الرئيسية / مقالات رأي / آراء فكرية / خيارات المثقفين في زمن الحروب: بين الصمت والنّضال

خيارات المثقفين في زمن الحروب: بين الصمت والنّضال

لم يكن العالم يفتقر للحكماء أو المثقفين خلال كل الحروب التي وقعت بين البشر، بل كانوا موجودين ويمارسون مهامهم اليومية في شرح أفكار سقراط ونظريات أفلاطون المثالية، ويستفيضون في شرح مهمة الأنبياء العظيمة، وكانت صفوف الدراسة تعجّ بالطلاب النابغين والمنشغلين بتحصيلهم العلمي.في حين كانت الوحوش تنهش أجساد إخوانهم بحجة أن عِرقهم يتفوق على أقرانهم، أو لأنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، أو لأنهم أجدر بالمسؤولية من “الآخرين”، مبررين بتلك المزاعم ارتكابهم كل أنواع الجرائم دون غضاضة أو شعور بتأنيب الضمير.

ولا أزال اتذكر مقولة ديستويفسكي: “إن الضمير يعذب الطيبين فقط، وأن المجرمين قد تخلوا منذ فترة عما يسمى الضمير”، وبجرأة غير عادية؛ يتقدم هؤلاء نحو الثروة والسلطة، ويحتكرونها دون غيرهم، وفي مثل هذه الحالة ليس أمامنا إلا أن نتوقف لحظة ونراجع أنفسنا: “هل نحن أولئلك الوحوش التي لا تعرف الرحمة؟ أم أننا نملك ما يكفي من إنسانيتنا؟ وهنا أستحضر مقولة الفيلسوف الوجودي الفرنسي جون بول سارتر:”إنّ الإنسان يوجود في المواقف” أي أننا لا نتعرّف على الإنسان إلا بالمواقف التي يتخذها، أي أن اللص – على سبيل المثال- يمكن التعرّف عليه من خلال اراتكابه السرقة، والمجرم من أعماله الإجرامية، والكريم من خلال كرمه وهكذا…  وفي هذه الحالة، يصبح الصمت أو التحفظ وعدم قيام بأي فعل في الأحداث موقفاً، وليس أي موقف؛ بل هو موقفٌ انتهازي نفعي. ولكي لا يتحول المرء إلى انتهازي نفعي أو خائن حتى، فلابد أن يتخذ مواقف كل يوم.

إن محاولة دراسة ظاهرة ما، والكتابة عنها من برج عاجي بنصوص رتيبة، لا تغير شئياً في الوضع الراهن، بقدر ما يساهم الانخراط في العمل الفعّال يومياً في تغيير الواقع. وهذا ما جعل الفيلسوف سارتر مناضلاً سياسياً ذائع الصيت، فهو لم ينقطع اعن أعماله ولا كتبه رغم هذا النضال والنزول اليومي إلى الشارع.  وهنا أتساءل: أين هم المثقفون والأكاديميون الصوماليون الذين تركوا الفعل السياسي للانتهازين والمنتفعين طيلة السنوات الماضية؟

إن مهمة المثقف تتطلب القدرة على صياغة مطالب الشعب وطرحها والمطالبة بها، والدّفاع عنها في مواجهة سلطة الدولة. لأن خطورة الدولة الحديثة تكمن في أنّه يمكن أن تُختطف – طغمة صغيرة انتهازية – أجهزتها وإخضاعها لرغباتهم الخاصة، أي ان الدولة تتحول إلى حظيرة لهذه الطغمة، ومهمة المثقف لا تقتصر على صياغة مطالب المجتمع وطرحها بل تتعداه إلى كشف اقعنة النفاق لدى المنتفعين السياسين والمثقفين المتعاونين معهم، هؤلاء الذين لا يطرحون مفاهيم دولة الرفاه والعدل، بل يحرضونهم على إقصاء الآخرين، واحتكار السلطة في أيديهم دون غيرهم.

هذه المهمة تعرض حياة المثقف ومصالحه الشخصية للخطر، بحكم فردية عمله والتشتت الذي يعانيه المثقفون مقارنة مع الطبقات الأخرى في المجتمع، ما يجعلهم فريسة سهلة للنظام المستبد، لكن وبما أن الإنسان كائن ميتافيزيقي يخاف من الموت والفناء، فإنه يبحث عن الخلود والعود الأبدي وهو ما يجعله يتخذ مواقف بطولية في لحظة تتضاءل فيها فرصة نجاته من الموت الذي يبدو محققاً في بعض الأحايين، وهذا ما فعله جُلّ المناضلين المعروفين في التاريخ ممن انتصروا في معاركهم وخُلدّت أسماؤهم، في حين  عاش البعض الآخر مع انتصاراتهم.

إذا كان ماركس يراهن على الطبقة العاملة كمنتجين، ويعتبرهم العنصر المهم في المجتمعات، فإن حنة آرندت ترى أن النمو العظيم في الإنتاجية في العالم الحديث، لم يتم بأي حال من الأحوال بفضل تزايد إنتاجية العمال، بل فقط بفضل تطور التكنولوجيا وهذه لا تعتمد لا على الطبقة العاملة ولا على البرجوازية، بل على أهل العلم والثقافة ولهذا فهي تراهن على المثقفين قائلة: “من المؤكد أن الطبقة الثورية الوحيدة الجديدة والممكنة في المجتمع ستكون مؤلفة من المثقفين، هؤلاء الذين لديهم قوة قادرة كبيرة لم تتحقق بعد، قوة ربما كانت أضخم من أن تعمل لصالح الإنسانية”

إن هذه المهمة تجعل المثقف يلعب دور مهماً في سيرورة المجتمعات، وفي ظل المراحل الانتقالية، أي بعد الخروج من الحروب الأهلية أو الثورات تتعاظم مهمة المثقف وتتطلب منه تقديم تصورات عن مكتساب الثورة، بما فيها حرية التعبير ،حرية الحصول المعلومات ونشرها وجميع حريات العامة وكذلك كل الحقوق السياسية والمدنية وبهذا سيستطيع المجتمع التعرف على حرياته وحقوقه بفضل أطروحات المثقفين.

المصادر

الكلمات/جون بول سارتر

أساطين الفكر/بول رجيه

في العنف/حنة أرنت

عن سهل علي

سهل علي
مدون من جيبوتي

شاهد أيضاً

أزمة المثقف الصومالي المجروح: بين عبء أساطير الماضي وأوجاع الحاضر

تركت حقبة الحرب الأهلية هشاشة في نفس المواطن الصومالي، فهو سليل المحاربين من رعاة الإبل، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.