الرئيسية / مقالات رأي / الصومال .. والتحول الديمقراطي

الصومال .. والتحول الديمقراطي

التحول الديمقراطي كان من المفردات المتداولة في الخطابات السياسية أثناء الانتخابات الرئاسية في الصومال، حيث يشير بعض الباحثين إلى  أن قضية التحول الديمقراطي في الصومال باتت أسهل بكثير من نظيراتها العربية والإفريقية، حيث يسهل إرساء الأدوات الديمقراطية وإعادة تشكيل الفعل السياسي.

أصبحت قضية التحول الديمقراطي أو ما يعرف بـ الدمقرطة Democratization مبحثا مهما وجديدا في العلوم السياسية في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي. والتحول الديمقراطي من الناحية النظرية هو عملية الانتقال من نظام تسلطي إلى آخر غير تسلطي، يقبل بالتعددية السياسية وتداول السلمي للسلطة ومبدأ الحرية. والديمقراطية في هذا السياق نظام يحمل آليتين مهمتين وهما الديمقراطية الأدائية; وهي استخدام أدوات الديمقراطية، والديمقراطية النظرية ويُقصد بها المفاهيم الفكرية التي تحملها الديمقراطية.

والصومال حاليا يعيش مرحلة انتقالية تاريخية من ناحية التحول والتغيير السياسي والاجتماعي، حيث يمكن للنخب الديمقراطية، إن وجدت، توطيد الفكر الديمقراطي وإعادة إنتاج المجتمع.

من ٢٠٠٠ الى ٢٠١٧ تعاقب على الصومال ٥ رؤساء ولم يتم إعادة انتخاب أي واحد منهم، وهذه كما يبدو أصبح عرفا سياسياً،وأظن أنها ستكون في ذاكرة المرشحين مستقبلا، وأولهم الرئيس الحالي المنتخب محمد عبد الله فرماجو. وهذه الظاهرة تستحق الإشادة لأن تداول السلطة يضعف النزعة الاستبدادية، وآلية لمعاقبة كل  رئيس يفشل في أداء مهمته.

 هل الديمقراطية مجرد انتخاب النواب رئيس للبلاد؟

الانتخابات هي أداة أساسية للنظام الديمقراطي لأنها تعطي الشعب مشاركة فعالة في الإدلاء بأصواتهم لاختيار من يستحق تمثيلهم، وينطلق من التعريف الكلاسيكي” الديمقراطية حكم الشعب”، إذ يمثل الشعب الفيصل وصاحب القرار النهائي في الدولة. وكما نفهم في هذه النقطة الأساسية أننا لازلنا في طور بدائي، ولم تتم انتخابات مباشرة، بل لازال النواب هم من يحددون مصير الشعب، في اختيار الرئيس. فهناك مسافة طويلة بيننا وبين الديمقراطية الفعلية وكذلك حجم التزوير الانتخابي يكون سهلا أثناء الانتخابات المباشرة التي تعطي لكل مواطن حق التصويت، بالمقارنة مع الانتخابات الحالية التي يقوم عدد من النواب باختيار أحد المرشحين رئيسا للبلاد، لذلك  أعتقد أن الديمقراطية الأداتية لن يكون لها معنى ما لم يكن هناك وعي ديمقراطي. أو بتعبير آخر انتخابات النواب للرئيس ليس كافيا لحدوث تحول ديمقراطي. فإننا نحتاج إلى إرساء القيم الديمقراطية،  لذلك من الأشياء المهمة التي تساعد في تأسيس الوعي الديمقراطي هو تسويق الفكر الديمقراطي وترسيخه في الوعي الجمعي والقيام بالتنمية السياسية.

اذاً ما هي مرتكزات الفكر الديمقراطي؟

  • الحريات: تعتبر الحريات من المؤشرات التي تستخدم لقياس مدى التحول الديمقراطي، لذلك، ينبغي على النظام السياسي احترام الحريات وعدم سلبها أو انتهاكها، وخاصة الحريات المدنية والحريات الفردية، وكذلك حرية التعبير والصحافة وحرية التجمع والتنظيم الحزبي والتظاهر السلمي، فإن انتهك النظام  للحريات ستكون هناك عقبة أمام التحول الديمقراطي. ولاسيما في الصومال حيث اختفت الحريات، ونحتاج إلى خطاب ديمقراطي يدعم الحريات.
  • التعددية والمساواة: يستنكر بعضنا مبدأ التعددية ويميل إلى تمجيد الأحادية أو النمطية، وهذه ثقافة المجتمعات التقليدية، التعددية قد تكون سياسية وقد تكون اجتماعية، وعلى المجتمع المدني أن يحافظ على التعددية كمصدر ثراء والتنوع وإبداع ثقافي، وكذلك المساواة والعدالة الاجتماعية تقوي التماسك الاجتماعي، مما لا يسمح بحدوث حرب أهلية، وكذلك الحفاظ على حقوق الأقليات والجماعات العرقية.
  • الدولنة Statness: يقصد بها  ترسيخ المؤسساتية واحترام الدستور والقوانين وتداول السلطة سلميا طبقا لقواعد قانونية وإجراءات دستورية وتفعيل الشفافية ومكافحة الفساد،واخيراً تكون الدولة قادرة على ممارسة نفوذها بصورة قانونية. وكما يبدو فإن الدولة الصومالية في أمس الحاجة إلى الدولنة كخطوة مهمة في عملية التحول الديمقراطي
  • المجتمع المدني: من الصعوبات التي تواجه الديمقراطية هي فقدان الثقافة الديمقراطية والوعي الليبرالي أي وعي الحريات والنضج السياسي، حينها قد تتحول الديمقراطية إلى آلة دعم الدكتاتوريات الشعبية أمثال هتلر الذي وصل إلى السلطة بانتخابات ديمقراطية.

الثقافة الديمقراطية تحتاج إلى مجتمع مدني حديث، من ناحية العلاقات الاجتماعية ومن الناحية الاقتصادية. العلاقات الاجتماعية العامة يجب أن تبني على المواطنة وعدم الفصل بين المواطنين على اسس عرقية او دينية، وكذلك المجتمع المدني مجتمع متقدم اقتصاديا، فلا يتعرض للمجاعات. لذا التحول الديمقراطي يتطلب إعادة إنتاج المجتمع وتشكيله من جديد، وهذا ما نطلبه في الصومال كخطوة أساسية في عملية التحول الديمقراطي.إضافة إلى هذا المجتمع المدني مجتمع الحريات والتعددية وهذا ما يجعل المجتمع ثريا من ناحية الثقافية وبها يتم ترسيخ التعايش السلمي بين أطياف المجتمع. ونحن كمجتمع منقسم قبليا يصعب علينا ان نؤسس ديمقراطية عريقة، ولا يمكن أيضا أن نوطد اسس متينة للدولنة، لأن القبائل في مجتمعنا تمثل غولا يبتلع الدولة والسياسة معاً.

ثلاث مراحل للتحول الديمقراطي

  • مرحلة ما قبل التحول: تتمثل في مرحلة الدولة التسلطية والحكم المطلق، حيث تنتهك الحريات وتفرض هيبته الدولة بالقوة واستخدام الجواسيس، وهذه المرحلة تنتهي بالصراع والنزاعات الداخلية مما يؤدي إلى انهيار الدولة.
  • مرحلة الانهيار: وتبدأ في نهاية النظام التسلطي الشمولي حيث تتفكك المؤسسات مما يمهد إلى حدوث تحول سياسي وظهور نظام سياسي يقوم بإرساء قواعد قانونية، يمهد الطريق إلى انتخابات مباشرة.
  • المرحلة الثالثة: وهي مرحلة التماسك الديمقراطي التي يحدث فيها حالة من التناغم والتماسك بين مختلف المؤسسات الاجتماعية والسياسية في الدولة.

يبدو لي أننا في المرحلة الثانية حيث يوجد نظام سياسي جاء في فترة من الضياع السياسي والاجتماعي وعلى هذا النظام إرساء القواعد القانونية التي تمهد الطريق إلى التحول الديمقراطي، والانتقال من نظام سياسي تقليدي إلى نظام ديمقراطي مدني.

 

عن عمر علي باشا

عمر علي باشا
عمر علي باشا، طالب ماجستير في الاقتصاد يهتم بالفكر والفلسفة

شاهد أيضاً

الذكرى الثامنة لحادثة شامو المؤلمة

لم يكن يوم الثالث من شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2009 كأي يوم بالنسبة لسكان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.