الرئيسية / مقالات رأي / آراء فكرية / المرأة في الخطاب التقليدي .. الاغتراب والتشيوء (2/1)

المرأة في الخطاب التقليدي .. الاغتراب والتشيوء (2/1)

الخطاب التقليدي وانتاج المرأة
يلتزم الخطاب التقليدي الديني والادبي الانتصار للقيم الذكورية، ولاسيما فيما يتعلق بالقيم الاجتماعية مثل الفضيلة والرذيلة، التي تتشكل حسب الاوضاع الاجتماعية، فالخطاب التقليدي بشقيه الادبي والديني لا يخرج من السياق الذي تحدده السلطة الاجتماعية. ونحن نقر بان الاخلاق والوضع الاجتماعي تشكلها السلطة الاجتماعية التي عادتاً يكون الذكور فيها في اوج الهرم الاجتماعي لكافة المجتمعات البطريركية.
هذا الخطاب يشكل الادوار والاخلاق الواجبة ويسن القوانين والاعراف، وهذا ما يحدد ثقافة المجتمع، ومنها تتشكل القيم الفردية، فالمرأة تكتسب تلك الثقافة المتهيئة لها، ولا تكون المرأة امراتاً الا بتطبيق تلك الأعراف السوسيوثقافية.
الانسان كائن اجتماعي بطبعه، ويريد ان يُكون علاقات متعددة، ويتأثر بالبيئة الاجتماعية التي تحيط به، ومند نشوؤه الاول وحتى وفاته يتشكل الانسان ويكتسب السلوك حسب خبراته اليومية، والمرأة هي طبعا جزء من هذا العملية، فهي تكتسب السلوك حسب التوجهات السائدة للمجتمع اي بصورة اخرى تكون المرأة امرأة حسب الصورة النمطية تجاه المرأة.
من يضع هذه الصورة النمطية؟
حسب الثقافة الاجتماعية المرتبطة بعوامل مختلفة منها طبيعة العمل الاقتصادي، فالمجتمعات الرعوية يكون العمل الاقتصادي عملا ذكورياً، وحسب طبيعة البيئية الشاقة التي يسودها التدافع والصراع بين الانسان وبين الطبيعة من جهة وبين الانسان والحيوان من جهة واخرى، والانسان فيما بينه من جهة اخرى، فالذكورية ميزة اقتصادية وثقافية، لانها تُمثل الانتاج الاقتصادي والانتاج الثقافي، وتطلع ايضا بدور الدفاع ومواجهة الخصوم، والمحافظة على الثروة المادية والمعنوية. بينما تكتفي المرأة بشكل خاص برفاهية الرجل، والعيش تحت كنفه. وهنا تتبلور مفاهيم اخلاقية لازالت حية بيننا مثل الولاية، المحرم، وغيرها من المفاهيم الاخلاقية. ونؤكد ان المفاهيم الاخلاقية لا تتشكل من فراغ بل من خلال عمليات اجتماعية واقتصادية متداخلة، وتترسخ في الذاكرة الاجتماعية كأعراف مقدسة. هكذا ينتج خطاب المرأة من خلال أدواته الاجتماعية والاقتصادية.

الخطاب التقليدي وتشيئة المرأة
نقصد بالتشيئة تحويل الانسان الى شيء خالي عن كل المضامين الانسانية مثل الشعور بالرغبة والاستقلالية وغيرها، وهذا ما نقصده في مقالتنا، وبعبارة اخرى “التشيؤ يعني بصورة اخرى تحول صفات الانسان الى اشياء جامدة واتخادها لوجود مستقل، واكتسابها لصفات غامضة غير انسانية”.
ادعي هنا ان المرأة في مجتمعاتنا تم تشيئتها من خلال هذه الثقافة الذكورية المهيمنة، والتي تتجاهل الصفات الانسانية للمرأة، فليست المرأة في مجتمعنا الا كائن مستهلك، ينتظر القرارات من الذكور الاقارب، وتتحمل هي منفردة مجموعة من المفاهيم الاخلاقية ويجب عليها ان تحافظ هذه المفاهيم، مثل البكارة والشرف والالتزام، والخضوع، وتمر بتقنيات من خلال التنشئة لاكتساب هذه المفاهيم. وتحدد قيمتها حسب التزامها بهذه المعايير. فالبكارة على سبيل المثال تمثل قيمة المرأة، ومفهوم الشرف يتجسد في جسدها، فهي الوحيدة التي يجب عليها ان تحافظ على شرف اسرتها وقبيلتها، فالذكور ليسوا ملزمين بالحفاظ على شرف الأسرة والعشيرة .
الادعاء القائل ان الغرب حول المرأة الى مادة لا يعني ان المرأة عندنا تمثل انساناً، فالصفات الانسانية يحتكرها الذكور وهي ممنوعة على الإناث، واذا تقمصت هذه الصفات فأنها ستكون مسترجلة، فنحن لسنا ابرياء من تشيئة المرأة.
وكما قلنا ان التشيوء ينكر الصفات الانسانية، ويربط قيمة الانسان بأشياء غير انسانية، فالمرأة عندنا تتحدد قيمتها حسب البكارة والقدرة على الانجاب، وجمال الجسد فكل هذه محددات غير انسانية، فالإنسان يكتسب القيمة من خلال انسانيته ولا يكتسبها من خلال أشياء اخرى مثل قدرته الانتاجية او وضعه الاجتماعي او البنية الجسدية، إذ لا يفقد الأنسان قيمته الإنسانية مثلا إذا فقد احدى اعضاء جسده، لإسباب مختلفة.
المرأة والشعور بالاغتراب
لتشيوء يؤدي الى الاغتراب في ظل العلاقات الاجتماعية، والاغتراب يحدث بشكل عام حينما تسيطر على الانسان البيئة الاجتماعية وتسلب منه حقوقه الطبيعية، والحق الطبيعي هي مجموعة الحقوق التي يكتسبها الانسان بالطبيعة من حرية وكرامة انسانية، وكذلك الحق الطبيعي يتضمن حرية الاختيار والتنقل والتعبير والاعتقاد والحياة الكريمة. فإذا فقد الانسان هذه الحقوق فانه سيشعر بالاغتراب عن واقعه الاجتماعي. وهكذا المرأة في مجتمعاتنا تشعر بالاغتراب من حيث العلاقات ومن حيث حقوقها الطبيعية.
من خلال الاغتراب تصبح المرأة مثل اي شيء وتنفصل عن انسانتيها المسلوبة وتتحدد علاقاتها الاجتماعية حسب المعايير التي تحدد قيمتها الانسانية – (القدرة على الانجاب- البكارة- الجسد- الشرف).

حقوق المرأة حقوق الانسان
يشاء دائما الى مفهوم حقوق المرأة في العصر الحديث،على ما يمنح المرأة من مختلف الاعمار من حقوق وحريات، والتي من الممكن ان تتجاهلها القوانين وتشريعات بعض الدول. وكالعادة تم فصل حقوق المرأة من حقوق الانسان بصورة عملية، وذلك لان المرأة من العناصر الضعيفة المهمشة في المجتمع مثل حقوق الاقليات. في الوضع الطبيعي كان من المفترض الا تنفصل حقوق المرأة عن حقوق الانسان، ونقصد الفصل النظري، لذا يجب ان تكون حقوق المرأة نظريا من ضمن حقوق الانسان، فكل ما يحتاجه الانسان من حقوق وحريات هي طبعا حقوق المرأة. وعلى الحقوقيات ان يناضلوا لأجل انسانيتهم المسلوبة والمهمشة، واعادة صياغة الوعي الاجتماعي الذكوري الذي ربط المرأة بالأشياء المادية.

عن عمر علي باشا

عمر علي باشا
عمر علي باشا، طالب ماجستير في الاقتصاد يهتم بالفكر والفلسفة

شاهد أيضاً

أزمة المثقف الصومالي المجروح: بين عبء أساطير الماضي وأوجاع الحاضر

تركت حقبة الحرب الأهلية هشاشة في نفس المواطن الصومالي، فهو سليل المحاربين من رعاة الإبل، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.