب فهمهم؟ قال لن نحارب، لأن لكل شيء وقته المناسب، وكأنهم في المرحلة المكية أمروا أن يكفوا ايديهم عن القتال. ونستنتج من هذا إمكانية النزوع للعنف في وقت ما.

ومما لا يمكن تقبله في هذه الجماعة هو الطبقية، فهناك طبقة المهمشين وهم مع الجماعة “كمالة عدد”، وطبقة المنبوذين غير المسموح لهم بالعمل، والمحكوم عليهم بتلقي مصاريفهم من تجار الجماعة وأغنيائها، وطبقة فوق المحاسبة، وطبقة تحت المجهر يلاحقون باستمرار من مخبري الجماعة الذين تتلخص مهامهم في تتبع المشكوك بطاعتهم العمياء. أي أنهم لا يؤمنون بقوله تعالى: “إن أكركم عند الله أتقاكم”

كيف استقبل الصوماليون هذا الصدّع؟

أثار نشر البيان الأول والثاني تفاعلاً كبيراً في مواقع التواصل الاجتماعي ولا سيما فيسبوك، بعضهم ذهب لتحليل البيان والشخصيات التي ظهرت في المقاطع المصورة، وبعضهم سخر من أفكارهم التي عفا عليها الزمان، وبعضهم توقف عند الاسم الذي أطلقوه على أنفسهم،  بينما تساءل آخرون عن جدوى حركة إسلامية جديدة في هذا التوقيت وإليكم بعض ما أدلى به الناس في فيسبوك ….

وفي الختام؛ يبقى السؤال المطروح هو: كيف ستتصرف هذه الجماعة مع كمية الرفض الذي جوبهت به حتى اللحظة، وهي التي لم تتعود أن تحاكم أو تناقش؟ هل ستطيق البقاء تحت الشمس بعد قضاء 40 عاماً في كهوف السرية؟ هل ستستقطب أعضاء جدد أم تخسر من تبقى في صفوفهم؟

عن فريق تكايا

فريق تكايا

شاهد أيضاً

هل نحن على أعتاب مرحلة “ما بعد الوداد”؟

  “حين ينشغل الجميع بتفاصيل الصراع حول ظاهرة ما، يفوتهم دراسة وتحليل وفهم أبعاد هذه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.