الرئيسية / مقالات رأي / آراء سياسية / الدولة القديمة والقبيلة الحديثة في الصومال

الدولة القديمة والقبيلة الحديثة في الصومال

لقد عرفت الإنسانية منذ بدايتها أشكالا مختلفة من الحكم والإدارة، رغم اختلاف أسباب نشوئها وأساليب حكمها واسمائها، وقديما قد قيل: “ان أهم ما اخترعه العقل البشري هو الدولة”، ومن أهم وظائف الدولة حفظ الأمن ورفع مستوى الحياة لدى شعبها، إلا ان هذا المفهوم -اي الدولة-لم ينفرد وحده كأسلوب إدارة خاصة المجتمعات البدائية أو التقليدية، وكانت القبيلة حاضرة وبقوة بتقاليدها وأساليب حكمها وكذلك نظام العدالة الخاص بها، وبأنماطه المختلفة تبعًا لاختلاف الثقافة، والجغرافيا، والتاريخ.

يخبرنا التاريخ؛ أن مجتمعاتنا الصُومالية لم تعرف الدولة بمعناها الحديث، إذ حلّت القبيلة محلّ الدولة ومؤسساتها بما توفره من حماية لأفرادها ضد العدوان الخارجي، والتضامن الاجتماعي، وتقديم العدالة للمارقين، وذلك عن طريق تطبيق قوانين القبيلة، استمر الوضع على هذا المنوال إلى أن جاء الاستعمار وأسس بعض مؤسسات الدولة الحديثة مثل: قوات الشرطة، هيئة الضرائب، وذلك من أجل تسهيل الاستعمار لحكمه على المجتمعات المستعمرة.

واصل الاستعمار بدوره ترسيخ هذه المنظومة بما توفره من شرخ اجتماعي يمكنه من ان يحكم كيف ما شاء. وبعد رحيل المستعمر انشغل الصُوماليون بتقاسم السلطة ما بين الجنوب والشمال، ولم ينتبهوا لخطورة لمؤسسات الرخوة التي ورثوها عن المستعمر، نعم ورثوها لأنها لم تكن مؤسسات بناها أبناء الوطن، ما عزز فكرة المناطقية والقبلية حتى عشعشت وأصبحت سلطة لا تعلوا عليها سلطة.

نجحت الدول المتقدمة في تجاوز انتماء القبلي إلى الانتماء للوطن، لكن ما حدث في الدول النامية كان مختلفًا إذ ظل الانتماء للقبيلة قائماً، وذلك لأسباب بنيوية وتاريخية وثقافية. بعد جلاء الاستعمار ونشوء الدولة الصومالية،وفشلت النخبة الصومالية الحاكمة حينذاك في تجاوز هذه المعضلة. وبعد استيلاء سياد بري على مقاليد الحكم في البلاد وذلك بانقلاب عسكري تحولت هذه المشكلة إلى ذهنية حاكمة، أما اليوم فهي الفيصل في الحكم “4.5”.

وبعد وصول سياد بري إلى كرسي الحكم؛ ظن الجميع في الوهلة الأولى ان هذا النظام قد يكون أفضل من النظام السابق، وهو ما يفسر عدم مقاومة الشعب لهذا الانقلاب على الديمقراطية الوليدة، وبعد أن تبين للجميع ان هذا النظام أخطر مما تصوروا بعدما أعلن ما سمي بالاشتراكية، وأعدام العلماء، وما تبع ذلك من إجراءات شَعر الشعب الصومالي ذو التوجه المحافظ أن هويته والثقافته هي المستهدفة، ولامتصاص ذلك الغضب الذي تراكم بعد سنوات الأولى في حكمه، قرر سياد بري خوض حرب مع أثيوبيا من أجل استعادة الأراضي الصومالية المحتلة. وقد كان هذا أحد الأهداف التي رفعها سياد بري، وبالكاد كوّن مصدر شرعيته الوحيدة المتبقية.

وبعد الهزيمة في الحرب مع أثيوبيا فقد النطام تلك الدعامة والدعاية التي كان يستند إليها، وازدادت الضغوطات علية محليًا ودليًا، وشعر النطام أنه مهدد، وبعد فشل الانقلاب 1978 الذي قاده بعض الضباط العائدين من الحرب، تأكدت مخاوف النطام واتجه إلى تعزيز قبضته الأمنية بدل إجراء مراجعات شاملة لسياساته واستراتيجياته.

ومن هنا كانت الطامة الكبرى،إذ لجأ نظام سياد بري إلى قبيلته لكي يحكم قبضته على السلطة ومفاصل الدولة، وهذا اللجوء لعمري ما هو إلا  من أجل بحث عن الشرعية-شرعية القبيلة-بعد فقدان شرعيته السياسية، وهذه الشرعية أنتجت بدورها شرعية مضادة من نفس العائلة، أي القبيلة ضد القبيلة، حتى اندلعت حرب الأهلية في بداية الثمانينات وانتهت بانهيار الدولة المركزية وظهور أمراء الحرب في الجنوب، وإعلان الشمال انفصاله عن الصومال.

في بداية الألفية نظمت جيبوتي مؤتمر عرتا وذلك من أجل إعادة إنشاء الدولة الصومالية من رحم هذا المؤتمر، فبدل إعادة إنشاء الدولة الصومالية نشأت معضلة اخرى آلا وهي: (نظام 4.5)، الذي بموجبه تقاسمت العشائر الصومالية مناصب العليا للدولة وأعضاء البرلمان، بعد ترحاب حذر بل وخجول من المجتمع الدولي، لم يكتب للحكومة الوليدة أيّ نجاح، ومن سخرية القدر؛ لم يتبق من مؤتمر عرتا ومخرجاته إلا هذه المشكلة، مشكلة 4.5 وما هي إلا دسترة وشرعنة للقبيلة.

مع تطور الفكر البشري تطور مفهوم الدولة بحيث أصبحت مؤسسات الدولة هي الحاكمة، والحامية، تَقلص دور الفرد المنقذ، المبجل، بل المعبود أيضًا، وبالتوازي مع هذا التطور حدث تطور من نوع آخر في منطقتنا، وهو تطور القبيلة، حيث أصبحت القبيلة اللاعب الأساسي في الساحة السياسية، وحلَّ زعيم القبيلة محل الزعيم السياسي، بل وأكثر من ذلك، لأن الزعيم السياسي يحتاج إلى إيجاد شرعية سياسية تمنحه تلك الزعامة، ولكي يستمر زعامته تلك عليه أن يجري انتخابات داخل بيت الحزب في كل فترة ويتغلب على المنافسين له، أما زعيمنا القبلي فليس بحاجة إلى كل ذلك،بل بحصل ثقة القبيلة لمرة واحدة وويتم تنصيبه زعيمًا لها، وبذلك يصبح زعيمًا بلا منافس، بل شبه مقدس، ذلك لأن المسّ بذاته وكرامته يعني مسّ القبيلة برمتها، هذا “المنصب” تحوّل اليوم إلى منصب شبه وراثي، ولا تسألني عن شروطها!!

هذا المستجد الثقافي ذو النزعة الساسية أضاف لبنية الثقافة القبيلة التقليدية ثقافة سياسية، ومن هنا أصبحت السياسية تُحكم من خلال هذه المنظومة المشوهة، وكل هذا ألقى بظلاله على بنية الدولة، وإذا كنا نقول أننا ننشد تحديث بنية الدولة ودستورها، وقوانينها، ومؤسساتها، غير أن ما نشهده هو العكس، إذ أصبحت الدولة قديمة لتعارضها مع التراث الثقافي القبلي التقليدي، وأصبحت القبيلة هي الحديثة، وما زال المسلسل مستمرًا إلا أن يأتي أمر الله.

ومن أجل انتقال سلس من دولة القبيلة إلى دولة المؤسسات نحتاج إلى تفكيك منظومة القبيلة (السياسية)، وهذا ليس بأمر يسير، ولكنه ليس مستحيلا. وعلى المثقف الصومالي أن يبدأ رحلة جديدة، رحلة بحث عن الذات (المجتمع) غير القبيلة، وبناء منظومة العقل الصومالي ونقده وذلك من أجل تنقيته على الأكاديميين الصوماليين أن يقتحموا تلك الساحة؛ الساحة السياسية التي أفرغت عن الجهلاء والفاشلين في الحياة، حتى أصبحت شغل من لا شغل له وعلم من لا علم له.

وعلى المفكر الصومالي تقديم رؤية جديدة، رؤية تحمي تراث التقليدي الإيجابي، وتقصي عقلية القبيلة السياسية، رؤية تنطلق من الواقع وتستند التاريخ وتنظر الى المستقبل، والتحرك من الآن والآن فوراً.

إلى أن يتحقق ذلك الحُلم العسير؛ حلم دولة المؤسسات، حلم إخراج القبيلة من الساحة السياسية، حلم تصدر المثقفين والمفكرين والأكاديميين في المشهد. إلى أن يتحقق ذلك الحلم. أعبث وأكتب!

عن مختار علي محمد

مختار علي محمد

شاهد أيضاً

صالح والرقصة الأخيرة على رؤوس الثعابين

سيرة حياته حافله على الكثير من الأدوار والمواقف المتناقضة جسدت طراز زعامته وسلوك حياته السياسية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.