الرئيسية / مقالات رأي / آراء فكرية / في تشريح التطرف

في تشريح التطرف

تتكرر دائما تساؤلات حول التطرف والمتطرفين، ساد حولها الكثير من الغموض لم نستطع تفكيه وتشريحه، احد هذه التساؤلات ;لماذا يتحول الانسان الى متطرف؟  في هذه المقالة سنحاول ان نقف قليلا حول الافكار المتطرفة؟ وكذلك نحاول البحث عن اجوبة لمجموعة من التساؤلات: كيف يتحول الناس العاديون الى متعصبين؟ لماذا لا تختفي الافكار المتطرفة رغم انتشار التكنولوجيا والمعرفة؟ ما هو دور الموروث التاريخي في تنمية التطرف؟ وهل حقا نحن كائنات اعتقادية؟.

الفكر بطبيعته ينتج عن الطما الانطولوجي في محاولة فهم الواقع وسيطرته وبالتالي يشعر الانسان بالضعف حيال هذا الكم الهائل من المعلومات المتجسدة في الطبيعة، لذا يحالو تصوير الاشياء وتحويلها الى مادة فكرية، ومن خلال هذا التجريد أنتج الانسان اللغة التي تتآلف من مجموعة من الالفاظ لها معاني مختلفة.

وفي الواقع كـ بشر هنالك حد مفروض على تفكيرنا يمنعنا من ان نكون كلي العلم، ويجعل منا بصفة الية كائنات مؤمنة، لانه لا يمكن ان تنشأ علاقة بين الانسان والعالم الا بطريقتين: المعرفة او الاعتقاد. وبما ان المعرفة غير متوفرة في طبيعة الحال سنظل كائنات اعتقادية.

هناك حد مفروض على طبيعة المعرفة الانسانية وهي ثلاثية مزدوجة: اولاً:عقولنا محدودة الابعاد، لان وعينا منحصر في مساحة محدودة وحاضر أبدى، وهو ما يمنعنا في كثير من الاحيان الوصول الى معلومة ضرورية في اصدار الاحكام. وثانيا: الإنسان بطبيعته محدود الثقافة لذلك يفسر المعلومات حسب تمثلات سابقة. ثالثا: المعرفة محدودة لان قدرة الانسان على معالجة المعلومات ليست لانهائية.

هذه السمات الثلاثة هي اناسة، الفكر وسيظل الانسان كائن اعتقادي وان تطورت المعارف والتكنولوجيا، ولهذا فان المعتقدات التي تتسم بالتطرف سوف تظل موجودة مادام الانسان كائن اعتقادي.

كوننا كائنات اعتقادية ما هي علاقة اعتقاداتنا بالتطرف؟

هنا نستعرض دراسة مهمة قام بها مفكر سوسيولوجي فرنسي يدعى جيرالد برونر ويهدف كتابه الصادر بالفرنسية الفكر المتطرف: كيف يصبح الناس العاديون متعصبين، كسر الصورة النمطية عن التطرف، وانه نتيجة طبيعية للفقر او الجنون وما شابهها من الاحكام البسيطة التي تعجز عن فهم وتفسير الظاهرة تفسيراً علمياً.

نستعرض تعريف ريمون للمتطرفين،  حيث يصفهم أنهم “افراد قادرون على التضحية بأثمن ما عندهم وفي كثير من الحالات حيوات الاخرين باسم فكرة” ويؤكد ريمون ان التطرف لا يكون الا نتيجة اعتقاد جازم في صحة فكرة ما وجدارتها بصورة جادة قد تقتضي فرضها على الاخرين.

ان الإلتزام بالفكرة تحتاج الى قدر معين من التعصب، لان التعصب بجوهره هو الانتماء والشعور بالغيرة تجاه فكرة ما، وهذا الشعور عندما يتحول الى اسس معيارية، اي ان يجعل الفرد فكرته المركزية في الصواب والخطأ، وعدم الاعتبار بالنقد والتجارب الاخرى، بل يسعى المتعصب الى تقليل من شأن اي افكار اخرى مغايرة لفكرته، وهذا هو التطرف.

والتطرف بصورته الفكرية هي رفض امكانية الخطأ وبالتالي رفض اي نقد تجاه الفكرة وهذا من خصائص الفكر الراديكالي، والتطرف الذي نقصده هو المبالغة في التعصب الذي يمثل لنا الالتزام الجادي، فالالتزام الراديكالي اضافتا الى فكرة راديكالية يؤدي الى التطرف الفعلي.

إذا: كيف يصبح الناس العاديون متطرفين؟

وكما قلنا في البداية ان الفكر الانساني فرض عليه المحدودية، لذلك يكون الفرد خاضعا للنسبية الفكرية، وكل المعايير الذي يطلقها هي تمثلات سابقة مكتسبة، وهناك ثلاثة انماط تحول الانسان الى آلة اعتقادية ملتزمة بمعناها التعصب: اولا: توارث الافكار، فالشيعي أصبح شيعيا بطبيعة الجغرافيا والثقافة الاجتماعية، وكذلك اخوه السني، فلا يوجد من اختار مذهبة وافكاره المتوارثة. وهذا يسمى الانتماء بالوراثة. والشيء الثاني الانتماء بالإحباط  نتيجة للازمات والصراعات السياسية والاثنية، فهذا يغذي التعصب والتطرف. والاخيراً هو الانتماء بالكشف اي اسقاط المفاهيم التاريخية على الواقع، مثل الحروب الصلبيه، او المجتمع الجاهلي المشرك، بالتالي ينعزل عن المجتمع ويعلن عليهم المقاطعة.

التعصب الذي يعني الالتزام بتلك الانماط الثلاثة يجعل الانسان العادي كائن يحمل افكار متطرفة وجاهزة ان تتحول الى افعال وارتكاب جرائم باسم هذه الفكرة والسعي الى اعلائها، كالنازية مثلا، والصهيونية، والداعشية. والالتزام بالأفكار هي طبيعة الايديولوجيات والمعتقدات ويتطلب الالتزام اليقينية المنافي كليا للشك.

اننا نستطيع ان نقيس تجاوزات الافكار وتحولها الى افكار متطرفة حسب مواقفها من النقد والنسبية والحقيقة والمقدس ويمكن ان نقدم حزمة من الاسئلة يمكن لنا ان نحدد تجاوزات الافكار عن تلك المعاير: هل يمكن محاكمة الفكرة ونقدها؟ (الاجابة بـ لا تشير الى وجود نزعة تطرفية). هل يمكننا ان نضيف شيئا او نحذف منها شيئا؟ (الرفض يشير الى وجود تقديس). كيف ترى الاخر؟ (الصورة السلبية للأخر، تشير الى اقصاء قد يسبب الايذاء الجسدي). هل تعتبر ان هذه الفكرة هي الصيغة النهائية وصحيحة كلياً؟ (الاجابة بـ نعم يشير الى امكانية التحول الفكرة الى معتقد خطير قد يتحول الى فكرة مقدسة تفرض على الكل).

الافكار والتاريخ

الافكار تتشكل حسب الخصوصيات التاريخية فهناك افكار كانت مجيدة في فترة معينة من التاريخ وتحولت فيما بعد الى اضحوكة ونظرية عفي عليها الزمن، وبالتالي فان اسقاط الافكار التاريخية على الواقع تسبب نوعا من التناقض بين الواقع الحالي وبين الواقع التاريخي، اضافتا الى مخيلة الفرد المتعصب الذي يحاول ايجاد صيغة معاصرة لفكرة عفي عليها الزمن، فان هذا التناقض يثير حفيظة المتعصبين فيحاولون تحقيقها مهما كلف الأمر، وهنا تحدث الكارثة. فالجهل على من الخصوصيات التاريخية للأفكار وعدم التفاف الاناسة الفكرية (المحدودية او النسبية الفكرية) التي هي من خصائص الفكر الانساني، قد تسبب شرخ عميق بين عقل المتعصب التاريخي وبين المعرفة الانسانية. العقل التاريخي للمتعصب لا يكترث بــ التحولات المعرفية التي تحدث، والتجديد الفكري والتقني، فهو يعتقد ان الافضلية تكمن في الماضي وكلما تقدمت البشرية والتاريخ يكمن فيها الشر. وهذه العقلية تجهل الحركة التاريخية للمعرفة الانسانية، ويكفينا دليل الاكتشافات والثورة التكنولوجية التي حدثت منذ القرن العشرين الى الان.

الافكار والايديولوجيات في داخلها عنف وتطرف حسب بنيتها الاعتقادية، فالأفكار الثورية التي غالباً تبدأ بالوردية مثل الحريات والحقوق والمساواة تتحول فجأة الى افكار متطرفة، مثل ثورة فرنسا والقتل بالمقصلة، والوطنية، والاشتراكية ابان الثورة البلشفية، والنازية الهتليرية، والرأسمالية الطاغية والاستعمار. فأي فكرة تدعوا أتباعها الى التضحية من أجلها يسهل ان تتحول الى آلة قمعية قاتلة، فالثورة تأكل ابناءها كالعادة، والشيوعية ابادة الصينين والروس في بداية تطبيقها، فالشيوعية إبان كفاحها كانت تدعو الى والنضال والموت في سبيل تطبيق الاشتراكية والوصول الى الشيوعية –الفردوس المفقود- حيث الوعود الميتافيزيقية تأجج النزعة الانتحارية للمتطرفين في كل المعتقدات.

ما نود قوله هنا ليس ترك الاعتقاد بالأفكار او التزام بها، بل نريد ان نرسخ مفهوم النسبية الفكرية، وفتح المجال للنقد او امكانية الخطأ، وعدم احتكار الصواب، وقبول التعددية والافكار المختلفة، والاكثر من ذلك قبول حرية الاعتقاد، والسماح اللأخرين في ابداء ارائهم وافكارهم، ليكون المنطق هو الفيصل والحكم والمرجع.

عن عمر علي باشا

عمر علي باشا
عمر علي باشا، طالب ماجستير في الاقتصاد يهتم بالفكر والفلسفة

شاهد أيضاً

أزمة المثقف الصومالي المجروح: بين عبء أساطير الماضي وأوجاع الحاضر

تركت حقبة الحرب الأهلية هشاشة في نفس المواطن الصومالي، فهو سليل المحاربين من رعاة الإبل، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.