الرئيسية / مقالات رأي / آراء فكرية / المرأة في الخطاب التقليدي .. الاغتراب والتشيوء (2/2)

المرأة في الخطاب التقليدي .. الاغتراب والتشيوء (2/2)

تتعرض النساء في انحاء العالم لتعديات مختلفة أشهرها جريمة الاغتصاب ولاسيما في الدول التي ينتشر فيها الظلم الاجتماعي والاضطهاد ضد الاقليات ومن بينهم النساء. حيث تعرضت قبل اسابيع فتاة صومالية لحادثة اغتصاب جماعي مروعة، تناولتها وسائل الإعلام وشبكات التواصل الإجتماعي بصورة عاطفية يغلب عليها الطابع الانفعالي اللحظي.

وفي الغالب كان الاغتصاب اكثر الجرائم التي تحدث بشكل إعتيادي وذلك منذ انهيار النظام السياسي حتى الان. حيث أحصت الامم المتحدة حوالي ٨٠٠ حالة اعتداء جنسي في نواحي مقديشو فقط، وهذا الرقم المخيف والمرعب يشير الى فشل اخلاقي، ناهيك عن انهيار منظومة القيم الانسانية والاسلامية والإستهتار بقيمة الانسان.

في هذا الجزء سنحاول ان نتتبع الاسباب الثقافية التي تهيئ الظروف للإستهتار بإنسانية المرأة والقيام باغتصابها. والاعتداء الجنسي على المرأة في الصومال ظاهرة مرعبة نتجت عن غياب منظومة العدالة والقانون، وانهيار قيمة الانسان، مما يؤكد اننا نعيش في حالة من الفشل الاخلاقي، والتي ادت الى إنهيار القيم الانسانية وسط المجتمع.

الاعتداء على الانسان بصورة او باخرى هي في جوهرها انهيار للقيمة الاخلاقية، فعندما يتعدى الانسان على اخيه الانسان فعليه ان يتجاوز كل التمثيلات الانسانية الموجودة في خياله، ويجب عليه في البداية ان يُموت روح الانسان في داخله.

غياب العدالة الاجتماعية، والاستقرار الاجتماعي، و حدوث خلل في بنية التضامن الاجتماعي، يقسم المجتمع الى فئات متصارعة، ومن تجليات هذا الصراع محاولة تجريد الاخر من الانسانية، مثل توصيفه بصفات حيوانية، ودائما تتكون عبارات توصيفيه في حق الاقليات العرقية المستضعفة، وحينها تكون في النهاية صفة ملازمة لهم، هذه النوعية من الثقافية اساسها تجريد الانسان من القيمة.

اعتقد ان الثقافة الاجتماعية غير بريئة، ولها دور فعلي في الإعتداء على المرأة جنسياً ومعنوياً، ويبدوا ان هذا الادعاء غريب في نوعه، لكنني مصر على هذا. قبل عدة ايام كنت اقرا لائحة طويلة من الحكم والامثال الصومالية المتعلقة بالمرأة وكلها كانت تشير الى نوع من الاهانة والتقليل من شأنها، بل تشيئتها وتحويلها الى مادة يستهلكها الرجل، لذا هي كائن خلق لأجل الرجل! هذه ليست من محض خيالي او كما يقول البعض انها مجرد ادعاءات الغرب الكافر، وهذا الصنف من البشر يعاني من رهاب اسمه غربيفوبيا ولا يجب الإكتراث به.

لنعد الى تشريح ثقافتنا الاجتماعية التي يجب ان نحاكمها امام العقل، نريد ان نعرف كيف نرى المرأة بصورة عامة؟ (Halkaan ka akhriso maahmaayo ku saabsan dumarka) المرأة عندنا كائن غريب في مرتبة الأخر ولا يتشاطر معنا نحن الرجال في صفات الانسانية، وهو كما ترى في الامثلة Maahmaahayada ان الحيوان والمرأة والصبي يقعان في مرتبة مشتركة في السذاجة وفقدان الحكمة والاهلية مثل: Naag waa dhalaan raad weyn وكذلك Naag u sabir ama ka sabir وهي فقدان الحكمة والاهلية. وكذلك المراة والحيوان: Naag iyo riyo toona looma dhutiyo وفي عبارة اخرى Dumar iyo dameerba duco la’aan bey tarmaan. وهذه المره المرأة لها علاقة بالشيطان تقول العبارة: Dumar waa dabin shaydaan.

هذه العبارات ليست عبارات تختصر بالتوصيف الادبي فحسب بل تؤسس وعياً اجتماعياً وصورة نمطية تجاه المرأة، ومن هذا المنطلق يتعامل المجتمع مع المرأة وفق الصورة النمطية التي اسسها العقل الجمعي، لذا هذه الصورة هي في الواقع اغتصاب ثقافي كامل واهانة للإنسان، من الممكن ان يترتب على اهانة الانسان ثقافياً وتقليل من شانه ايذاءه جسديا، وبالعكس إذا كنا نقدر قيمة الانسان نظرياً فانه يصعب ان يترتب عليها ايذاءه جسديا.

هذه الثقافة التي تهين صورة الانسان لا شك انها تسببت في انهيار اخلاقي ادى الى انهيار منظومة التضامن الاجتماعي. إذا حدث خللاً في رابطة التضامن فان الفرد يمكن ان يرتكب جرائم في حق مجتمعه، وكذلك الذي يغتصب امرأة مثل اخته فانه يعاني خللاً اخلاقياً، ومن ثم فقد تضامنه مع الانسان بصورة عامة ومع المرأة ومجتمعه بصورة خاصة. وهل يكون الاغتصاب ذا قيمة امام القتل وانتهاك حرمة الدم! ولاسيما في الفترات الاخيرة التي أصبح فيها القتل الجماعي امر معتادا. يجب ان نعترف أننا امام فشل اخلاقي خطير، وانهيار لكل القيم الاسلامية والانسانية.

اريد ان استدرك قليلا فانا لا أطلق حكماً كلياً على ثقافتنا، بل اقول ان في ثقافتنا ما يدعوا للاغتصاب واهانة المرأة، واظن ان كل عاقل غير متعصب يدرك ذلك تماما، فنحن في حاجة ماسة الى اعادة صياغة مفاهيمنا تصوراتنا عن الانسان قبل كل شيء، وبعدها يجب ان نعيد للمرأة انسانيتها المسلوبة، وبمعنى آخر المرأة انسان يحق لها كل ما يحق للإنسان، فهي محتاجة لكافة الاحتياجات الانسانية وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم “النساء شقائق الرجال” وهي الشق الاخر من الانسان، مما يعني ان الانسان يتكون من ذكر وانثى.

عن عمر علي باشا

عمر علي باشا
عمر علي باشا، طالب ماجستير في الاقتصاد يهتم بالفكر والفلسفة

شاهد أيضاً

الصومال: لهذا فضل الحياد في الأزمة الخليجية

لم يكن للصومال منذ إسقاط نظام محمد سياد بري سياسة خارجية مفهومة وثابتة، وغالباً ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.