الرئيسية / مقالات رأي / آراء سياسية / المفاوضات بين صوماليلاند وخاتمو .. الدوافع والدلالات.

المفاوضات بين صوماليلاند وخاتمو .. الدوافع والدلالات.

أُعلن مؤخراً التوصل الى اتفاق مبدئي بين جمهورية صوماليلاند وإدارة خاتمو،  ووقعت اتفاقية إطار بين وزير خارجية صوماليلاند الدكتور سعد علي شري ومحمود شيخ عمر حسن رئيس وفد إدارة خاتمو في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. يهدف الطرفان من هذا الاتفاق الى طَيّ صفحة صراعٍ دام نحو عقد من الزمن، وشكل عقبة رئيسية أمام الاستقرار والتنمية في الأقاليم الشرقية لصوماليلاند التاريخية، فهل انتهت قضية الشرق التي أرقت هرجيسا؟

خلفية القضية

في نهايات الصراع المسلح على نظام 21 أكتوبر، أعلن السيد عمر عرتي غالب -آخر رئيس وزراء للنظام العسكري- انهيار النطام وانتهاء حكم الجنرال سياد برى، وأمر قطاعات الجيش المتواجدة في الشمال بالإستسلام لعناصر الحركة الوطنية الصومالية (SNM) الساعية لإسقاط النظام العسكري. وهكذا آلت إدارة شؤون شمال البلاد إلى الحركة، وبحكم كون معظم قيادتها وجل قواتها من قبائل الإساق نشبت خلافات ذات طابع قبلي بينها وبين ساسة وقيادات من قبائل أخرى في شرق البلاد وغربه، حيث توجست تلك القبائل من سطوة الحركة المنتصرة عسكريًا حينها. وقبل إنتهاءها من إحكام السيطرة على جميع أراضي الشمال أعلنت الحركة الوطنية الصومالية في 17/05/1991 فك الإرتباط او الإنفصال من طرف واحد عن جمهورية الصومال وإعادة إنشاء جمهورية صوماليلاند (الصومال البريطاني) بحدوده المعروفة والتي اعتمدت في أمم المتحدة غداة الإستقلال 26/06/1960.

وبعد إتمام السيطرة على الأرض اندلع صراع مسلح بين أقطاب الحركة، ثم تحول بسرعة البرق إلى حرب قبلية شاملة  قوّض الثقة بين ساسة قبائل الوسط (الإساق) وفي ما بينهم وبين قبائل الأخرى مثل (الهرتي) و (السمرون)، مما عجل بعقد مؤتمر المصالحة التاريخي بين أطراف النزاع في مدينة بورما. في هذا المؤتمر أعيد تشكيل صوماليلاند لتشمل الجميع، وأنتخب الرئيس الراحل محمد حاج ابراهيم عقال، -أول رئيس وزراء لصوماليلاند بعد الاستقلال وقبل الوحدة-  رئيسا للبلاد على خلاف رغبة قيادات المليشيات التي تشكلت بعد تشتت الحركة الوطنية الصومالية. واعتمد في المؤتمر ميثاق وطني حُكمت به البلد إلي يوم إقرار الدستور بالإستفتاء الشعبي سنة 2001.

لكن ممارسة السياسية المعتمدة على الفرد الذي يقدم مصالحه الشخصية على المصالح الوطنية وفرز الكوادر على أساس الثقة والإنتماء العشائري أعاق مؤسسات الدولة، وخلف دولة متمركزة في الغرب الأوسط (من بورما إلى بربرا)، وهذا ما أعاد إحياء نعرات الحرب الأهلية بخلفية سياسية في الشرق حين اعتمد ساسة المنطقة الذين خاب أملهم في نظام الرئيس عقال وخلفه طاهر رياله خطاب مظلومية الشرقية. ليتجدد الصراع في نهاية عقد الأول من الفية الثالثة.

تشكل خاتمو 

أعلن عن ولادة حركة سول سناج عين المسلحة بعد إجتماع لبعض القيادات القبلية والساسية المنحدرة من هذه المناطق، ا نعقد في العاصمة الكينية نيروبي 16/10/2009 ، وفي نفس المؤتمر توصل الحاضرون إلي اتفاق بموجبه تمت الدعوة إلى مؤتمر خاتمو إثنين الذي أعلن فيه  عن ولادة ولاية خاتمو الفدرالية. وبالفعل انعقد مؤتمر خاتمو الثاني في بلدة تليح التاريخية مطلع 2012 ،  ونجح المؤتمرون بالإعلان عن تشكيلة إنتقالية للإدارة الجديدة، في تحد واضح لكل المعارضين لتأسيس لهذ الكيان الجديد، وأولهم إدارتا صوماليلاند وبونتلاند اللتين وافقتا على انعقاد المؤتمر تحت لافتة تشاور قبلي غير مسيس لأعيان تلك المناطق، لكن مخرجاته شكلت مفاجئة لهما.

شملت التشكيلة الأولى لإدارة الأقليم الوليد بذور تفككه في داخلها، وعكست خلافات واحتقان قائم بين المؤسسين، فلم ينجح المؤتمر بتوحيد الصفوف واتجه إلى حل توافقي بتشكيل مجلس رئاسي مكون من ثلاثة رؤساء، ما أنتج  صراعات سياسية أدت إلى انشقاق بعض القيادات. ولتجاوز هذه المرحلة وأزماتها انتخبت الإدارة 14/08/2014 السياسي المخضرم على خليف غلير رئيس وزراء الصومال في عهد إدارة الرئيس الإنتقالي عبدي قاسم صلادحسن.

الدوافع والتوقيت

من البديهي أن مصالح أطراف الاتفاق هي أهم دافع وربما الوحيد للجوء إلي الخيار السلامي والمفاوضات في حل كافة القضايا العلاقة بين الجانبين، والضمان الاساسي له، كما أن الوضع السياسي في الصومال شكل حافزا قوياً لهذا التوجه وعنصرا حاسماً في التوقيت، لذا سنبحث عن ماذا يريد كل طرف من هذه العملية؟.

إستكمال عناصر السردية

سردية صوماليلاند السياسة قائمة على أنها إستعادة السيادة على أرضها التاريخية قبل اللإندماج مع الجنوب، أي الصومال البريطاني بحدود الإستقلال، وهذا يشمل مناطق الشرق –حسب الأدبيات الصوماليلاندية- التي تشمل محافظات سول وسناج، التي ينتمي إليها رواد مشروع إقليم خاتمو. لذالك أهم مهدد لهذه السردية هي محاولة إنفصال إحدى منطقتي الشرق أو الغرب (أودل وسلل)، التي تسكنها أغلبيات قبلية تختلف عن قبائل الوسط (الإساق)، مما يمكن أن يؤدي إلي إنهيار حلم الإعتراف الدولي، لهذا تولي النخبة الحاكمة في هرجيسا أهمية كبيرى لعملية السلام مع خاتمو، للإسدال الستار على هذا الملف بعد الإنتهاء شبه التام من ملف الأقاليم الغربية.

وأد حلم الإقليم لتخلص من العبء الأمني والعسكري

وجود خاتمو ومحاولاتها لتأسيس إدارة معترف بها فدراليا شكل أزمة أمنية في الشرق الأقصي حيث تسيطر خاتمو اليوم على شريط غير هين من الحدود مع إثيوبيا وبقية الصومال يمثلث أقصي الجنوب الشرقي لحدود وبعض المدن الصغيرة في المنطقة، مما إستدعي إستنفار عسكري دائم منذ أواخر عهد إدارة الرئيس السابق طاهر رياله كاهن، واستمرت المواجهات الموسمية حتي بعد إنظمام  المحرك الرئيسي لمشروع خاتمو ومؤسس حركة (ssc) سليمان عيسى أحمد -حجلوتوسيي-، والذي يشغل اليوم منصب وزير الصحة في حكومة أحمد سيلانيو.

هذه الحركة هي التي أطلقت شرارة المواجهات ضد صوماليلاند سنة 2009 ومهدت الطريق لقيام خاتمو عبر العديد من المؤتمرات، لذالك يهم صوماليلاند إيجاد حل دام وسلمي لهذه القضية، لتخلص من التوترات العسكريية والأمني التي إستنزف ميزانيتها العسكرية لسنين.

إسقاط ورقة التمثيل

من مهم لصوماليلاند أن تستكمل السيطرة على الأرض التي تريد أن يعترف العالم لها كحدود إقليمية، لتتخلص من ورقة عدم التمثيل للمناطق الشرقية التي يرفع وفد الفدرالية الصومال أمامها في كل جولات المحادثات المتعطلة.

الخروج من عدم اليقين السياسي

يبدو أن إدارة خاتمو وزعيمها على خليف جلير قررو الخروج من حالة عدم اليقين التي يعاني منها شعب المنطقة، وإنهاء وضعية البينية التي يعيشونها، حيث أصبح ملفهم خاضعا لتسويات الساسية التي تبرمها إدارة فيلا صوماليا، فلم تعترف بهم كإقليم فدرالي ولا حتي كممثلين للمنقطة التي يسطرون عليها ولا للقبيلة التي ينحدرون منها، فمقاعدهم في البرلمان الفدرالي توزعت بين بونتلاند التي تدعي تمثيل المنطقة بحكم الإنتماء العشائري، وصوماليلاند بحكم الإدعاء الجغرافي.

التنمية اولاً

يدرك كل من له إطلاع على أوضاع الأقاليم الشرقية الغياب الكبير للتنمية في المنطقة بسبب حالة الا حرب ولا سلم التي شردت رأس المال وأعاقت بناء المؤسسات التعليمية والصحية وغيرها في هذا الشطر من البلد، حتي الأمم المتحدة إعتبرت المنطقة أرض متنازع عليها بين صوماليلاند وبونتلاند وخاتمو، ومنعت هيئاتها من العمل فيها أو تقديم أي معونات فيها تحت أي من الإدارات الثلاثة.

دائما ما شكل مشروع الإقليم المبرر الدائم على لسان ساسة المنظقة لتأخر السلام وغياب التنمية أمام الجماهير، لكن بعد فشل إدارة الخاتمو بالحصول على إعتراف فدرالي لإقليمها وهي من أوائل الذي حاولو تنظيم المؤتمرات القبلية لبناء الأقاليم الفدرالية، أصبح رواد المشروع مقتنعين فيما يبدوا أن الإستقرار السياسي والأمني يأتي مع تقاسم السلطة مع هرجيسا، وقد يتيح المجال لأهل المنطقة للبناء والتعمير، وهذا في رأيي أهم وأفضل ما قد ينتج عن هذه المفاوضات.

الإتفاق

لقد عكس الاتفاق المبدئي المشار إليه سابقا ما ذهبنا إليه في هذا التحليل للدوافع والمصالح، فقد أَكذَّت والوثيقة الموقعة بين الجانبي والمكونة من أحد عشر بندًا على الحوار كخيار أساسي ووحيد لحل الملفات العالقة بين الطرفين، كما تضمنت الوثيقة بنودا جوهرة من أهمها والوقوف صفا واحدا ضد أي طرف ثالث قد يتذخل في المنطقة في إشارة إلي بونتلاند والحكومة الفيدرالية، وتسوية قضايا الدم والديه بشكل عرفي.

وإتفق الطرفان على عدم تشكيل أي مليشيات قبلية في المنطقة فضلا عن إعادة توزيع قوات صوماليلاند المتواجدة في المنطقة وفق الحاجة والضرورات الأمنية، مما ينعنى أن خاتمو ستتوقف عن مواصلة تشكيل قوة عسكرية وستقبل بالوجود العسكري للصوماليلاند، وقد يتم لاحقا دمج قواتها بالجيش والشرطة، خصوصا وأن البنذ الخامس نص على العمل المشترك لحماية الأمن ولإستقرار.

كذالك تم الإتفاق على بناء إدارة محلية قوية تشمل جميل المجالات السياسية والاقتصادية والامنية، كما نصت المادة التاسعة والعاشرة والحادية العشرة على العمل المشترك لتدشين مشاريع تنموية عملاقة في المنطقة، فضلا عن المساهمة من قبل صوماليلاند إسعاف ومساعدة أهالي المنطقة المتأثرين بالجفاف وأن يُسمح لهيئات الأمم المتحدة والجمعيات الخيرية بالعمل في المنطقة.

الخاتمة

هذا الإتفاق سيشكل أرضية جيدة للتوافق السياسي والسلام،  الأمر الذي سيخدم شعب المنطقة الشرقية بالأساس لو تم البناء عليه، وإستمرت الروح الإيجابية التي إتسم بها وفدي الجانبين. كما أن الأطراف ستستفيد منه سياسيًا بشكل كبير وقد نرى على خليف جلير يرجع إلي مواقع القيادة في صوماليلاند التي شارك في تأسيسها حين شارك في مؤتمر بورما الذي شكل النواة الأساسية لصوماليلاند كما نعرفها اليوم كأبرز ساسة الشرق.

 

عن عبداللة راجي السيد

عبداللة راجي السيد

شاهد أيضاً

الصومال..سياسة النأي والحياد

اتخذت الصومال موقفا رصينا متوازنا واختارت الحياد ولم تتورط الأزمة المشتعلة بين الدول الخليجية, بل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.