الرئيسية / مقالات رأي / آراء سياسية / ملاحظات على السياسة الإماراتية تجاه الصومال

ملاحظات على السياسة الإماراتية تجاه الصومال

بين الصومال والإمارات العربية المتحدة تاريخ طويل من العلاقات الأخوية، والتعاون التجاري، والصداقة الشعبية التي إمتدت جذورها إلى القرن الرابع عشر، وكان الشيخ زايد مؤسس دولة الإمارات الحديثة- رحمه الله-، حريصا على تمتين هذه العلاقة الأخوية على المستويين الشعبي والرسمي، وقد انعكست هذه العلاقة الإيجابية في نمو التجارة بين البلدين، وأصبحت الإمارات قبلة الصوماليين وبوابتهم الرئيسية للتواصل مع العالم الخارجي.

وفي طفولتي وقبل أن اتعرف العالم الخارجي، كانت الإمارات العربية المتحدة أكثر ما نسمعه في الأحاديث اليومية بين الكبار، ما بين مسافر للإمارات لتلقي العلاج، وقادم منها يجلب الهدايا، وآخر يبني سكنه بعد فترة عمل في الإمارات العربية المتحدة، وسفينة تبحر للإمارات، وبضاعة تأتي منها، وكان العاملون في الإمارات العربية المتحدة من أهالي حينا ميسورين، وأصحاب أكبر الفلل وأجملها.

ساهمت الإمارات العربية المتحدة في الوقوف مع الصوماليين في أوقات الشدة، وخصوصا إبان الحرب الأهلية، ولم تتوقف مساهمتها في التعليم والصحة والإغاثة العاجلة، وكفالة الأيتام، وحفر الآبار وغيرها إلى يومنا هذا، وهي جهود جبارة نحفظ جميلها، ونشجع على استمراريتها وتوسيعها.

جديد العلاقات الإماراتية الصومالية:

تفاعلت الإمارات العربية المتحدة في العقد الأخير في الجهود الدولية لبناء الدولة الصومالية، ومكافحة الإرهاب، وساهمت بشكل فعال في مكافحة القرصنة في السواحل الصومالية من خلال تدريب قوات برية تدك معاقلهم، وتحاصر تحركاتهم، كما تحركت بمستويات مختلفة للتفاعل مع الحراك السياسي في الصومال، من خلال دعم القوات الأمنية في الولايات، وتدريب دفعات من الجيش الصومالي، والمساهمة في دفع رواتبهم، وكانت من أوائل الدول التي أعادت فتح سفارتها، وتنشيط حضورها الدبلوماسي في الصومال، ورافق تدخلها جدل في الاوساط الشعبية التي تسودها الانقسامات السياسية، وظهر ذلك جلياً في الإنتخابات الأخيرة، حيث شاع تدخلها لصالح بعض المرشحين، مما أثار حفيظة اوساط شعبية كبيرة رأت فيه تدخلا سلبياً لا يسهم في الاستقرار.

يضاف إلى ذلك الجدل المحتدم حاليا حول اتفاقية بناء قاعدة عسكرية في الصومال والتي وقعتها مع جمهورية أرض الصومال (صوماليلاند)، التي أعلنت انفصالها من جانب واحد، وأيضاً سعيها للاستحواذ على موانئ الصومال.

وهناك قضية أخرى تتعلق بعداء الإمارات العربية المتحدة للإسلاميين، وأن تحركاتها الدبلوماسية وتدخلاتها تهدف لمحاصرتهم، والتضييق عليهم مستقبلا، من خلال قوى سياسية وأمنية، تشرع في بنائها ودعمها، وتعمل على تمكينهم في السلطة.

مالذي ينقص الإمارات؟

مع وجود رصيد تاريخيّ ثري من العلاقات الإيجابية بين الصومال والإمارات، يتحفظ الصوماليون من الطور الجديد الذي دخلته العلاقات الصومالية الإماراتية، ولعل ذلك يرجع إلي عدد من الأسباب أهمها:

1-تجاهل الحكومة الفيدرالية في قضية ميناء بربرة والقاعدة العسكرية، وكذلك التحركات الجارية لتوسيع وإدارة ميناء بوصاصو، فالمدخل الصحيح للعلاقات الدولية هي الحكومة الفيدرالية، والظروف الاستثنائية التي تمرها الصومال ليست مبررا لتجاوزها، وعليها أن تتدارك وتستوعب الدرس من خلال التفاوض المباشر مع الحكومة الفيدرالية في الأمور السيادية، التى تنعكس تأثيراتها على السياسة الصومالية، فهي الجهة المخولة للتأكد من وجود مصلحة في الاتفاقات المهمة من عدمها، والموافقة عليها من خلال البرلمان الإتحادي.

2- غموض أهداف السياسة الإماراتية في الصومال، وغياب خطاب سياسي واضح يرافق تحركاتها، ويجيب عن تساؤلات الشارع، ساهم في زيادة الغضب والتوجس الذي يسود في الشارع الصومالي، حتى الاتهامات التي طالت الإمارات في الإنتخابات الأخيرة لم يلقى الشارع توضيحات حولها، وهذا خطأ كبير فالجيل المثقف في الصومال الذي يسهم في تشكيل الرأي العام بشكل أو بآخر، لا يمكنه تقبل سياسات لا يفهمها، ولا يعرف مآلاتها والمصالح التي يجنيها الصومال من ورائها.

والإمارات العربية المتحدة هي دولة مؤسسية لا تنقصها مراكز البحوث والدراسات، وتسطيع أن تقدم رؤيتها في العلاقات مع الصومال بصورة علمية، يمكن مناقشتها ودراستها بشكل مفصل، بدل هذا الغموض، تستطيع الإمارات أن تشرح نفسها وتقدمها بصورة أفضل.

3- اهتمام الإمارات بالعلاقات الرسمية مع السياسيين، وتجاهلها للعلاقات الشعبية، حيث حدث تراجع في الأخيرة، ولعل من تجليات ذلك حظر الصوماليين من دخول الإمارات بالجواز الصومالي إلا في الحالات الرسمية، وضعف العلاقات الثقافية والأكاديمية، وغياب الإمارات من ساحة الإستثمار في “الإنسان الصومالي” بدل الإستثمار في السياسيين الذين سرعان ما يسقطهم الزمن، فأكثر الدول احتراماً في الشارع الصومالي، هي الدول التي استثمرت مبكراً في الإنسان الصومالي من خلال تعليمه وتثقيفه وتدريبه، وفي مقدمتها السودان واليمن ومصر والسعودية، ولحقتهم أخيراً تركيا التي جنت ثمار ذلك سريعاً، ولا أدري ما الذي يمنع الإمارات التي لا تنقصها الموارد المالية، والتي تمتلك عدداً من أكفأ المؤسسات الأكاديمية في المنطقة من الخوض في هذا المجال؟

ومثل ذلك الدعم الإماراتي السخي للصومال والذي يحتاج إلى الإبداع، من خلال التركيز على المشاريع التنموية التي يصل أثرها إلى المجتمع بشكل مباشر.

4-  مخاوف توريط الصومال في صراعات إقليمية، هي عقبة أخرى في وجه طموحات الإمارات العربية المتحدة في الصومال، فالصومال بلد أنهكته الحروب والصراعات مع دول الجوار، ولايستطيع تحمل صراعات إقليمية، أو حرب بالوكالة، وهذه المخاوف ترتبط بإنعكاسات القاعدة العسكرية وتأثيرها في علاقات الصومال مع دول الجوار، التي تسهم في قوات حفظ السلام، والتي لها تأثير في السياسة الصومالية، فالشارع الصومالي يحتاج إلى معلومات مفصلة حول القاعدة العسكرية وأهدافها، ويريد أن لا تكون سببا في متاعب سياسية مع دول الجوار، وقبل ذلك كله، يريد التفاوض مع الحكومة المركزية في هذه القضية السيادية والمصيرية.

5- تبديد مخاوف إسلاميي الصومال، خطوة مهمة لعلاقات صحية بين الصومال والإمارات العربية المتحدة، وهذا يحتاج إلى فهم معمق للمجتمع الصومالي، والفاعلين الشعبيين فيه، فالإسلاميون بمختلف فصائلهم هم جزئ أساسي من هذا المجتمع، ولا يكنون العداوة للإمارات العربية المتحدة، وهم فاعلون إجتماعيون أكثر من كونهم قوى سياسية مؤثرة، فالسياسة الصومالية تحكمها التوازنات العشائرية، ووضعهم في خانة واحدة مع التنظيمات الدولية التي تتشابك معها الإمارات العربية المتحدة في المنطقة، أو استعداؤهم سياسة غير حكيمة، والمدخل الصحيح هو الحوار والبحث عن أرضية مشتركة لترسيخ العلاقات الإيجابية بين البلدين.

وفي الختام

إذا كانت الإمارات العربية المتحدة تتطلع لعلاقات إستراتيجة متينة مع الصومال، فعليها أن تعمل في إحياء الدور العربي، وأن تبلور سياسة موحدة مع الدول الفاعلة في الجامعة العربية، تسهم في إعادة الصومال إلى الحضن العربي، والمدخل الصحيح في ذلك هو تقوية التوجه العروبي في الصومال، وتوسيع العلاقات الثقافية، والمساهمة في بناء الدولة الصومالية، والتواصل مع مختلف أطياف المجتمع الصومالي، ووضوح السياسات، ومراعاة السيادة الوطنية.

بإختصار؛ تستطيع الإمارات أن تجبر نقصها، وتعالج ثغرات سياستها الخارجية في الصومال، وتقدم نفسها بشكل أفضل يرتبط بعلاقاتها التاريخية العريقة مع الصومال.

عن عبد الله فارح مري

عبد الله فارح مري
طالب صومالي مقيم في ماليزيا

شاهد أيضاً

الصومال..سياسة النأي والحياد

اتخذت الصومال موقفا رصينا متوازنا واختارت الحياد ولم تتورط الأزمة المشتعلة بين الدول الخليجية, بل …

2 تعليقان

  1. abdulkadir adam ali

  2. غير معروف

    فأكثر الدول احتراماً في الشارع الصومالي، هي الدول التي استثمرت مبكراً في الإنسان الصومالي من خلال تعليمه وتثقيفه وتدريبه، وفي مقدمتها السودان واليمن ومصر والسعودية (وكذلك باكستان والهند)، ولحقتهم أخيراً تركيا التي جنت ثمار ذلك سريعاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.