الرئيسية / مقالات رأي / آراء فكرية / لماذا ينفعل الناس إزاء الأفكار الجديدة أو نقد ما يؤمنون به؟

لماذا ينفعل الناس إزاء الأفكار الجديدة أو نقد ما يؤمنون به؟

يسألني صديقي ونحن كالعادة -نسرد الأحاديث ونحلل الوقائع: “لماذا ينفعل الناس إزاء الافكار الجديدة؟ او نقد أفكارهم؟ لماذا بعضهم يناضل بشراسة ضد أي تغيير ويحافظ على التقليد؟

هذه الاسئلة اثارت اهتمامي لأني مند فترة أهتم  بدراسة السلوك الانساني، واستحضر كل العلوم الانسانية لفهم السلوك النفسي للإنسان. وفي جانب اخر استوحي من الأدب وخاصة روايات الأديب الروسي الكبير ديستوفيسكي، حيث يشهد له أكبر عالم سيكولوجي في القرن العشرين سيجموند فرويد ويقول ” تعلمت سلوك النفس البشري من روايات ديستوفيسكي” ويتفق معظم من يهتم بكتابات ديستوفيسكي انه يعرض دراساته وتحليلاته للسلوك بصورة أدبية وفنية رائعة.

السلوك يتأثر بحزمة من الأسباب متداخلة بصورة تستعصي على التفصيل، وهذا ما يذهب اليه ديستوفيسكي في روايته الجريمة والعقاب. وإذا عدنا إلى مسالة الانفعال التي يسببها نقد الأفكار، فإن تحليلنا سيقتصر على واقع حالنا بجزئية ونسبية معينة، وهذه طبيعة كل عمل إنساني فكري وأدبي. لأننا لا يمكن ان نحصر كل الموضوع بسبب واحد أو بأسباب ثلاثة مثلا. لكننا سنحاول أن نشير لبعض الإشياء ونربطها مع بعض.

ونبدأ بسؤال مهم وجوهري وهي كيف تنشأ المعتقدات؟ ومن ثم سنحاول أن نجد جواباً للسؤال المهم في موضع المقالة: لماذا ينفعل الإنسان إزاء النقد والإفكار الجديدة؟

تنشأ المعتقدات عند نقطة تماس بين ثلاثة أشياء: وهي الإنسان وما يحمله من دوافع، والجماعة وما تحملها من عادات وتاريخ، والطبيعة وما تحملها من دلالات تحدد الأنماط الاقتصادية والثقافية. وهناك دوافع رئيسية  لنشوء المعتقدات كما يذهب إليه العالم النفسي الفرنسي “غوستاف لوبون “في كتابه الرائع “الآراء والمعتقدات نشوؤها وتطورها” وهذه الدوافع سمّاها: دوافع النشاط الكبرى: وهي اللذة والألم وينتج عنهما الرغبة، والرغبة تجتاح ذهننا وتحوّل معتقداتنا وفهمنا للأشياء حيث يقول الفيلسوف سبينوزا: “إننا نعتبر شيئاً ما صالحاً لأننا نرغب في ذلك” ويضيف لوبون :”لأن قيمة الاشياء لا توجد بحد ذاتها فأنها تحدد بالرغبة وحدها، وبصورة متناسبة لشدة الرغبة” (لوبون: ص ٤٣)

الرغبة هي المحرك الأساسي لسلوكنا وأفعالنا وحتى أفكارنا، لأن أفكارنا ليست إلا نتيجة تفاعل سلوكنا مع الواقع، فما نعتبره صحيحاً ومسلماً ليست صحيحاً بحد ذاته فحسب بل لأننا نحن نرغب في ذلك.

ويتفاعل المنطق الجمعي مع الرغبة الفكرية، نتوارث المعتقدات والعواطف من أهلنا، ونحدد قيمة الأشياء بحسب الذوق والتصور المكتسب عن طريق الوراثة، فوطننا جميل وهو الاجمل، وجماعتنا هي أفضل جماعة على وجه الارض، وغيرها من التصورات المكتسبة.

وهنا انتقل إلى السؤال الأساسي: لماذا ينفعل الانسان، تجاه الأفكار ونقدها؟

العواطف هي التي تقود أفكارنا غالباً، والفكرة ليست عموماً إلا “خلاصة لعاطفة يظل تطورها لا واعياً” (لوبون: ١٣٥). والانسان بطبيعته كائن عاطفي تسيطر عليه العاطفة والانفعال. وتمثل الأفكار القديمة (التصورات/الاعراف) شأناً  ذا أهمية في التكوين العاطفي والعقلي. وبالتالي، فنقد تلك الأفكار أو طرح أفكار جديدة تعتبر بمثابة توجيه إهانة للعواطف التي تشكلت عبر الوراثة أو عبر الاعتياد. وهنا يحدث الانفعال. “والانفعال هي عاطفة لحظية سريعة الزوال تقريبا تنتج عن ظاهرة مباغتة”.

ونقد الموروث والأفكار المعتادة تسبب انفعالاً عاطفياً ويصاحبه شعور بالإهانة؛ فيدخل الفرد في حالة تأهب ويستعد للمواجهة، وتظهر الاستجابة بأساليب مختلفة منها: رفع الصوت أثناء الحوار، واستخدام ألفاظ معيارية (كذب، هراء، وقاحة… وغيرها) وأيضا من طرق الاستجابة للنقد: التشويه والإقصاء مثل النعت بالأمراض النفسية، ومرات يبحث الفرد المنفعل عن غاية ومقصد أصحاب الأفكار الجديدة فيحاول بصورة او بأخرى أن يفبرك قصصاً وهمية مثل تلقي الدعم الخارجي، أو القبائلية، أو الكراهية والحقد، أو الانتصار لجماعة معينه. وتستمر المحاولات التشويهية للتخلص من الفكرة والتقليل من شانها، وكلها ناتجة عن الانفعالات التي يسببها نقد الأفكار الجديدة التي تخالف الموروث المعتاد.

 

عن عمر علي باشا

عمر علي باشا
عمر علي باشا، طالب ماجستير في الاقتصاد يهتم بالفكر والفلسفة

شاهد أيضاً

أزمة المثقف الصومالي المجروح: بين عبء أساطير الماضي وأوجاع الحاضر

تركت حقبة الحرب الأهلية هشاشة في نفس المواطن الصومالي، فهو سليل المحاربين من رعاة الإبل، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.