الرئيسية / مقالات رأي / آراء سياسية / العنف وإساءة استغلال السلطة في فترة حسن شيخ محمود

العنف وإساءة استغلال السلطة في فترة حسن شيخ محمود

بعد العديد من المؤتمرات الماراثونية لتشاورية حول كيفية إجراء الانتخابات الصومالية في 2016، تمخضت عنها صيغة الانتخابات الغير مباشرة، كبديل للانتخابات المباشرة التي أعلنت الحكومة المنتهية ولايتها عدم معقولية إجرائها كما كان مخطط له. وما أن استلمت الحكومة إدارة الملف الانتخابي حتى وقعت في المحظور، حيث سخرت أجهزتها الأمنية المختلفة لصالح تأييد شخصيات محسوبة عليها علنًا في وضح النهار، وبدون أدنى احترام للقانون والنزاهة والحيادية.
وفي هذه العجالة نتطرق لبعض مظاهر العنف التي لجأت إليها الحكومة المنتهية ولايتها خلال فترة الانتخابات الحالية.

العنف ضد مرشحي مجلس الشعب وضد مندوبي العشائر

تجلّت أبشع ملامح العنف في مدينة عدادو (العاصمة المؤقتة لولاية غلمدغ)، حيث وقعت اشتباكات مسلحة لحسم نتائج الانتخابات النيابية لصالح المرشح المفضل لفيلا صوماليا، تدخل في بعض تلك الإستباكات عناصر جهاز المخابرات الصومالي المعروف (بـ نيسا ) لحسم إنتخاب مرشح فريق الرئيس، مثلما جرى في عملية إنتخاب عبد القادر غافو محمود شقيق مدير جهاز المخابرات الصومالي الجنرال غافو، وقد تأجلت جلسة اختيار نائب لعشيرة مدير المخابرات أكثر من مرة بسبب شعور غافو بأن أخاه لن يفوز بالمقعد النيابي، الي حين يتم إعداد طبخة لتخلص من المنافس، وهو ما جرى فعلا حيث إنسحب منافس اخو الجنرال من السباق الإنتخابي تحت الضغط والتهديد، ليفوز عبد القادر غافو في مشهد يعكس قمة الفساد الإداري، واستغلال السلطة لتحقيق مآرب سياسية دنيئة، وقد أصدرت المنظمات الدولية بمختلف مسمياتها فور وقوع الحادثة بيانًا ينددون فيه بما جرى في مدينة عدادو وأشاروا لضرورة محاسبة الشخصيات التي تلطخت أيديهم بالفساد وعرقلت سير الانتخابات.

لم يكن العنف مقتصراً على الانتخابات في عدادو، بل تواصل ليتجلى في أبهى صوره في الانتخابات التي جرت في جوهر عاصمة ولاية “هيرشبيلي”إذ وقعت اشتباكات مسلحة في مدينة جوهر بين حرس مقر الانتخابات ومرافقي وزير الشباب والرياضة في الحكومة المنتهية ولايتها محمد عبد الله حسن نور، عقب خسارته في الانتخابات، مما أدى إلى تعليق الانتخابات مراراً، وأعلنت اللجنة الفدرالية المستقلة للانتخابات غير المباشرة إخراج وزير الشباب والرياضة من السباق الانتخابي، حيث ذكرت عدم خوض الانتخابات، الغريب الواقع ان الوزير فاز في المقعد النيابي بعد إعادة عملية اختيار مندوبي عشيرته، رغم التحذيرات المسبقة له من لجنة الانتخابات. ولم تُأخذ الملاحظات الخجولة من لجنة تسوية الخلافات الانتخابية محمل الجد، حيث اصطدمت بقراراتٍ محبطةٍ من قادة ما يسمى بالمنتدى التشاوري، التي بدورها افسحت الطريق للنواب المتهمين بالفساد والتلاعب بالأصوات، بالرغم من التنديدات الدولية.

بين العنف الممنهج وإرادة النواب
في العاشر من يناير الجاري، أعلن نواب إدارة غلمدغ تأييد عريضة لسحب الثقة من رئيس الولاية عبد الكريم حسن غوليد بـ (54) صوت من نواب برلمان الولاية، إلا ان غوليد أمر بمنح برلمان الولاية عطلة إجبارية، لمواجهة آثار موجة الجفاف والقحط التي ضربت أجزاء واسعة من غلمدغ حسب بيان صدر من قبل مكتبه. الغريب الواقع ان قرارات برلمان الولاية لم تجد حيزاً لتنفيذ..
حيث وصل غوليد إلى مدينة عدادو ومعه قوات من جهاز ” نيسا”، المعروفين بكونهم بيادق تُستعمل لأغراض شخصية منذ تسلّم المجموعة الحاكمة إدارة البلد، ومن الصعب فهم كيف يمكن زج كتائب تابعة لجهازا المخابرات” نيسا” في معركة كهذه؟ وتحت أي مبرر استدعي غوليد “نيسا”؟ وهل هم القوات الرسمية للولاية؟
لا أحد يطرح أسئلة كهذه ما دام منطق العنف وتصفية الآخر المخالف هو سيد الموقف.
وفور وصوله إلى المدينة التي هجرها سابقاً، حاول غوليد دخول مقر برلمان الولاية بالقوة، مما أدى الى وقوع اشتباكات بين قوات نيسا المرافقة له وبين شرطة الولاية التي أعلنت تأييدها لسحب البرلمان الثقة عن غوليد. ومات إثر هذه الاشتباكات اثنان وجُرح عدد آخر.
وبعد هذه الواقعة أصدرت قيادة ما يسمى بالمنتدى التشاور الوطني بيانا ينددون بقرار إقالة غوليد من منصبه، في مشهد يدل على خوفهم من رياح التغيير القادمة، ولأجل ألا تنتشر عدوى التغيير؛ اختاروا الوقوف مع صديقهم في معركته الوجودية مع النواب.
ويرجع السبب الرئيسي لفقدان غوليد ثقة البرلمان إلى عدم إقامة لمشاريع تنموية في الإقليم، واتخاذ مقديشو مقراً لمكتب رئاسة الولاية حسب زعم البرلمان، وكذلك الحروب المتتالية التي أشعلها غوليد على أكثر من جبهة، وإخفاقه في تلك الحروب العبثية.
ورغم العنف الممنهج الممارس ضد أعضاء البرلمان ما زال الترقب سيّد المشهد السياسي في ولاية غلمدغ، وبات النواب يمضون قُدماً نحو انتخاب رئيس جديد للولاية، حيث عينوا لجنة انتخابية يوم الاثنين الماضي، ويُتوقع استلام طلبات الترشح للمنصب قريباً.
كل هذه المساعي الجديدة في الإدارة تُعرقل عودة المجموعة الحاكمة إلى فيلا صوماليا، وتبعث برسالة شديدة اللهجة إلى حسن شيخ محمود ومجموعته؛ بأن منطق القوة لم يعد الفيصل في الصراعات السياسية في الصومال.

جهاز “نيسا” الذراع الضاربة لجماعة الدم الجديد
اختلطت الأوراق لدي مسؤولو وكالة الاستخبارات والأمن الوطني (نيسا)، وانصرفوا إلى تحقيق أجندات مسيسة تخدم لكبار الشخصيات للحكومة الصومالية، مما أدي إلى انحصار دورهم في ترهيب المجتمع وخلق دولة بولسيه، على غرار الأنظمة القمعية الفاشلة في العالم الثالث، وكانت محصلة النهائية هي تغيير بوصلة أكبر مؤسسة أمنية في البلاد، ويتجلى ذلك الإخفاق المتكرر لمواجهة حركة الشباب النشطة في داخل العاصمة، والتي صارت تنفذ هجماتها تلو الأخرى في العاصمة بدون آليات واستراتيجيات واضحة لتصدي للهجمات أو اعتراضها مسبقاً، وللآسف كان آخر هجومها الذي وقع بالأمس على فندق “ديح” الواقع من ناحية وابري في توقيت حرج وهو استعداد العاصمة لاختيار الرئيس القادم، إذ أن المسؤولين في الأجهزة الأمنية منشغلون في كيفية إعادة انتخاب مجموعة الدم الجديد إلى السلطة من جديد.
ومن خلال تتبع ممارساتهم في سنوات الماضية رصد واقع أنهم صاروا أداة لبطش المواطنين وتضيق حريتهم الشخصية، ونالت الصحافة النصيب الأكبر لتجاوزات الوكالة نيسا على حق الشعب، ففي الفترة ما بين آب/أغسطس 2012 وحزيران/ يونيو 2016، قتل ما مجموعه 30 صحفيا و18 برلمانيا في الصومال، كما ورد في تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى الصومال (أونسوم) ومكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان المشترك، ووثق التقرير أيضا 120 حالة اعتقال واحتجاز تعسفي لإعلاميين بين كانون الثاني/ يناير 2014 وتموز /يوليو 2016. وأضاف التقرير أنه على الرغم من أن حركة الشباب قد حظرت كافة وسائل الإعلام من العمل في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وتستهدف العاملين في مجال الإعلام في جميع أنحاء البلاد، إلا أنه أشار إلى أن قوات الأمن الفيدرالية على مستوى الدولة، بما في ذلك الجيش الوطني والشرطة ووكالة الاستخبارات والأمن الوطني، هم المهتمون الرئيسيون في الانتهاكات ضد الإعلاميين والنشطاء السياسيين.
ومن خلال عرضنا بعض التجاوزات البارزة لوكالة، نصل إلى نتيجة مفادها؛ أن السياسات الحالية للوكالة غدت جزءاً من مشكلة التي يعانيها الوطن، وبالتالي فقدت قيمتها كمؤسسة أمنية للتصدي لمخططات حركة الشباب، وتخبرنا الأيام أن العنف وإساءة استغلال السلطة ليسا وحدهما ما يضمن الاستمرار في الحكم، وأن استنساخ العقلية البوليسية للأنظمة الفاشلة سترجعنا إلى ما وقع في 91 إثر نهاية الحكم السلطوي في البلاد، ورغم كل هذه الانتهاكات الخطيرة التي مورست ضد الشعب المغلوب على أمره – من قبل الدم الجديد – إلا أنهم لا يضمنون تسيير أجنداتهم الخفية كما يريدون، لأنهم ببساطة فشلوا عملياً في انتشال الوطن من المستنقع الفساد واللادولة.

عن فريق تكايا

فريق تكايا

شاهد أيضاً

بوصاصو نموذج لروح الأخوّة والتّراحم

ممّا يثلج الصدور ويبقي الأمل في النّفوس قدرة الانسان الصومالي على استيعاب الكوارث والصدمات من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.