الرئيسية / مقالات رأي / آراء سياسية / لماذا فشل شريف حسن في مشروع تغيير “التقاليد السياسية” في الصومال؟

لماذا فشل شريف حسن في مشروع تغيير “التقاليد السياسية” في الصومال؟

منذ 2012 والسيد شريف شيخ حسن شيخ آدم في اختراق التقليد السياسي غير المكتوب في الصومال، وإنهاء التوزيع العشائري للنفوذ. إذ تقتضي هذه التّقاليد أن رئاسة البرلمان محصورة على عشائر دغل ومرفلي، بينما يتنافس كل من دارود وهويا على منصبي الرئاسة ورئاسة الوزراء. وغم سعيه الحثيث لكسر هذه التّقاليد، لم ينجح الرجل في تجاوزها خلال دورتين استحقاقيتين اثنين، فلماذا هذا الفشل؟

بداية؛ لا مفر من الاعتراف بعدم عدالة هذ التقليد السياسي غير المكتوب والمتّبع منذ عهد الحكومات المدنية، ويحق لكل مواطن صومالي التّرشح لأي منصب يشاء، وألا يقف انتماؤه العشائري أمام طموحه، غير أن تجاوز هذه التقاليد لا يتطلب فقط السيطرة على نواب العشيرة ومنعهم من التّرشح أو الإيعاز لهم بعدم التصويت لمن يترشحون من أبناء العشيرة، فكما يحاول السيد شريف حسن شيخ آدم أن يتجاوز هذه التقاليد يحاول الآخرون عرقلة جهوده، وضبط الإيقاع بما يضمن إبقاء اللعبة السياسية كما هي دون تغيير.

إذاً، كيف يمكن لأي شخص خلق معجزة تخرج البلاد من هذه التقاليد التي تصنف الصوماليين وحقوقهم المدنية والسياسية بحسب عشائرهم؟

جدير بالذكر، أن انتخابات أمس أظهرت وجود قوة تدفع نحو كسر هذه الأعراف السياسية القديمة، إذ حصل النائب عبد الرشيد حدغ على 97 صوت، وهو من عشيرة أوغادين المنحدرة من قبيلة دارود، وهذا مؤشر قوي نحو محاولة التغيير، وأن هناك عشائر أخرى غير دغل ومرفلي تسعى لتحقيق حلم تجاوز التقاليد، أيّاً كان هدفها من وراء ذلك. وفي المقابل حصل السيد جواري على 141 ليفوز من الجولة الأولى برئاسة البرلمان، ما يعني أن المتمسكين ببقاء التقاليد هم الأقوى حتى الآن.

فأين أخطأ شريف شيخ حسن؟

ربما كان أكبر خطأ ارتكبه الرجل هو الدّفع بمرشح من عشائر داورد، التي لن تمنحه صوتها بسبب رغبتها في التنافس على منصب الرئاسة أما غريمتها التقليدية قبيلة هويا، فلو اختار مرشحاً من الأقلية التي يُصطلح عليها بـ 0.5 لربما استطاع فعلاً كسر التقاليد، وشريف حسن على قلة نصيبه من التعليم، إلا أنه يعتبر من أنضج السياسيين وأكثر مرونة، ولو فاز مرشحه فمن الأرجح أن نصف المهمة تكون قد نجحت، ولبقي عليه نصفها الآخر وهو الفوز برئاسة الجمهورية، ولكن شريف شيخ حسن تصرّف بعقلية حذرة، ولم يغامر. فقد حسب حساب أن يفوز مرشح من الأقلية برئاسة البرلمان، ويخسر هو في السباق الرئاسي، وهكذا تخسر قبيلة دغل ومرفلي منصبها التقليدي، ولا يمكن لأي كان التّكهن  بما ستحصل عليه عشائر دغل ومرفلي بعد ذلك.

وهذا التخوف من خسارة أحد أهم المناصب الثالثة الأهم في البلد، مرّده هو خوف شريف حسن شيخ آدم من انحسار سيطرته شبه المطلقة على نواب القبيلة، وتحميله مسؤولية الخروج من ساحة الكبار، وبروز زعامة جديدة تنهي مسيرته، لكن السياسي لا غنى له عن المخاطرة أحياناً، فكما كان من المحتمل خسارة رئاسة البرلمان ورئاسة الجمهورية، كان من المحتمل ان تُخلق معادلة جديدة يموجبها يصبح رئيس الوزراء، وقد تتكرر هذه الصيغة لدورات استحقاقية أخرى! ولا يمكن معرفة ذلك بدون مخاطرة.

إن الاعتماد المطلق على التحكم بنواب العشيرة دون إقناعهم وإقناع غيرهم أيضا بضرورة التغيير، هو ما جعل شريف حسن شيخ آدم يتجرع لمرتين متتاليتين مرارة هزيمة مشروعه الطموح، فأي فكرة تفشل في تحوّلها لقضية راسخة في وجدان أغلبية من تستهدفهم لن يُكتب لها النجاح، فسياسيو صوماليلاند مثلاً رسخوا شعبيا فكرة الانفصال والاستقلال المقدّس، وسياسو بونتلاند أسسوا لفكرة الفيدرالية، حتى ترسخت كفكرة واقعية لا يمكن تجاوزها على مستوى الجمهورية، وهكذا… أي أن كل فكرة للتغيير تتطلب ترسيخها واقعيا ووجدانيا قبل أن تنجح ولو آنياً.

في الواقع، يحاول سياسيو القبائل التي تُصنّف بالصغيرة أو بالأقلية القفز من الهامش إلى المركز، ولكنهم يفتقرون للمخاطرة، وتوجيه الرأي العام لتبني قضيتهم، بل يفضلون العمل من وراء حجاب، وباستخدام واجهات من القبائل التي تُسمّى بالكبيرة أو الأكثرية، فيظهرون أمام الشعب وكأنهم يحملون مشاريع معادية للأمة الصومالية، فهم لا يظهرون ما يريدون، ولا يتصدرون المشهد بأنفسهم، بل يحاولون جعل أنفسهم أساطير مقدسة مثل النائب فارح عبد القادر.

إن من ينظر لتاريخ الأمم، فسيرى كيف صعدت أقليات مضطهدة للحكم دون الحاجة للعب دور النباتات المتسلقة أو الطفيليات،مثلاً مارتن لوثر كينغ الذي ناضل من أجل الحقوق المدنية للسود الإمريكيين، وخلّد التاريخ خطابه الشهير: عندي حلم! والحالمون المناضلون في التاريخ الحديث كُثر، والعمل من وراء واجهات ممن يوصفون بأنهم من  the right clan لن يجلب سوى رفض المجتمع للفكرة وتنكره لها واستهداف أبطالها، ولعل هذا هو السبب الذي جعل كلّاً من شريف حسن شيخ آدم وفارح عبد القادر يحصلان على لقب “سكين” الموحي بالخداع والانتهازية، لأنهما لم يملكا حسَ المخاطرة، ولاشجاعة تصدّر الجماهير الجاهزة -في رأيي- لتغيير  التقاليد السياسية غير المكتوبة.

عن سميه شيخ محمود

سميه شيخ محمود

شاهد أيضاً

أزمة المثقف الصومالي المجروح: بين عبء أساطير الماضي وأوجاع الحاضر

تركت حقبة الحرب الأهلية هشاشة في نفس المواطن الصومالي، فهو سليل المحاربين من رعاة الإبل، …

تعليق واحد

  1. ماشاء الله مقال رائع ويستحق الاشاده .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.