الرئيسية / مقالات رأي / آراء سياسية / صناعة الزعيم “المزيف”: فارح شيخ عبد القادر مثالاً

صناعة الزعيم “المزيف”: فارح شيخ عبد القادر مثالاً

صناعة الزعيم خطوة لا غنى لأي جماعة أو حركة عنها، زعيم تنسب له كافة الصفات الخارقة للعادة، وتأتي مركزية ومحورية القائد الذي تصطنعه الجماعة أو تصنعه الأحداث الجارية في أي بلد. في الصومال؛ أرادت المجموعة المسمّاة شعبياً بـ”دم جديد” بصناعة زعيم لها، تسوّقه للعامة، وتنصبه “مخلِصاً للأمة” وحاملاً آمالها، ووقع الاختيار على النائب فارح شيخ عبد القادر. وبعد 4 سنوات للرجل في ممارسة العمل السياسي، حُقّ لنا أن نتساءل عن الدعائم التي بُنيت عليها عملية صناعة الزعيم فارح شيخ عبد القادر. هل قدّم الرجل تضحيات كبرى من أجل قضايا الأمة لم يقم بها أحد؟ هل خاض معارك من أجل الانتصار للقيم الصومالية المهددة؟ هل وضع أمام الصوماليين مشروعاً لإعادة بناء الأمة والدّولة بما يتوافق مع عقيدتهم وثقافتهم؟

كيف يصنع الزّعماء؟

يظهر الزّعماء في مجتمعاتهم إما لمواقف وطنية وقومية بحتة، أو تصنعهم الأذرع الإعلامية للأنظمة الشمولية الاستبدادية لتأليه الزعم الأوحد الفرد الأسطوري!

فالزعيم الهندي مهاتما غاندي، أصبح أسطورة للأمة الهندية، حين قاد ثورة سلمية ضد المستعمر البريطاني وتصدّر المشهد بنفسه ليكون ملهماً للجماهير، ورافعاً مبادئ الحقوق والحريات ونبذ العنصرية، وقاد المظاهرات بنفسه.

أمّا الرئيس الصومالي آدن عدي، فاعتبر بطلاً وزعيماً قوميا ً بسبب موقف شجاع منه، وهو تقبل خسارته للانتخابات الرئاسية في عام 1967، مع شعبيته وثقة الناس به.

وكذلك بقية الزعماء، يمكن ذكر مواقف شجاعة لهم، ويُعرفون بتصدّرهم للجماهير وقيادتها، وهذا عكس ما عُرف عن فارح شيخ عبد القادر، الذي  يميل للغموض، ولا يقدّم أفكاره للناس علانية، بل يهرب من تقديم مشروعه الذي يقال أنه رائع ومن شأنه إنقاذ الأمة. ذلك المشروع الذي لا يعرفه أي شخص، وإن كنت -عزيزي القارئ- تشكّ في ذلك، يمكنك مراسلة مؤيديه وسؤالهم عن طبيعة هذا المشروع الفذّ.

ولكن ما نعرفه كشعب لا يفهم سبب تقديس الرّجل، إنه من خلال ممارسته للسياسة، لم تُظهر أفعاله ما يدّل على تميّزه عن غيره من الساسة الصوماليين، ولا يزال كل الصوماليين يذكرون جيداً كيف أدخل البلاد في حالة من الجمود بسبب رفضه تغيير حقيبته الوزارية، وهذا أمر غير مسبوق، وفضّل أن يضحي بمصلحة البلاد مقابل التّمسك بوزارة العدل والدستور، التي أرادت المجموعة من خلالها العبث بالدستور بما يناسب أجندتها التي لا يعرفها أي أحد.وقد ظهر استخفافه بالمهام الموكلة له كوزير للعدالة والدستور إذ قال أنه من المستحيل تاسيس محكمة دستوية في 60 يوماً، لأن الحكومات الصومالية في الستينات لم تتمكن من تأسيسها في سنوات! ومع ذلك الإقرار بعجزه عن الإيفاء بواجباته، تمسّك بالمنصب دون أن يقبل قرار رئيسه المباشر، ربما شعوراً منه بأنه هو من صنع الرئيس الذي عيّن رئيس الوزراء هذا، فمن يكون حتى يغيّر حقيبته الوزارية؟

ومرة أخرى، على ماذا أرست الجماعة عملية صناعة الزعيم فارح عبد القادر؟

أولاً: إنه من سلالة طاهرة

السلالة الطاهرة تشير إلى أنّه من عشيرة لم تشارك في الحروب الصومالية، ولأنها إحدى عشيرتين تحتكران الزّعامة الدينية في الصومال، كما توجد قبيلتان تحتكران منصب الرئاسة. ولكن هل هذه السلالة الطاهرة برئية من حمل السلاح؟

يكفينا جواباً أن هذه العشيرة مثلها مثل أي عشيرة صومالية، لها صراعاتها مع العشائر التي تسكن معها وتجاورها، وأنها كانت طرفاً في معارك ديفو وفيرفير المتكررة في محافظة هيران. إذاً فهذه دعوى باطلة!

ثانياً: أبو التعليم الأهلي

ينسب مؤيدوه له الفضل في تكريسه لحياته من أجل التعليم في الصومال، ولكن بماذا تميّز عن غيره؟ في الواقع، الرّجل مثله مثل غيره ممن شاركوا في إطلاق التعليم الأهلي بعد انهيار مؤسسات الدّولة الصومالية، وكان موظفاً -أي كانت درجته- في منظمة مسلمي إفريقيا، التي أصبحت اليوم تعرف باسم العون المباشر. ولم ينفق من جيبه قرشاً بل كان وكيلاً لمنظمة إنسانية لا أكثر ولا أقل، ولم يناضل في سبيل استبدال القلم بالبندقية كما فعل المناضل الرمز إلمن، الذي قتل على يد بعض المتطرفين كما يقال بتهمة التنصر لأنه أقسم ألا يحلق شعره إلا بعد أن يستقر وضع البلاد.

ثالثا: بنى تحالفاً غير قبلي

يقول مؤيده أن الرّجل عمل على تأسيس حزب غير قبَليّ، مع تقديره لواقع أن القبيلة لا يمكن تجاوزها بسبب اتفاق السياسيين على المحاصصة القبلية المعروفة بـ 4.5، ونجح في أن يصل بحزبه إلى السلطة، وهذا ما فشلت فيه جماعات تنظيمية أخرى مثل حركة الإصلاح. حسناً، كان حزب السلام والتنمية متنوعاً قبلياً في ظاهره، فهل كان كذلك حقاً بعد وصولهم للسلطة؟

يجادل البعض أن مجرد الوصول للسلطة يعدّ مكسباً، أما بعد ذلك فهوخاضع لظروف وعوامل أخرى، ومرة أخرى، هل كان وصولهم للسلطة بسبب تخطيط فارح شيخ عبد القادر الاستراتيجي؟

لا يمكن التوافق على ذلك في الحقيقة، فبعض المراقبين يصفون وصولهم للسلطة بالصدفة غير المخطط لها، فالرئيس الانتقالي شريف شيخ أحمد حصل على أصوات أعلى في الجولة الأولى، وانسحب المرشح عبد الولي محمد علي غاس من السباق بعد حلوله في المرتبة الثالثة، وكعادة الانتخابات الصومالية، يخسر المرشح الذي سبق أن تولى المنصب، ويتحالف الجميع لإسقاطه، وهذ ماحصل فعلاً، فقد منح البرلمانيون المتحالفون مع غاس وغيرها من المرشحين ممن لم يحالفهم الحظ أصواتههم لمرشح حزب السلام والتنمية حسن شيخ محمود.

وبالعودة للتحالف غير القبلي، فإن الرئيس الذي يقال أن فارح شيخ محمود صنعه، أثبت في أكثر من مناسبة أنّه رجل مجموعة لها توجهات قبلية محضة، وتقدّم القبيلة على الدستور، ويكفي أن نتذكر معارضتهم لتأسيس جوبا لاند دون أي سند دستوري لموقفهم، وفي نفس الوقت إنفاق المال والجهد في سبيل تأسيس ولاية غلمدغ بما يخالف الدستور لضمان مكاسب قبلية وغيرها من التصريحات الأخرى.

كما أن الحزب بعد انتهاء انتخابات 2012، انهار ولم يعد له وجود، وتخوض الجماعة انتخابات 2017، تحت تهديد بحرب أهلية إذا لم يأت مرشح من قبيلة معينة.

وفي الختام، على جماعة “دم جديد” أن تفهم أن سبب اتهام الناس للسيد فارح عبد القادر مردّه ليس بسبب ا”الحسد” أو “الكراهية”، أو “الخلاف الإيديولوجي”، بل سبب شعورهم بأنه شخص غير موثوق، لديه أجندة معادية للأمة الصومالية، فهو لم يقل يوماً ماذا يريد؟ ولم يظهر تميّزاً يُذكر خلال ممارسته للعمل السياسي، ولا يملك من يرّوجون له أي توضيح لما يُضمره  “الزعيم” فارح عبد القادر، وحان الوقت ليكفوا عن تأليهه وتنزيهه، فهذا لا يزيل الشّك من نفوس أي مواطن واعٍ في الصومال. وربما ينبغي عليهم أن يحيطوا أنفسهم ببعض الأذرع الإعلامية الذكية التي تعرف كيف تروج لمشروعه بعيداً عن ترديد أنه من عشيرة لم تشارك في الحروب، وأن تحالف دم جديد غير قبلي، وغيرها من التّرهات التي لا يصدّقها إلا السذج ومن لا يتمتعون بالوعي الكافي.

عن سميه شيخ محمود

سميه شيخ محمود

شاهد أيضاً

الذكرى الثامنة لحادثة شامو المؤلمة

لم يكن يوم الثالث من شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2009 كأي يوم بالنسبة لسكان …

4 تعليقات

  1. غير معروف

    ها يمكن القول بأن القضية أشبه بمضمون المثل الصومالي: ( ushaada qofaa ka qaadan kartaa loo dhiibtaa ) ومعنى المثل يؤتمن الضعيف حتى لا ينكر عليك.
    والزعامة أمانة وائتمن المنحدر من سلالة طاهرة وأعجبني تعبير : السلالة الطاهر، وأعجبني أكثير تفسيرها، حتى إذا أرادوا غيره أتوا به، ولا يفعل بزعامة الحركة ما فعله المنحدرون من السلالات اﻷخرى بزعاماتهم…..

  2. المدهش في الأمر ، أن المعادلة في الصومال هي 4.5 ، والأدهى من ذلك ان 4 لا يريدون ان يروا أن واحدا من 0.5 يسود ، ويكون حديث الناس ، خلاصة الأمر ، ان فارح شيخ عبد القادر ، ولست من أقربائه ، كان رجلا معروفا وناشطا قبل أن يعرف الناس حسن شيخ محمود ، والدم الجديد ،…لذا أقول .. ولا يجرمنك شنئان قوم على أن لا تعدلوا . إعدلوا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.