الرئيسية / مقالات رأي / الصراع في الصومال وسوريا وتجاذبات السياسات العالمية

الصراع في الصومال وسوريا وتجاذبات السياسات العالمية

الحديث حول السياسية العالمية له تجاذباته ولهو حديث تطول شجونه بمن أراد الخوض في خضم هذا البحر الذي تتلاطم أمواجه بعشوائية فظيعة. الانتقال مثلاً إلى الحديث عن السلام أو الحرب داخل السلام والعكس مسائل نراها بشكل شبه يومي هنا وهناك. الحديث هنا ما بين السلام في سوريا وبداية المعركة الانتخابية في الصومال وهو حديث أقرب إلى كذبة تُستعمل لتخدير الشعوب منه إلى حقيقة. ولكن الفرق بينهما يكمن في الصور الآتية:

الأولى: في سوريا؛ استعرضت روسيا قوتها وقدمت نفسها إلى العالم في صور مختلفة، صورة بطل الحرب الذي يستطيع مناصرة أصدقائه الأوفياء وإنقاذ من يريد إنقاذه لأي سبب كان، وأعتقد أنها نجحت في مسعاها هذا حين تحدت العالم أجمع في قصف المدن السورية وحدة تلك الأخرى وتدميرها بحجة تطهيرها من الإرهاب والمعارضة المسلحة التي لا تقبل روسيا بوجودها لأسباب عدة نذكر منها على عجالة بأنها لا تسمح بوجود شريك لها في سوريا التي تريد أن تستفرد بها.

والثانية: استمرار روسيا في إظهار تفوقها النفسي على دول الاتحاد الأوربي، ووضعه تحت ضغط نفسي رهيب حين قررت على حين غفلة من هذا الاتحاد أن تلعب بالنار في القرب من حدوده، فاجتاحت أوكرانيا كجس نبض منها لرّد فعل الاتحاد المهترئ، وبالتالي نجحت في خلق اضطرابات داخل أروقة الاتحاد الأوربي، وعلى صعيد آخر نجحت في إرسال رسائل قوية إلى الولايات المتحدة الأمريكية والى الحلف الأطلسي مما خلق حالة من عدم الثقة في نفوس الدول المنضوية تحت لواء الحلف. إنّ الحديث حول الرسائل الروسية من خلال خلق البلبلة يحتاج إلى مقال لوحده، لذا سأكتفي منه بهذا القدر.

الثالثة: فتمثلت في فرض روسيا نفسها بقوة عسكرياً من خلال استعراض القوة في كل من سوريا وأوكرانيا، ودبلوماسياً من خلال مجلس الأمن الدولي الذي كانت الكلمة العلياء فيه لروسيا، حيث قالت أكثر من مرة وكان قولها الفصل خاصة في الشأن السوري, وليس هذا فقط وإنما برهنت عن فطنة سياسية غير عادية حين ردت على كل الاستفزازات الأمريكية بعقلانية مسحوبة بحنكة شديدة ابتداءاً من لجوء أمريكا إلى خلق صراع بين روسيا وتركيا الشيء الذي تفطنت له الدولتان بأسرع مما تخيلته أمريكا فوطدتا علاقاتهما الاقتصادية والسياسية كرد صريح، ووصولاً إلى طرد أمريكا لدبلوماسيين روس الخطوة التي لم تقابلها روسيا بالمثل، ما وضع أمريكا في موقف محرج للغاية.

كل هذه النقاط المذكورة وكل هذه الألاعيب السياسية الخبيثة التي تشهدها الساحة السياسية العالمية تنقلني إلى القرن الأفريقي وبالتحديد إلى الصومال الذي شهد ولا زال يشهد صراعاً يتجدد كل حين بثوب وشكل جديدين، وحتى لا أفترض وجود نظرية المؤامرة العمياء التي انتهجها النظام السوري كذريعة للقمع الذي مارسه لسنوات طويلة دعني أعود إلى عام ٢٠٠٦،  ذلك العام الذي كان شاهدا على منعطفات خطيرة شكلت تحولا ملموسا لشكل الصراع الدموي في الصومال حيث بزغ نجم حركة جديدة على الساحة وكعادة الحركات ذات الطابع الإسلامي لم يأخذ الأمر أكثر من أسابيع حتى استتب لهم وآلت إليهم الكلمة في الصومال. في بداية الأمر حظيت الحركة بدعم شعبي واسع نظراً لكون الشعب قد ملّ من شكل الصراع القبلي ولا أقصد من ذلك التقليل مما قامت به هذه الحركة من خطوات إيجابية نحو السير إلى سلام شامل، حتى ظن الجميع أن الصومال قد عاد واستعاد عافيته واستبشر الناس بالخير. وهنا بدأت الحركة تكشف عن وجه ثاني لم يكن ساعياً إلى السلام. ويقول البعض أنه وجهها الحقيقي الذي من أجله تلقت الدعم من أطراف خفية. لا نريد أن نفترض نظرية المؤامرة؛ لذا سأعدّ هذا القول من جزاف الكلام.

بدأت الحركة الوليدة تهدد دول المنطقة بحرب شاملة لا تبقي ولا تذر تأكل الأخضر واليابس. هذه التصريحات الصومالية البحتةـ افترضاًـ أدت إلى صراع جديد في الساحة الصومالية ولكن هذه المرة بثوب جديد. وانتهي هذا الصراع بهزيمة الحركة الوليدة وانسحابها بشكل تكتيكي غير مسبوق، لاحقاً اتضح الدور الخفي الذي لعبته الولايات المتحدة الأمريكية في صياغة الأمور، حيث أعادت إلينا خطباء الحركة ليس كمهزومين وإنما كأبطال وقادة -كل هذا وانا لا أريد أن نفترض نظرية المؤامرة ـ ولكن ما تبع هذه الخطوة لاحقاً من زيادة أعضاء البرلمان الصومالي لصالح القادة الجدد ليس له أي تفسير غير اكتمال المؤامرة.. ومنذ ذلك الوقت اخذ الصراع في الصومال يتجدد بطابع ديني بحت. وحلت الحركات الإسلامية باختلاف طوائفها محل أمراء الحرب كقوة بارزة في الساحة السياسية الصومالية. بهذه الصورة الدرامية تحول الأمر من صراع قبلي إلى صراع ديني في الصومال. وهذا ما كانت تريده أكثر من دولة إقليمية وعالمية.

سيبدو للوهلة الأولى لمن يقرأ الأحداث في الصومال أن هاتين المرحلتين مختلفتان تماماً، ولكن من يتمعن أكثر سيجد أن ما يجمعهما هو غياب الأجندة الوطنية في كلتا المرحلتين، وحتى لا أطيل أكثر؛ سأختصر المرحلتين في ثلاث صور خاطفة تبين مدى خطورة المرحلة الثانية.

الأولى: الصراع في المرحلة الأولى كان قبلياً بحتاً، حيث كانت خطورة الوضع محصورة في الانتماء القبلي وليس أكثر، بينما في المرحلة الثانية أصبح الأمر أكثر خطورة؛ لأنه تجاوز مرحلة الانتماء القبلي إلى مرحلة الإيمان من عدمه، وحسب ما يؤمن به الطرف الآخر الذي يحاكمك على ما تؤمن به وهو من يقرر إن كنت مؤمناً أو كافراً يستحق عقوبة الإعدام.

الثانية: اختلاف أساليب القتال وآلية القتل، ففي المرحلة الأولى من الصراع لم يكن لسلاح الانتحار أي وجود، حيث لم يكن الناس يخافون إلا من المسلحين. انتشار هذا السلاح في المرحلة الثانية جعل الأمر أكثر خطورة وجعل الناس في حيرة وخوف دائمين.

الثالثة: تكمن في غياب الأجندة الوطنية في كلتا المرحلتين ولكن في المرحلة الأولى من الصراع لم يكن أمراء الحرب أكثر من مرتزقة يقاتلون من أجل مصالحهم الشخصية، بينما في المرحلة الثانية أصبح للأجندة الخارجية وجود أكبر في الساحة الصومالية، وأصبح الصراع في الصومال صراعاً بين دول لها مصالحها في المنطقة، وأصبح لكل من هذه الأجندات ممثلون داخل أروقة الحكم في مجلسيه التنفيذي والتشريع.

هذه الصورة الأخيرة ربما تشكل مرحلة جديدة من الصراع يمكن أن نطلق عليها مرحلة شراء الضمائر، وإن لم تتبلور بعد معالم ما ستؤول إليه هذه المرحلة، لكن الأيام القادمة كفيلة بأن توضح لنا معالم هذه المرحلة، ما إذا كانت امتدادا للمرحلة الثانية من الصراع أم إنها ستشكل تحولاً آخر نحو مستقبل مجهول.

عن عيسى آدم

عيسى آدم
شاب صومالي تاهت به سفينة الحياة من مرسى الى مرسى، والى الآن لم تستقر به سفينه الحياة على أمل ان تعود به يوماً سالما غانماً

شاهد أيضاً

الصومال: لهذا فضل الحياد في الأزمة الخليجية

لم يكن للصومال منذ إسقاط نظام محمد سياد بري سياسة خارجية مفهومة وثابتة، وغالباً ما …

تعليق واحد

  1. عيدالفتاح

    إذا كان الوضع الداخلي متماسك ومنيع أعني اذا توفرت العدالة الاجتماعية في أوساط المجتمع لا داعي من استنجاد قوة خارجية للتآمر وإسقاط النظام القائم في البلاد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.